فرنسا… اعتذري
فرنسا… اعتذري


09-02-2016 04:17 AM
د. ابتهال عبدالعزيز الخطيب

جسد المرأة وثيقة اجتماعية، وثيقة يكتب عليها المجتمع قوانينه وشروطه ويحدد في طياتها تقاليده وأعرافه. نعرف نحن المجتمعات من خلال نظرتها للمرأة وتقييمها لها، فنقول المجتمع الفلاني متفتح، انظروا كيف تتحرر فيه المرأة، والمجتمع العلاني عادل، انظروا كيف تتحقق فيه حقوقها وتحفظ فيه كرامتها، وذاك المجتمع مغلق متخلف، المرأة فيه محدودة الحريات، مغتصبة الحقوق كما يقول آخرون عن المجتمع ذاته إنه محترم متدين لذات الظواهر. هي المرأة المحدد الدائم، الورقة التي يكتب عليها المجتمع قوانينه، الأيقونة التي يقدمها لإثبات توجهاته وإيضاح حدوده ومحللاته من محرماته.
وهكذا، حضر الشرطيون على شاطئ نيس في فرنسا ووجها قبلتهما تجاه السيدة المرتدية «المايوه» الإسلامي آمرينها بخلعه لأنه يمثل شعاراً دينياً. نسي الشرطيون ونسيت معهم فرنسا بأكملها، لربما تحت وقع الأحداث، ولربما تحت وقع العنصريات والأفكار المسبقة، أن هذه السيدة انسانة، ليست شعاراً، ليست رمزاً، ليست وثيقة صلح أو مؤامرة انقلاب، هي فقط انسانة حاضرة مع أطفالها على الشاطئ لتسبح أو تتشمس أو لتجلس متأملة البحر، هي انسانة لا تعرّفها ملابسها ولا تحدد حقوقها.
ولقد كتبت شيريل جارات مقالاً رائعاً في الغارديان (الترجمات المقبلة كلها لي) بعنوان «حظر البوركيني: المعنى الحقيقي لتجريم الملابس» تقول فيه إنها هي شخصياً لا تستطيع لبس ملابس البحر العادية لأن جسدها يحترق سريعاً من الشمس، هي دائماً تذهب للشاطئ ببنطال طويل وقميص فضفاض، ملبس مشابه لذلك الذي كانت تلبسه السيدة المسلمة على شاطئ نيس. تقول الكاتبة إنها غالباً لن تتعرض لمضايقة بسبب ملبسها، حتى ولو كان قميصها يحمل صورة لبوذا، فالديانة المستهدفة هنا هي الإسلام.
تتحدث الكاتبة عن التاريخ الطويل المثير للجدل لملبس البحر النسائي. تقول الكاتبة إنه في 1907 تم القبض على السباحة الاسترالية محطمة الرقم القياسي أنيت كيليرمان على أحد شواطئ بوسطن بسبب ارتدائها مايوه من قطعة واحدة بلا أكمام، مشابهة كثيراً للبوركيني محل الجدل الحالي، بسبب فضائحية ردائها في حينها، حيث حكم القاضي بحكم شكل حلاً وسطاً سامحاً لها بارتداء مايوهها الثوري ولكن مع عباءة فضفاضة تغطيها الى أن تنغمر تحت المياه. الا أنه، تؤكد الكاتبة، مع ظهور البكيني في سنوات 1950 أعلنت كيليرمان بحد ذاتها أن هذا الملبس هو غلطة، فهو يظهر أكثر من اللازم كاشفاً خط الساقين الذي يجعلهما يبدوان قبيحتين، كما وأدان البابا البكيني ولكن لأسباب مختلفة بالطبع.
كان البكيني وقتها محظوراً، كما تقول الكاتبة، في إيطاليا، إسبانيا والبرتغال، وعلى الرغم من أن شهيرات عدة مثل بريجيت باردو قد ظهرن في مجلات مرتديات البكيني الا أن هذا الملبس البحري احتاج الى وقت طويل لينتشر وليصبح مقبولاً. «أما الآن، على ما يبدو،» تقول الكاتبة «هو واجبنا المدني والأخلاقي لأن نظهر أكبر قدر ممكن من الجسد وقت تشمسنا على الشاطئ، ومن الصعب أن نجد مجلة نسائية في الربيع والتي لا تدفعنا بشراسة لأن نكون «مستعدين بكينياً»، لتجويع أنفسنا، لإزالة شعر جسدنا بالشمع، للحصول على صبغة الجسد في الصالونات المختلفة، ولترييض أجسادنا للوصول الى الصورة المقبولة.» تستكمل الكاتبة كلماتها المغلفة بالسخرية الناقدة أنه «بالنسبة للوزيرة الفرنسية لحقوق المرأة، لورانس روزيغنول، فإن ارتداء أقل ما يمكن ارتداؤه على الشاطئ أصبح الآن بشكل ما موضوعاً نسوياً. «للبوركيني منطق البرقع ذاته: إخفاء أجساد النساء لغرض التحكم بهن» هذا ما قالته (الوزيرة) على ما يبدو بدون أن تكون واعية للتناقض الذي وقعت فيه بإجبار المرأة على إظهار جسدها عوضاً عن إخفائه».
تقول الكاتبة إنه منذ 170 سنة مضت ظهر رداء كان يسمى الفستان التركي والذي انتشر بشكل متسع جداً في أوروبا بمسمى bloomers، وهو عبارة عن فستان قصير فوق بنطال فضفاض. تسبب هذا الرداء بضجة في ذلك الوقت ليس لسبب سوى لأنه أوحى بأن النساء يخطون بجدية وبدرجة خطيرة في عالم الرجال. توضح الكاتبة أن ذلك «ليس مفاجئاً، فالأزياء لطالما كانت مؤشراً صادقاً للتحول الاجتماعي، وتقريباً كل محاولة لمنع ذوق جديد تخفي تحتها خوفاً عميقاً. فلكي ننظر في الخيوط المتحركة للظواهر الجندرية، الجنسية والطبقية، كل ما علينا فعله هو أن نتبع التوترات النفسية العامة حول ما نرتديه، أو في الواقع حول ما يرتديه الآخرون فيتسبب في إغضابنا».
تستعرض الكاتبة في بقية المقال التاريخ المثير لبعض أنواع الملابس مؤكدة في النهاية أن قلقنا يعبر عن مخاوفنا حول «ما تخفيه هذه الملابس لا ما تظهره». كل اعتراض أو غضب ينبعان في الواقع من مخاوفنا، مما «يندس أسفل الملابس» على حد تعبير الكاتبة، من المعاني التي تتضمنها هذه الملابس. «نحن نشعر بالخوف» تقول الكاتبة «نشعر بالعجز، لذا نلوم الاتحاد الأوروبي، اللاجئين، البوركيني، وننظر لزمن نعتقده أكثر أماناً، أكثر سعادة، عندما كان كل ما يقلقنا هو فقط طول حافة ملابسنا».
يبدو لي أن ما تقوله الكاتبة بوضوح اذن هو أن المسألة ليست بوركيني، وهي، وعلى الرغم من أنها تنتهك حقوق المرأة، وانسانيتها، ليست مسألة عنصرية في الواقع ضد المرأة، هي مسألة مخاوف وعنصريات أوسع وأعم، وأكثر سذاجة. شخصياً، لا أستطيع أن أتجاوز صورة سيدة مع أولادها تجلس على شاطئء البحر ابتغاء قضاء وقت ممتع هادئ لتنتهي برجلي شرطة فوق رأسها يجبرانها على خلع لباسها، لأن إظهار المزيد من جسدها هو تبرئة لها من الإرهاب والتطرف. بماذا تفرق فرنسا عن أفغانستان؟ كلتاهما انتهكتا انسانية المرأة، كلتاهما أرادتا أن تظهرا موقفاً، فما وجدتا غير جسد المرأة لتصنعا منه مصطبة تعتلي بأحذيتهم وبنادقهم، يا عيب الشوم يا فرنسا، فحتى لو ألغيت القرار، كيف ستمسحين الصورة الفاحشة لشرطتك وهي تجبر إمرأة على خلع ملابسها أمام أطفالها؟ يا لعار لن تخف حدته، ان خفت، سوى بتقديم اعتذار للمرأة في كل مكان، إعتذار غير مشروط وغير مبرر بما تعرضت له البلد، فالإرهاب لا يعالجه إرهاب مماثل، والتطرف لا يقضي عليه تطرف مقابل، والإنسانية لا تُعَلق والكرامة لا تُؤَجل حتى في أشد وأحلك الأوقات، يا عيب الشوم يا فرنسا.

القدس العربي






تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2688

التعليقات
#1514250 [الرأى العام]
0.00/5 (0 صوت)

09-03-2016 04:37 AM
بسيطة, كل من لا يعجبه قرار فرنسا فأليغادرها دون رجعة ولا داعى للت والعجن في هذا الموضوع الذى مللناه.


#1514244 [Abu Majid]
0.00/5 (0 صوت)

09-03-2016 03:17 AM
تبا لفرنسا التي أعلنت عداؤها للإسلام و لذلك فهي تتعرض لهجوم تلو الاخر و لا اعتقد ان الهجمات سوف تتوقف ما دامت دولة الظلم و الطغيان تسير علي هذا النهج . فلتذهب فرنسا الي الجحيم



خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة