الأخبار
أخبار السودان
الإنقاذ و هندسة الحروب العرقية (الجزء الثاني)
الإنقاذ و هندسة الحروب العرقية (الجزء الثاني)


06-13-2018 05:56 PM
محمد كمال الدين

"هل الحروب العرقية فِعلٌ عقلاني؟" سؤال طرحه علي الخبير الأمني البروفسير إيريك. ساقني السؤال إلى "الغطس" في مراجع التفسير العقلاني لهذه الحروب؛ فوجدت أن هؤلاء العقلانيين المزعومين ما هم في الحقيقة إلا معقلنون للاعقلانيات. حرب البشير على الجنوب أمرٌ إستعصى على كل الإفتراضات العقلانية تفسيره و تعدى كونه ظاهرة يمكن إختزال مسبباتها في إطار الخيارات البشرية الإنتفاعية. حرب الجنوب ما كانت أمراً عقلانياً بالمرة. يقدم الدكتور ستيوارت كوفمان في كتابه الكراهيات الحديثة: السياسة الرمزية للحرب العرقية تفسيراً بديلاً لظاهرة الحروب العرقية. كوفمان يضرب بالتفسير العقلاني لهذه الحروب عرض الحائط -كما فعلنا في مقالنا الأول- و يطرح إطاراً جديدا لتجريد هذه الظاهرة من الضبابية التي تشوب أسباب إندلاعها و كذلك إستمرارها لفترات طويلة كما في حالات الحروب الأهلية مثلاً. يسمي كوفمان نظريته ب"السياسة الرمزية" وذلك لأنها تعتمد على تحليل "مجهري" للشعارات و الرموز التي يوظفها القادة في تسعير نيران المعارك العرقية. شعارات؟ و رموز؟ يبدو أن كوفمان يعلم الكثير عن " في حماك ربنا في سبيل ديننا".

أغفلت العقلانية أن أفعال البشر المعقدة بطبيعتها لا يمكن حصرها في سياج مادي محض، فوقعت بذلك في فخ الإختزالية. أما سياسة كوفمان الرمزية فتجنبت هذا الفخ و إعترفت بوجود دوافع عاطفية (لا عقلانية) لتصرفات الآدميين. و ما أوفى هذا الإعتراف لنتائج علم الأعصاب الحديث! يقول كوفمان في نطريته أن شرارة الحروب العرقية تكمن في إستجابة الناس للشعارات و الرموز الأكتر تجييشاً للعواطف. و يؤكد أن سبيل القادة إلى دغدغة العواطف هو إستغلال "أساطير التاريخ و الرمزيات المشتركة" بين أفراد المجموعة العرقية و من ثم تصوير خطر خارجي وشيك. وقفة! ألا يذكرنا هذا التشييج الشعاراتي بحرب الجنوب:

لماذا فرضت علينا وزارة التعليم زي الكاكي العسكري الردئ الشكل في مرحلة الثانوية؟ كنت و رفاقي في الفصل نعشق باتات التمبرجاك و الجنز الشارليستون التي نلبسها بعد "البيوت". كان التمبرجاك و الشالرستون أبعث للثقة و الإحساس بالأناقة فينا خصوصاً أثناء إنتظارنا للمواصلات في القسم الجنوبي (السجانة) حيث تنتشر مجموعات أخرى من الطالبات "المدمدمات" هن أيضاً خلف بشاعة الكاكي المبرقط. لماذا سلبنا وزير التعليم الإنقاذي حق التنفس و التعبير عن شخوصنا المراهقة في أزياء أكثر عصرية؟ هنا يأتي كوفمان ليؤكد على أن هذا الفعل السياسي ما هو إلا ضرب من ضروب التحريك الرمزي و التجييش الشعاراتي. إرتداءنا هذه البدل العسكرية كان تنبيهاً دائما إلى حالة الخطر الوشيك، و كان تذكيراً متواصلاً بعُلوية العمل العسكري. لعمري إنها لهندسة سايكولوجية من الطراز الرفيع تلك التي ساقتي و مجموعة من الرفقاء لرفض الفحص الطبي قبل دخول معسكر عزة السودان. كان حماسنا للإلتحاق بصفوف العزة المزعومة أحمق من أن يتصدى له تقرير طبي مشؤوم. صدقت يا كوفمان فسنوات الثانوية الثلاث بكاكيها القبيح كانت أشبه بالأدلجة الرمزية منها إلى حقبة دراسية.

عزة السودان الحقيقية انتُهِكت يوم بدأ العمل ببرنامج عزة السودان هذا. ما كان المُعسكر إلا تجييشاً عاطفياً بإمتياز سخَّر لهُ الإنقاذ كل مقومات التحريك الرمزي و خبراء التحفيز السايكلوجي من مهووسي الدماء و رافعي السبابات. كانوا يبقوننا وقوفاً طوال الليل لا عين ترمش و لا جفن يغفو. لكن العجيب في الأمر أننا كنا نتحمل هذا الإعياء في بسالة مفرطة. و للبسالة مصدرها: جرعات الأدلجة الرمزية التي صدعوا رؤوسنا بها خلال النهار. روح التضحية في سبيل الدين و إبتغاء الشهادة و حتمية النصر للمؤمنين... شعارات و رموز... لكنها كانت ناجعة جداً. يقول كوفمان أن القائد -في سيبل تحقيق سياسته الرمزية- قد يستنفذ كل الموارد المؤسساتية المتاحة له ويذكرنا هنا بأن الهوتو في رواندا استنفروا أفراد القبيلة لإبادة التوتسي عبر الراديو حين صاحوا: "إنهضوا يا آل هوتو و أبيدوا هذه الصراصير من عند آخرها !!". هندسة البشير في تطويع العمل المؤسساتي لصالح سياساته الرمزية أمر مذهل. البشير لم يكتف بالمؤسستين التعليمية و العسكرية بل و تعداهما ليطوع الإعلامية كذلك. وهل نسينا برنامج ساحات الفداء وأجساد الشهداء التي يفوح منها المسك؟ أم القرود التي تساعد المجاهدين في نزع الألغام؟ خروجاً عن النص، إن كانت قرود السودان فعلاً تنزع الألغام فلم لا نعقد إتفاقيات عسكرية مع الNATO أو الولايات المتحدة و نعيد لخزينة الدولة بعض ما تبخر من الدولارات في ساحات "الجهاد"؟ أن يصبح السودان أكبر مُصدر للقرود العسكرية أمر مثير للضحك. ولكن و لِمَ لا؟

"الليلة يا قرن باقي أيامك إنتهن! يا قرن يا عمالة يا طريد كمبالا"، " ما بنخاف من زول نحن قوة صلابة.. الدباب بفجر الدبابة... الدبابين أسود الغابة... جنود العزة ديل شموخ و مهابة" فجرت هذه الشعارات رؤوسنا و ربما قلوب بعضنا. كانت قدرنا المفروض مؤسساتياً. ظلت تلاحقنا في الأزقة و الأروقة و المواصلات العامة و لكم كدرت صفو ليمون السنوسي البارد في صباحات السوق العربي الهادئة. إستحق كوفمان رفع القبعة فقد أبدع في تحليل سياسة الحرب في الجنوب وطرح بديلاً مقنعا لمحاولة العقلنة الفاشلة. و لكني أدعو لرفع المزيد من القبعات لهذا الرجل، فعطاؤه يمتد ليفضح آليات السياسة الرمزية في إنهاء الحرب كذلك. يقول كوفمان أنه حين تُقرر السياسة الرمزية إنهاء الحرب فإنها تعود لتخفض أو تلغي نفس الشعارات و الرموز التي إبتكرتها. لا فض فوك يا دكتور! قُبيل إتفاقية السلام، بدأت الإنقاذ عمليات التخفيض الشعاراتي. إختفت أسود الغابة و ساحات الفداء و حلّ محلها محمود عبد العزيز متغنياً بجمال جوبا و مراقصاً للجنوبيين وهم أنصاف عراة. بدأ تهميش برنامج عزة السودان العسكري و التركيز على برنامج حماة السودان التكنوقراطي و رأينا البشير الجلابي يعتلي المنصات الجنوبية في حُلّة إفريقية غير معهودة. و أخيراً، إنقلب طريد كمبالا (حسب نعتهم) إلى بطل قومي تفرش له السجادات الحمراء و تلقى عليه أكاليل الزهور.. الخلاصة هي أن الإنقاذ أشعلت الحرب بتكثيف العمل الشعاراتي و أنهتها بتخفيض ذات العمل الشعاراتي. ألم أقل أن البشير تخرج مهندساً حربيا رمزانيا بمرتبة الشرف!

قد يتساءل البعض عن بواعث نبش هذا الموضوع من مقبرة التاريخ و هذا تساؤل وجيه. ولكن ما يعتبره المتسائل مقبرةً، أنا أراه مستودعاً. فالتاريخ لم يمت بل تم تخزينه في ظروف جيوسياسية تضمن له الخلود. إن كانت حرب الجنوب قد ماتت، فإن كل عوامل إندلاع حرب مثيلة حية لم تمت. و على رأس هذه العوامل: أولا،حكومة خريجة المدرسة الرمزانية؛ ثانياً، تركيبة ديموغرافية كثيفة بالتعدد العرقي و الثقافي ؛ وثالثاً، شعب يسير التسطيح و التجييش العاطفي مؤسساتياً. و الواهمون بأن ذهاب الإنقاذ يعني دق المسمار الأخير في نعش الحروب العرقية في السودان، نسأل الله لهم توسيع المناظير التحليلية؛ فالسياسة الرمزية لا تعدو كونها وسيلة متاحة لكل الحكومات الإنتفاعية في "الكنكشة" على الكرسي و ذهاب الإنقاذ لا يضمن عدم إحلالها بقيادة ميكيافيلية أخرى.

"كوفمان" أنار لنا نفق الإنعتاق من شبح الحروب العرقية المظلم، فهل نحن منعتقون؟ لا ننكر أن ثورتنا (نحن الشعب السوداني) على سياسات الإنقاذ خطوة جيدة في سبيل الوصول إلى نهاية هذا النفق. لكن الثورة الحقيقة هي ثورتنا ضد أنفسنا. آن لنا أن نتحصن ضد هذه السياسات التفريقية بإعلاء روح التسامح الديني و العرقي و البصق في وجه السياسات العنصرية.

والله أعلم

محمد كمال الدين
Email: [email protected]
Facebook: https://www.facebook.com/profile.php?id=100026628467352
Twitter: Mohamed Kamal (@jabaruky269)






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1840


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2018 www.alrakoba.net - All rights reserved

ارشيف صحيفة الراكوبة