الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
من طرف المسيد- فِي عُمر الزُّهُور!
من طرف المسيد- فِي عُمر الزُّهُور!


08-22-2018 05:15 AM
عادل سيد أحمد

كان بياضُ شعر رأس جدي من الحقائق التي فتحت عيني عليها، و لكن، مع أبي: كان الأمرُ مختلفاً...فقد وعيت منذ وقتٍ مبكر إلى أن أبي يهرم... و كان اتساع الرقعة البيضاء في شعره مظهراً من مظاهر ذلك الهرم، ذلك الإتساع الذي لا يلحظ حركته أحد في الأيام التي يقيمها أبي دون تسفار في البيت، أمّا في حالة الغياب الطويل عن البيت، فقد كان الفرقُ أبلجاً...
في البداية، كان يستمتع هو بتعدادنا للشعرات البيضاء المحدودة و المعدودة من شعر رأسه، و لمّا زادات صرنا نحدد البقع البيضاء باللمس، و كان يرخي رأسه مبتسماً للهو أطفاله باشارات الوقار التي تكسيه... إلى أن جاءت الفترة التي أنحسر فيها، حتى الشعر الأبيض، تاركاً ساحاته للصلعة الزاحفة من الأمام للخلف، و من مركز الرأس نحو أطرافه...
و لمّا توهطت الصلعة، جزعنا أنا و أخوتي، و قد كنّا نحس دون أن ندري أنها دليل أفول، و نعد الوالد بأننا سنزرع له شعراً أجمل عندما نكبر، و ذلك قبل أن تضاف لها الأسنان التي تساقطت في فترة وجيزة، سن وراء الأخرى، و التجاعيد التي إرتسمت الواحدة تلو الأخرى، حتى صار أبي يشبه جدى، تماما، كما رآيناه في سنوات عمره الأخيرة.
إلا أنه لم يخطر ببالي أنني سأشيبُ أيضاً، و سأفقد سواد شعري اللامع... و ستذهب أسناني البيضاء المتلاصفة، مع الزمن، إلى غير رجعه...
و لكن، ما حدث، هو أنني فقدت شعري ذاته قبل السواد، و اقتحمت الصلعة مقدمة رأسي دون أن تبيض شعرة واحدة في فروته.
و عندما لمحت الشيبة الأولى، سافرت إلى المستقبل، عبر الخيال، في خطوة سريعة و أنا أرى نقش أزاميل الزمن و فعل السنين: صلعة و شيب و تجاعيد و اسنان مهبركة...
كان شكلي المتخيل فيها هو وجهُ جدي كما رأيته آخر مرَّة... بحواجبه و رموشه البيضاء و رأسه الحليق بالموس...
ثم أُرجِع عقارب الساعة قليلاً و أبطيء من سرعة ولوجي ثنايا المستقبل البعيد، لأتوقف عند وجه أبي... و هو في الخمسين، و ما أن أدركتها حتى تبين لي المسار بكل تعرجاته...
الآن أنا أحمل وجه أبي، تقول ذلك مرآة الحلاقة بجرأة لا تخشى فيها لومي و عتابي ... و تحاكي حركاتي حركاته: في قيامه و قعوده، و اتناول الطعام بنفس الزاوية، و أمضغه مثله، بالجانب الأيسر... و أكح، كما كان يكح في بداية الحديث من أثر التدخين...
و مع أن ذلك كله، يعد خسائر و هو خصماً على العمر، تجدني مستمتعاً باللحاق بركب الأولين، جدي و أبي من بعده، رغم أنني أشيح بخيالي عن تصور أن ذلك سيكون مصير أبنائي أيضاً...
و قد لازمتني تلك الخواطر و تلازمني كلما وجدت فرصة أسرح فيها... لا سيما في البرزخ الناعس، بين الصحيان و النوم في البص، حين عودتي من العمل أو مشوار طويل، و أنا جالس في مقعدي، بالطبع، لأن أحدهم قد تبرع و قال للجالسين:
ما تحترموا شيب عمكم دة، و تقيفوا ليه!؟
فيبتسم عدد من المتبرعين، أكثرهم صدقاً و حماس، فعلاً، هو: من يجذبني نحو مقعدة في البص، الذي فارقه طوعاً لأجلي:
تعال بي جاي، يا خال!
[email protected]






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1537


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2018 www.alrakoba.net - All rights reserved

ارشيف صحيفة الراكوبة