التاج مصطفى.. قيثارةُ الغناء
التاج مصطفى.. قيثارةُ الغناء

03-18-2012 05:30 AM | تعليقات : 0 | زيارات : 7150 |
رامي محكر:
(عازف الأوتار), (الملهمة) (إنصاف) وغيرها من الدرر نثرها الفنان الراحل التاج مصطفى خلال رحلته الفنية مقدماً أغنيات خلدت اسمه كأحد أساطير الغناء في السودان, نتجول في هذه المساحة مع جزء من حياة وتجربة الراحل لنتعرف على بعض من تفاصيل تجربته الغنائية والتي بالتأكيد مثله مثل بقية عمالقة الغناء السوداني يحتاج لمساحات أكبر لكي نمنحه ونوفي تجربته حقها الكامل.
ولد في العام 1931م واسمه الحقيقي محمد تاج الأقوياء مصطفى بقرية أم مرحي وهي مسقط جده الشيخ أحمد الطيب البشير ويعود نسبه إلى قبيلة الجموعية بدأ دراسته في خلوة الشيخ زين العابدين حيث بدأ يحفظ كتاب الله وهو لايزال في السابعة من عمره اتجهت بعد ذلك اسرته نحود مدينة الإبداع والفن والثقافة والفكر العاصمة القومية أم درمان ليقطنوا بحي كرري درس بعد ذلك بمدرسة العناية التابعة لمعهد أم درمان العلمي وتعلَّم هنالك على مدار السبع سنوات حرفة البناء والتشييد.. درس بمنزل الأستاذ مصطفى كامل وتلقَّى هنالك دروساً في الموسيقى في عام 1955م كما درس في ذات الصف الذي درس به أحد عمالقة الشعر في السودان وهو الشاعر الراحل التجاني يوسف بشير في المعهد العلمي بأم درمان.. تزوج التاج مصطفى في عام 1956م ورزقه الله بأربع بنات وخمسة أبناء.
متعدد المهن
مارس عدداً من المهن بعد تخرجه، حيث عمل «سروجياً» في مصلحة المخازن والمهمات التابعة للحكومة السودانية، متخصصاً في صنع الأحذية والحقائب الجلدية. وامتهن النجارة، وبعدها البناء الذي يعتبره مهنته الأساسية. وزاول في غضون ذلك عدداً من المهن، منها إصلاح الساعات، وتشييد البوابات الرخامية، ونحت شواهد القبور! وساهم أثناء اشتغاله بالبناء في تشييد عدد من معالم وضروح مدن العاصمة السودانية الثلاث، خصوصاً مبنى كلية المعلمات في أم درمان، ومطار الخرطوم الدولي.
المدرج الموسيقي
توجه بعد ذلك صوب الاتحاد العام للفنانين (الاتحاد العام للمهن الموسيقية حاليا) بعد أن طلب منه رئيس الاتحاد في ذلك الوقت الفنان أحمد المصطفى أن ينضم للدروس التي كانت تقام بالاتحاد وقد شارك في تلك الدروس كل من الفنانين عثمان حسين وعثمان الشفيع وأحمد المصطفى وصلاح محمد عيسى والعاقب محمد حسن وعلاء الدين حمزة وعبد الفتاح الله جابو والفاتح الطاهر وعلي مكي لكن لم يستمر في هذه الدروس سوى التاج مصطفى والعاقب محمد حسن والفاتح الطاهر وقد استفاد التاج من هذه الدراسة كثيرا واصبح يدوّن أغانيه على المدرج الموسيقي.
قومي يا سلمى
وفي العام 1958م فاز بجائزة أجمل أغنية صباحية في المسابقة التي كانت تنظمها الإذاعة القومية (هنا أم درمان) في تلك الفترة وقد شارك في تلك المسابقة بأغنية (قومي يا سلمى) للشاعر محمد دسوقي... جائزة أخرى حصدها التاج في بدايات مشواره الفني حيث نال في العام 1980م الجائزة الأولى في مهرجان الأغنية مشتركا مع المطربين صلاح مصطفى وصلاح ابن البادية.
الرجا
نشأ التاج مصطفى في بيئة ترفل في نعيم الإبداع وبها العديد من المبدعين حيث نشأ وترعر في حي المسالمة وكان من أبرز الأصوات الغنائية التي كانت تصدح في تلك الفترة كل من المطربين علي الشايقي وكرومة وسرور والأمين برهان ومحمد الأمين بادي وأم الحسن الشايقية وعائشة الفلاتية. وقد تأثر التاج وهو بواكير عهد الصبا بإحدى مغنيات منطقة السروراب تدعى «الرّجا» التي كانت تقيم حفلات الأعراس في المنطقة الممتدة من شمال أم درمان حتى مدينة شندي.
التاج والعود
ويقال إن التاج تكونت شخصيته الفنية من خلال مشاهدته واستماعه للمطربين الحاج محمد أحمد سرور وعبد الكريم كرومة اللذين يعتبران رائدي فن الغناء الحديث في السودان. ويقول: «كنت متأثراً بالفنان كرومة. كنت أتابع حفلاته التي تقام في الأحياء المختلفة. أما أول فنان أعجبت به من الفنانين الذين يغنون بمصاحبة الآلات الحديثة فهو الفنان عبد الحميد يوسف». وقد شاهد آلة العود لأول مرة في حياته في حفل أحياه المطرب عبد الحميد يوسف بإحدى بيوت جيرانهم فذهب مباشرة إلى محل النجار المتخصص في صنع الأعواد عبد الحميد أحمد الحاج، في شارع أبو روف، واشترى عوداً. وكثيراً ما كان يختلف إلى المحل ليطلب من عبد الحميد أن يدوزن له العود. بدأ تعلم العود بأغنية «بنات المدرسة» التي كانت أحد الألحان الشائعة في ذلك الزمان ثم حاول عزف أغنية «فتاة النيل» للمطربة عائشة الفلاتية, وكان التاج مصطفى من رواد نادي الإصلاح الرياضي في أم درمان، ليواصل هنالك رحلة تعليم العزف على العود. وكان الموسيقار برعي محمد دفع الله من أبرز العازفين الذين كانوا مداومين على الحضور للنادي وأضحى أبرز علم في المدرسة السودانية لعزف العود. بدأ بترديد أغنيات المطربين فضل المولى زنقار وعبد الحميد يوسف وحسن عطية وأحمد المصطفى وإبراهيم الكاشف ومن الأغنيات التي كان يرددها كثيراً أغنية «بعيد الدار» و»سمير الروح» و»على النجيلة جلسنا».
في الإذاعة
عندما كان يردد أغنيتي المطرب إبراهيم الكاشف «أنا ما بقطف زهورك» و»انت بدر السماء في صفاك»، في حفلة زواج بمنزل أسرة صديقه الممثل عبد الوهاب الجعفري، ومن بين الحضور في تلك المناسبة السيد عبد الوهاب علي أبو عثمان، الذي كان لصيقاً بأسرة مجلة «هنا أم درمان» (الإذاعة والتلفزيون والمسرح لاحقاً)، خصوصاً رئيس تحريرها المبارك إبراهيم. وهناك التقى أبو عثمان بالتاج أثناء الحفلة، وطلب منه أن يقابله في الخامسة من مساء اليوم التالي بدار الإذاعة السودانية.
فتاة النيل
أول أغنية اقتحم بها التاج مصطفى عالم الغناء والطرب هي أغنية «فتاة النيل»، للشاعر إسماعيل خورشيد. وبعد أن أداها حيّة على الهواء من داخل أستوديو الإذاعة، وجد اسمه في الأسبوع التالي منشوراً على صفحات مجلة «هنا أم درمان»، ضمن المطربين الكبار، الكاشف وحسن عطية وأحمد المصطفى. وذكرت المجلة أن هذا المطرب الجديد سيؤدي «حفلة» أخرى في الأسبوع التالي. وكانت أول أغنياته على الهواء شاركه فيها عازف العود فرح إبراهيم، الذي كان يصاحب بالعزف المطربة عائشة الفلاتية.. سافر إلى مدينتي شندي وكوستي لإحياء حفلتين بهما لتنشأ علاقة صداقة قوية بينه وبين عازف الكمان السر عبد الله الذي لازمه في حفلاته الغنائية نحو 15 عاماً، لينضم إليه أصدقائه ومرافقيه العازفين سعد أحمد عمر ومحجوب عوّاض وبدر التهامي ومحمد طالب.
الملهمة
أثناء عمل التاج في مصلحة المخازن والمهمات تعرف إلى زميله في العمل الشاعر أحمد إبراهيم فلاح وكانت ذروة نشاطهما الفني حين يلتقيان على متن الترام المتجه من الخرطوم بحري إلى أم درمان بعد انتهاء ساعات الدوام. وكان التاج يحرص على رحلة الترام حتى لو كان غائباً عن العمل، فهو يحرص على الذهاب إلى الخرطوم بحري في منتصف النهار ليبدأ رحلة الفن مع زملائه. وهو الترام نفسه الذي وقعت تحته حادثة بتر ساق المطرب عبد الدافع عثمان في عام 1944م، وكان التاج مصطفى أحد شهودها, بعد تلك البديات بدأ التاج في نظم العقد الفريد من أغنياته الخاصة متعاونا مع عدد من الشعراء مثل الشاعر عوض عبد الرحمن الحسين الذي كتب له أغنية «يا نسيم أرجوك» وأغنية «الملهمة» التي صاغها شعراً عبد الرحمن الريح ووجدت حظاً كبيراً من الانتشار والقبول لدى المتذوقين والمحبين للغناء في السودان في تلك الحقبة.
ليلة الذكرى
كان يحضر الدروس التمهيدية التي قدمها الأستاذان حسني وشعلان وهما من أساتذة البعثة التعليمية المصرية في السودان كما واظب على حضور الدروس التي قدمها بعدهما العميد أحمد مرجان وبعد ذلك اتجه إلى حضور الدروس الموسيقية التي قدمها الموسيقار المصري مصطفى كامل الذي يتمسك التاج بأنه أكثر من أفاد منه. وأتاحت له هذه المعارف الموسيقية أن يعمل أستاذاً للموسيقا في «الجامعة الشعبية» التي أدارها السيد نجم الدين عوض. وشاركه التدريس في تلك الجامعة الفنان العاقب محمد حسن، والموسيقار إسماعيل عبد المعين، والموسيقار الإيطالي ايزو مايستريللي الذي طلب من التاج أن يسمح له بعزف صولو الكمان في أغنيته الشهيرة «ليلة الذكرى».
الأمان الأمان
قدم إليه عبد الرحمن الريح، من نظمه وتلحينه، أغنيتي «ممكون وصابر» و»أنا المعذب بالجمال»، وعلي سالم، وحمزة خلف رحمة الله، ومحجوب عوض (من أبناء ود مدني)، ومحمد عوض ودّ السُّرَّة، والفنان رمضان حسن، الذي قدم إليه التاج لحن أغنيتي «اليوم عاطر والسحاب ماطر» و»الأمان الأمان» وتعامل مع عدد من الشعراء منهم محمد بشير عتيق، عوض فضل الله، إسماعيل حسن، علي محمود التنقاري، الطاهر حسن السُّنِّي، إدريس عمر، فؤاد أحمد عبد العظيم، الطيب يوسف هاشم، عوض أحمد الحسين، محمد علي عبد الله الأمي، عبد المنعم عبد الحي، الأخطل الصغير، ابن المعتز، الشاب الظريف، محاسن رضا (مصرية)، إسماعيل خورشيد، حسين بازرعة، سيف الدين الدسوقي.
التاج الملحن
تجربة أخرى قام بها التاج وهي التلحين لزملائه من الفنانين فقد قدم إلى المطربة عائشة الفلاتية ثلاثة ألحان وهي «الحبايب وعنّي مالهم صدوا واتواروا، وباقي ليْ يومين وأسافر واسعفوني»، وهي من نظم الشاعر علي محمود التنقاري. وحققت أغنية «الحبايب» شعبية غير مسبوقة، وظلت تتردد على الألسن منذ العقد السادس في القرن العشرين حتى مطلع القرن الحادي والعشرين. ويصف التاج زميلته الفلاتية بأنها «أعظم صوت جاء بعد الفنانة الرجا التي ذكرتها سابقاً، وإن كانت عائشة الفلاتية بطيئة في الحفظ، لكن صوتها كان عظيماً ورائعاً حقاً».. كما أهدى زميله الفنان إبراهيم الكاشف لحنين وهما أغنية «رسائل» (حبيبي أكتب لي) للشاعر عبيد عبد الرحمن، وأغنية «العيون» للشاعر سيد عبد العزيز, ومن نماذج التعاون بينهما، قيام الكاشف بعرض أغنيته «الحبيب وين قالوا ليْ سافر» على التاج، فأدخل عليها الأخير لمسات لطيفة، من قبيل ترديد كلمة «أيوة» من قبل أعضاء الفرقة الموسيقية، ومقطع «أوع لا تنسى». ويقول التاج: «الكاشف يستحق كل ذلك وأكثر، لأن مقدرته التصويرية الصوتية خارقة. كنا نحب بعضنا بعضاً. وكنا يعرض كل منا غناءه الجديد على الآخر»

++++++++++++++++
من أغنياته:
إنـصــاف :
كلمات عبد الرحمن الريح:
يا روحي أنصفني في حكمك
لأنه قاسي علي أنا يا حبيبي ظلمك
****
تظلمني والأيام قد تنصف الإنسان
يشاهد المحبوب عفواً عيان وبيان
بالنسبة للطفك والرقة يا فتان
ما كنت تظلم من أضحى بيك ولهان
تتركني في الماضي مع إنه في الإمكان
تجدد الذكرى وتنسي كل الكان
****
هيامي بيك يا فاتن مصدره الإنصاف
أنصفت حسنك حب وأنصفت حبي عفاف
ذوبت قلبي معاني رقيقة في الأوصاف
هومت نفسي خيال في معبدك طواف
وسكبت روحي على كاس المحبة سلاف
هل بعد هذا أكون لسهام نواك أهداف
****
أنا يا حبيبي غرامي تركته للأيام
تركت حب ودموع وتركت شوق وهيام
عودت نفسي إذا ما اشتدت الآلام
أصبر على الحرمان وأضحى بالأحلام
جنة هواي العذري ندية كالأنسام
تخلي نار الشوق برداً علي وسلام

الاحداث




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.