الأخبار
منوعات
فوائد قوم عند قوم مصائب
فوائد قوم عند قوم مصائب


04-26-2013 04:00 AM


عناية جابر



يحكى أن بعثة مسيحية توجهت في سالف العصر والآوان الى منطقة في القطب المتجمد الشمالي لإقناع قبائلها بفضائل المسيحية. وكان افراد البعثة من المتمرسين في شؤون التبشير وتقريب الأفكار والعقائد المركبة المعقدة الى عقل البسطاء المساكين. فراحوا يشرحون المباديء المسيحية بواسطة امثال وحكم نابعة من حياة العامة هناك. وحتى يتمكنوا من إقناع الغالبية كان لا بد من الترغيب والترهيب المعنويين أيضاً عملاً بمبادئ التربية والتلقين.
وللترغيب حكوا عن الجنة المرصودة للمؤمنين الممارسين للتعاليم دون غيرهم حيث البرودة والمياه العذبة. وللترهيب حكوا عن جهنم حيث عذاب النار الأبدية. وبعد فترة لاحظ أعضاء البعثة بذهول ميل القبائل الى جهنم وتفضيلهم لها على الجنة. فالجنة باردة وهم الذين يعانون صلف البرودة وقساوتها. أما جهنم فنار لا يمكن بنظرهم إلا أن تحمل اليهم الدفء والهناء.
الشعوب على ما يبدو تنطلق في تعاملها مع الحياة والأفكار والدين والإيمان إنطلاقا من حاجاتها الملموسة ومكامن وجعها الفعلي. من المحسوس الى المجرد. ويمر وقت طويل قبل أن تصل الى ترسيخ قناعاتها وإيمانها وتصوراتها المجردة عن الكون. ومن هنا ربما صعوبة نقل تجارب شعوب لشعوب أخرى وقناعات جماعات لجماعات بشرية مختلفة. ولا يكفي أن تكون التجارب في مكان معين ذات نتائج إيجابية جداً ومفيدة للصالح العام أو الخاص حتى يقتنع الآخرون بها في مكان آخر ويتبنونها.
وبما ان للشعوب، لكل شعب منها، تاريخها الخاص ومراجعها وأوجاعها وتجاربها فمن العبث حرق المراحل وحقنها بأفكار غيرها العظيمة. إن الأحداث التي تعصف بنا هذه الأيام كانت قد حملت الينا مبدئيا عناوين واعدة بالتقدم والرقي والحقوق والقواعد ما يكفي لكي ننتقل من العتمة الى الضوء. لكن بدلا من الديمقراطية والحرية والانعتاق من الإستبداد سرعان ما انتقلنا الى حروب الجماعات الأهلية العنيفة قليلة الرقي وكثيرة العنصرية.
ظنت بعض نخبنا أن مجتمعاتنا صارت مهيأة للقيم العالمية المشتركة. ظنت أن القيم إنسانية، إنسانوية عامة ويمكن تطبيقها فوراً في بلادنا بدون أية عوائق. ظنت ربما أن تاريخ الشعوب الخاص بها غير معيق أو غير مهم لكي يقاوم الجديد المستورد من تاريخ مختلف. غير أن انفلات المجازر التي فاجأتنا قد بينت العكس تماماً. فلا القيم موحدة ولا المشاكل ذاتها كما يبدو ولا الحلول متشابهة.
العودة الى قراءة المرحلة التي نعيش صارت أكثر من ضرورة وفقاً لحقائق التاريخ والجغرافيا الفعلية على الأرض لا وفق مفاهيم 'العصر' المنطلقة من القناعات البعيدة. دعونا نضع أدوات التجميل جانباً ولندخل بالموضوع. كان من الممكن أن نتحدث عن معركة داخلية موضوعها الاستبداد والحرية لولا أن الصراع على الأرض ومصطلحاته اللغوية تأخذ منحى آخر يشير الى 'أهل السنة' و'اهل الشيعة' وما بينهما. كان من الممكن قبول منطق الصراع ضد 'الهلال الشيعي' واعتباره أساس المشكلة الداخلية لولا تدخل الغرب غير المعروف بانتمائه الى معسكري الشيعة والسنة حسب علمنا. فلا الاميركي شيعي ولا الصيني من أهل السنة.
على القارئ الموضوعي لهذه المرحلة الصعبة المعقدة أن يجد تفسيراً موحداً ومتماسكاً لكل هذه الظواهر إذ لا يعقل أن يكون هناك عدة صراعات متوازية في قلب الصراع الدموي الجاري أمام أعيننا. لا يمكن أن يتصارع جبابرة الرأسمالية الدولية على أرضنا على ضفاف صراع آخر يجري بين الجماعات بشكل مستقل. علينا أن نجد الخيط الذي يوحد ما بين الوجهين فهما حتماً وجهان لمعركة واحدة. لا يعقل أن يكون الصراع في مصر مثلا بين تيار علماني وتيار ديني متزمت بينما يقف الخارج الذي يده 'في الخرج' منذ زمن بعيد في صف الإخوان فيه.
لا يعقل أن يكون الصراع في مصر داخلياً بحتاً ومنفصلاً عن الصراع في سوريا واليمن وتركيا وأيران وليبيا والعراق. لا يعقل أن يكون موضوعه الدستور وكيفية كتابته في وقت تتحدث الأنباء في العالم عن خرائط جديدة لحدود الدول العربية تتناسب والمعطيات النفطو-غرافية الجديدة في المنطقة وموازين القوى العالمية المتحولة. وكما لا يعقل أن يكون الشيعي مستبداً والسني ديمقراطياً أو العكس. كذلك لا يمكن الأميركي أن يكون منخرطاً في صراع داحس والغبراء بدون ناقة له فيه ولا جمل.
أن نكون طائفيين وعشائريين وقبائليين مسألة محسومة وأن تكون أشكال صراعاتنا حتى الآن محكومة بأشكال صراعات هذه الأنماط الإجتماعية مسألة صارت مفهومة لكن اعتبار صراعها فيما بينها هو الصراع اليوم فمسألة فيها نظر.
لقد صار من الواجب علينا أن نجد قراءة توحد ما بين عناصر الصورة لكي تحدد الخيط الرئيس فيه. فليس من العقل في شيء أن نقبض كل ما يقال لنا هنا وهناك. والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين مبدئياً. ففي تاريخنا الحديث شهدنا، نحن العرب، صراعاً مشابهاً وعدتنا خلاله القوى العظمى بدولة عربية كبرى فصدق شريفنا وقادنا الى الهاوية التي نعرف. افتتحت الحرب هذه المرة بمعركة عنوانها إسقاط الإستبداد ثم أخذت تدريجاً تتحول الى عناوين أخرى تهدم ما لدينا من مؤسسات وبنى وتهددنا بتقسيم ما كان قد جرى تقسيمه سابقاً وعديناه 'نهائيا'.
إذا صح ما نقول من أن عالمنا العربي مربوط منذ زمن طويل بمصالح واستراتيجيات القوى العظمى المسيطرة على عالم اليوم فإن بناه الإجتماعية المحلية الصامدة لم تعد مستقلة بل تعمل حكماً وفق هوى هذه القوى وتحولات أهدافها. وبما أن الديمقراطية، كما توضح، لم تعد هي فعلا الهدف الحقيقي اليوم فعلى النخب العربية أن تحدد طبيعة ما يجري وأن تقف حيث مصالح شعوبها اليوم بدل أن تواصل التخبط في معارك دونكيشوتية لا تبقي ولا تذر.
قيل للعرب ان الديمقراطية جنة دافئة وبما أنهم يعيشون في بلاد حارة فقد انحازوا الى طوائفهم الباردة التي يعرفون.

القدس العربي


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 843

التعليقات
#647701 [ADVANCER]
0.00/5 (0 صوت)

04-26-2013 11:00 AM
يوجد كذلك تعذيب بالبرد في جهنم وهو الزمهرير قال تعالى عن أهل الجنة:( لايرون فيها شمساً ولا زمهريراً) والله أعلم.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة