مقالات وآراء

البلد ليست في حالة حرب… بل في حالة نهب!

حين تنقل لنا الصحفية “المُكرَّمة” رشان أوشي – وهي التي لا تُتَّهَم عادةً بمناهضة السلطة – واقعةً تهز أركان مجلس السيادة، فاعلم أن الفضيحة قد بلغت من الوضوح حدًّا لا يحتمل التجميل.
القصة، كما روتها، لا تتعلق بمؤامرة كونية، ولا بخلية نائمة، ولا حتى بتمرد مسلح.
القصة أبسط من ذلك بكثير: قطعة أرض.
ألف متر مربع فقط، مُجتزأة من مجمع إسلامي مملوك لوالد عضو مجلس السيادة.
طلب عادي – في نظر أصحابه – بأن “تُمرَّر” الإجراءات.
لكن المشكلة أن ثمة موظفًا اسمه آيات الله محمد أحمد المأذون، قضى أربعين عامًا في الخدمة العامة، قرر أن هناك شيئًا اسمه قانون.
وهنا بدأت المأساة.
مدير الأراضي لم يسرق، لم يختلس، لم يبتز.
جريمته الوحيدة أنه أخرج قرارًا مكتوبًا من والي الخرطوم يوقف بيع الأراضي الاستثمارية، وقال: “لا أستطيع”.
في دولةٍ الشعارُ فيها “سيادة القانون”، ينبغي أن تُكتب هذه العبارة بماء الذهب.
لكن في دولة النفوذ، تُكتب بقرار إيقاف.
تأتي عضو مجلس السيادة بنفسها، ومعها المرافقون، ثم الأمين العام، ثم الوزير، ثم الانفعال، ثم ضرب الطاولة، ثم الطرد من المكتب، ثم الإنذار بعدم المرور حتى في الشارع!
يا لها من هيبة!
أي دولة هذه التي يُستدعى فيها كل هذا الحشد الرسمي من أجل قطعة أرض؟
وهنا تتجلى العبارة التي أطلقها أحد نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لخصت المشهد كله في جملة واحدة:
“البلد ليست في حالة حرب… بل في حالة نهب.”
نعم.
فالحرب، كما يُقال لنا، تُخاض دفاعًا عن الوطن.
لكن ما الذي ندافع عنه حين يُهان موظف لأنه تمسك بقرار مكتوب؟
وما الذي نحميه حين تتحول مؤسسات الدولة إلى ممرات لتصفية المصالح الخاصة؟
ثم كان من الضروري ربط الشعار الكبير، المعلَّق فوق الرؤوس كيافطة ضخمة:
“شعب واحد… جيش واحد”
بما يحدث من نهب و”شفشفة” “على عينك يا تاجر”، وعلى مستوى مجلس سيادة غير شرعي يتحكم فيه البرهان، القائد الأعلى للجيش، بدعوى أن الجيش هو حامي الحمى.
أي شعب هذا الذي يُفترض أنه واحد، بينما أكثر من نصف سكان البلاد – وفق معطيات الواقع الديمغرافي والسياسي – في الضفة الأخرى من نهر الدم والمعركة؟
إنها معركة النهب ومعركة الإذلال، لا معركة “الكرامة” المزعومة.
وأي وحدة هذه التي تُختزل في طاعة غير مشروطة لمجلس سيادة لم ينتخبه الشعب، ولم يُجمع عليه الشعب، بل يزعم – بكل ثقة – أنه يتحدث باسم الشعب كله؟
إذا كان “الشعب الواحد” يعني أن نصفه يُقصى، ونصفه يُحارَب، والنصف المتبقي يُطلب منه أن يصفق، فهذه ليست وحدة… بل معادلة حسابية مختلة.
الفضيحة هنا ليست في انفعال، ولا في ضربة طاولة.
الفضيحة في أن الموظف الذي بقي له ستة أشهر على المعاش يُطرد لأنه احترم التسلسل الإداري.
الفضيحة في أن من يُفترض أنهم حماة الدولة يصبحون – في لحظة مصلحة – خصومًا للقانون نفسه.
والمفارقة الساخرة أن من كتب القصة صحفية محسوبة على التيار الذي طالما دافع عن هذه السلطة.
حين تبدأ الحكايات بالتسرّب من داخل البيت، فاعلم أن الجدران نفسها قد ضاقت بالكتمان.
هذه ليست حادثة إدارية عابرة.
إنها صورة مكثفة لطبيعة الحكم: سلطة ترى في القانون عقبةً لا مرجعًا، وترى في الموظف الشريف خطرًا لا قيمة، وترى في الدولة غنيمةً لا أمانة.
ولذلك، قبل أن نُسأل: “مع من أنتم؟”
نسأل: مع أي دولة؟
دولة القانون؟
أم دولة الهاتف؟
دولة المؤسسات؟
أم دولة النفوذ؟
إن كان هذا هو معنى “السيادة”، فالمفارقة أن السيادة هنا ليست سيادة القانون، بل سيادة الرغبة.
وإن كان هذا هو معنى “الوطنية”، فالوطن – في هذه الصيغة – قطعة أرض تنتظر من يمررها.
لهذا نقولها بلا تردد:
لتسقط فرية “شعب واحد… جيش واحد” حين تُستخدم ستارًا لشرعنة النفوذ وتكميم الأسئلة.
ولتسقط كل قداسة تُمنح لسلطة لا تحتمل موظفًا قال: “هذا قرار مكتوب.”
أما العبارة التي ستبقى، فهي تلك التي خرجت من قلب الشارع، أكثر صدقًا من كل البيانات الرسمية:
البلد ليست في حالة حرب… بل في حالة نهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..