مقالات وآراء

قراءة في مآلات الحرب وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية

محمد صالح محمد
تجاوزت الحرب السودانية التي اندلعت في منتصف أبريل 2023 فكرة “النزاع العسكري” التقليدي لتتحول إلى زلزال بنيوي أعاد صياغة الدولة السودانية، ليس فقط من حيث موازين القوى، بل من حيث الوجود الكياني للدولة نفسها. إن ما أنتجته هذه الحرب يتجاوز الرماد والدمار؛ إنه “سودان جديد” مشوه الملامح، محكوم بمعادلات صفرية وتدخلات عابرة للحدود.
تآكل سيادة الدولة ومركزية القرار
أبرز ما أنتجته الحرب هو التحلل المؤسسي للدولة السودانية. فبعد عقود من المركزية القوية في الخرطوم، أدت المواجهات المسلحة إلى تفتيت سيادة الدولة إلى جزر معزولة.
ثنائية السلطة: نشأ واقع سياسي بـ “رأسين”، حيث تحاول الحكومة القائمة من بورتسودان / الخرطوم ممارسة مهامها كشرعية دولية، بينما يفرض تحالف السودان التأسيسي (نيالا) سلطة أمر واقع في مساحات شاسعة في دارفور وبعض المناطق من كردفان.
الفراغ الإداري: أدى انهيار الجهاز البيروقراطي إلى غياب الخدمات الأساسية، مما حول مفهوم “الدولة” في نظر المواطن من “راعية” إلى “عاجزة” أو “غائبة”.
إعادة هندسة الديموغرافيا وسلاح التغيير القسري
لم تكن الحرب مجرد اشتباك جيوش، بل أنتجت واحدة من أكبر كوارث النزوح في القرن الحادي والعشرين. هذا النزوح لم يكن عشوائياً في نتائجه، بل أدى إلى:
فرز مجتمعي حاد: تعمقت الشروخ الإثنية والقبيلة، خاصة في إقليم دارفور، حيث أعادت الحرب إحياء صراعات “الأرض والهوية”.
إفراغ الحواضر: تحولت بعض المناطق والمدن التي كانت بوتقة للانصهار القومي إلى مدن أشباح، مما يعني فقدان الذاكرة المؤسسية والاقتصادية للبلاد لسنوات طويلة قادمة.
الاقتصاد السياسي للحرب من الإنتاج إلى “النهب والارتزاق”
أنتجت الحرب نمطاً اقتصادياً مشوهاً يعتمد على اقتصاديات الظل. توقف الإنتاج الزراعي والصناعي، وحل محله:
عسكرة الموارد: تحولت مناجم الذهب وطرق التجارة إلى غنائم حرب، تسيطر عليها القوى المسلحة لتمويل آلتها العسكرية.
تدمير الطبقة الوسطى: تبخرت مدخرات السودانيين وانهارت العملة الوطنية، مما خلق فجوة طبقية هائلة بين “أمراء الحرب” وعامة الشعب الذين سقطوا تحت خط الفقر المدقع.
التدويل والارتهان للمحاور الإقليمية
أخرجت الحرب السودان من إطار “الأزمة الداخلية” إلى منطقة “التجاذب الإقليمي والدولي”. أنتج هذا الواقع:
فقدان الاستقلالية: أصبح القرار السياسي والعسكري السوداني مرتبطاً بشكل وثيق بمصالح قوى إقليمية توفر الغطاء السياسي أو الدعم العسكري.
تحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات: تداخلت الملفات من أمن البحر الأحمر إلى النزاع على مياه النيل، مما جعل السودان ورقة في لعبة شطرنج كبرى لا تملك الأطراف السودانية فيها حق التحريك دائماً.
بروز الفواعل المسلحة كبديل للعمل السياسي
من أخطر إفرازات الحرب هو تراجع الفعل المدني وتصدر “البندقية” كأداة وحيدة للتفاوض. تراجعت الأحزاب السياسية والكتل المدنية إلى الهامش، بينما تصدرت المشهد حركات مسلحة وميليشيات محلية و”تنسيقيات مقاومة” مسلحة، مما يجعل العودة إلى مسار التحول الديمقراطي المدني أمراً يحتاج إلى معجزة سياسية.
إن الحرب في السودان لم تنتج “منتصراً”، ولن تنتجه في المدى المنظور، بل أنتجت “دولة فاشلة وظيفياً” تعاني من تمزق النسيج الاجتماعي وتعدد الجيوش.
السودان اليوم يقف أمام سيناريوهات قاتمة تتراوح بين “الصوملة” (التفتت الشامل) أو “التقسيم الواقعي” (De facto partition)، ما لم تحدث إرادة وطنية فوقية قادرة على لجم طموحات القوة العسكرية وإعادة الاعتبار للسياسة كأداة وحيدة لإدارة الاختلاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..