
يُلاحظ على كشف الترقيات الأخير وجود اختلالات جوهرية تثير تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار وعدالتها. فقد تمّت ترقية بعض الأفراد إلى درجات متقدمة على هياكل تخصصية دقيقة، رغم افتقارهم للحد الأدنى من المعرفة المهنية الأساسية المرتبطة بطبيعة الوظيفة، ناهيك عن غياب التأهيل الأكاديمي أو الفني في ذات المجال. ويُعدّ ذلك مؤشراً واضحاً على ضعف الالتزام بمبدأ الكفاءة المهنية كشرط أصيل للترقي.
كما يبرز مأخذ إجرائي يتمثل في تفصيل نطاق سنة الاستحقاق بطريقة أدت عملياً إلى إقصاء عدد من الكوادر المؤهلة وذات الخبرة الميدانية المستمرة حتى اندلاع الحرب، وهو ما يطرح شبهة توجيه المنافسة بدلاً من تنظيمها. إذ يفترض في تحديد سنوات الاستحقاق أن يكون معياراً تنظيمياً عاماً مجرداً، لا أداة انتقائية تُستخدم لإعادة تشكيل قوائم المستحقين.
ويُضاف إلى ذلك مثال آخر يعكس اضطراب المسارات الوظيفية داخل المؤسسة، حيث أُدرج بعض العاملين ضمن هياكل أو مسميات وظيفية لا تتسق مع طبيعة عملهم الفعلية التي ظلوا يمارسونها لسنوات، ما يثير تساؤلات حول الأساس الإداري الذي استُند إليه في احتساب الخبرة وتحديد الاستحقاق. فالأصل أن تُحتسب الترقيات وفق الوظيفة الفعلية والخبرة المتخصصة المتراكمة، لا وفق تسويات إدارية أو تنقلات غير منضبطة بالأسس المهنية.
ومن المآخذ كذلك تكرار حالات تخطي بعض منسوبي القطاعات الفنية، رغم أن دفعاتهم الوظيفية تقدمت إلى درجات أعلى، بينما ظلوا هم في درجات أدنى دون مبررات موضوعية معلنة. ومثل هذه الحالات تُضعف الإحساس بالعدالة الوظيفية، وتخلق فجوة ثقة بين العاملين والإدارة، خاصة عندما يتعلق الأمر بكوادر مهنية يفترض أن يكون معيار تقييمها قائماً على الأداء والتأهيل والخبرة العملية.
توصية إجرائية في ظل الظرف الاستثنائي
وفي ضوء الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ودون الإخلال بالمعايير المهنية أو المساس بمبدأ الاستحقاق، تبرز ضرورة اتخاذ معالجات إدارية عاجلة تعيد التوازن المؤسسي وتحفظ الاستقرار الوظيفي. ويمكن أن يتم ذلك عبر إصدار قرارين متلازمين:
1. تجميد العمل بكشف الترقيات الحالي إلى حين مراجعته مراجعة شاملة وفق ضوابط موضوعية معلنة تضمن العدالة والشفافية.
2. إصدار قرار ترفيع اسمي عام (رسوب وظيفي وفك اختناق) يشمل جميع العاملين، على أن يكون ترفيعاً تنظيمياً غير مترتب عليه أثر مالي، بما يحقق إعادة ضبط السلم الوظيفي وتصفير الفوارق التراكمية في الترقيات، تمهيداً لإعادة بناء نظام ترقيات مستقر قائم على الكفاءة والجدارة.
إن اعتماد مثل هذا النهج لا يُعدّ استثناءً على القواعد، بل إجراءً تصحيحياً مشروعاً في الظروف الانتقالية، هدفه حماية المهنية، واستعادة الثقة، وتهيئة بيئة مؤسسية عادلة تعزز الانتماء الوظيفي وتدعم كفاءة الأداء العام.



