مقالات وآراء

لاجئون تحت المطاردة… حين يُمتحَن القانون وتُستدعى الذاكرة

السماني شكرالله

لم يعد ما يتعرّض له اللاجئون السودانيون في جمهورية مصر العربية مجرّد وقائع متفرّقة تُدرج تحت بند “التجاوزات”، بل أضحى مشهدًا مكتمل الأركان، تتقاطع فيه القبضة الأمنية مع صمت القانون، ويُدفع فيه الهارب من ألسنة اللهب عائدًا إلى أتونها. مطاردات في الشوارع والحواري، توقيف بأيدٍ متخفّية في زيّ مدني، ثم ترحيل قسري إلى وطنٍ ما تزال الحرب فيه تمسك بخناق الحياة، في انتهاك سافر لمبدأٍ دولي لا لبس فيه: عدم الإعادة القسرية، ذلك المبدأ الذي شُيّد ليكون السدّ الأخير في وجه الوحشية.

والأفدح من ذلك، أن هذا المسار لم يتوقّف عند حدود البالغين، بل طال أطفالًا دون سن الرشد، أُوقفوا وهم عائدون من مدارسهم، يحملون دفاتر لا بنادق، وأحلامًا صغيرة لا تهديدًا لأحد. أي شريعة هذه التي تُعيد طفلًا إلى القصف؟ وأي دولة تقبل أن يُسجَّل في تاريخها أنها سلّمت البراءة إلى الحرب؟

مصر، وهي الدولة التي عرفت معنى اللجوء عبر تاريخها الطويل، ليست في فراغٍ قانوني ولا أخلاقي. فهي طرف في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، وملزمة، نصًا وروحًا، بحماية من احتمى بأرضها، لا بمطاردته، وبمنحه الأمان لا بإعادته قسرًا إلى الخطر. هذه التزامات لا تُعلَّق على شماعة “الظرف الاستثنائي”، ولا تُفرَّغ من مضمونها بذرائع الأمن العابر.

غير أن القضية هنا لا تقف عند تخوم القانون وحده، بل تمتد عميقًا في تربة الذاكرة المشتركة. فالعلاقة بين السودان ومصر ليست علاقة جوارٍ عابر، بل وشائج تاريخٍ امتزجت فيه المصائر. قدّم السودان لمصر، بطيب خاطر، تنازلات جسيمة حين فُتحت أراضيه لبناء السد العالي، فغُمرت مدن وقرى كاملة، وضاعت آثار حضارية لا تُعوَّض، وهُجّر الإنسان النوبي من جذوره وذكرياته، دون ضجيج ولا مساومة، لأن مصر كانت الشقيقة، ولأن المشروع قُدِّم بوصفه حلمًا قوميًّا يتجاوز الحدود.

وحين داهمت مصر لحظات الانكسار، كان السودان حاضرًا بلا تردّد. في نكسة 1967، ثم في حرب أكتوبر 1973، وقف سندًا سياسيًا وعسكريًا ومعنويًا، لا يسأل عن ثمن ولا ينتظر جزاءً. كان العون في زمن الشدة، والظهر الذي لا ينحني.

وفوق هذا التاريخ، قامت بين البلدين اتفاقية الحريات الأربع: حرية التنقّل، وحرية الإقامة، وحرية العمل، وحرية التملّك. لم تكن هذه الاتفاقية إجراءً إداريًا باردًا، بل اعترافًا رسميًا بخصوصية العلاقة بين شعبين يتداخلان في النسب والثقافة والعيش اليومي، وتأكيدًا أن مواطنيهما ليسوا غرباء على ضفتي النيل.

كثير من السودانيين الذين قصدوا مصر بعد اندلاع الحرب لم يحملوا معهم سوى ما ادّخرته سنون التعب، فاستثمروا في الاقتصاد المصري، وتملّكوا عقارات، وأقاموا مشاريع صغيرة ومتوسطة، وأسهموا في حركة السوق وخلق فرص العمل. لم يأتوا طالبي صدقة، بل باحثين عن أمانٍ مؤقّت وكرامة دائمة، حاملين معهم رأس مال وخبرة وإرادة حياة.

فأي منطق هذا الذي يحوّل المستثمر إلى مطارد، وصاحب العقار إلى مهدَّد بالترحيل، واللاجئ إلى متهم؟ وكيف تُداس اتفاقية الحريات الأربع على أرصفة الشوارع، بينما تُرفع شعاراتها في الوثائق؟

إن مطاردة السودانيين لا تنال منهم وحدهم، بل تُثقل كاهل صورة مصر ذاتها، وتخدش مكانتها في وجدان شعوب المنطقة. فهي تُشيع مناخ خوف وتمييز جماعي، وتدفع مجتمعًا هشًّا إلى العيش في الظل، بما يحمله ذلك من أخطار إنسانية واجتماعية وأمنية.

من هنا، يصبح الصمت تواطؤًا. وتغدو مسؤولية منظمات رعاية اللاجئين، وعلى رأسها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مسؤولية تاريخية لا تقبل التسويف. المطلوب تحرّكٌ عاجل يضع حدًا للترحيل القسري، ويوفّر حماية خاصة للأطفال، ويعيد الاعتبار لنصوص القانون وروح الاتفاقيات.

فالأوطان لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما تمنحه من أمان لمن لجأ إليها في ساعة العسرة. واليوم، يُمتحَن القانون… وتُستدعى الذاكرة… وتُوزَن الضمائر بميزان لا يخطئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..