مقالات وآراء

موسى هلال.. محاولات غسل الدم بدموع التماسيح

السماني شكرالله

في السياسة السودانية، حيث تتجاور المأساة مع المهزلة، لا يكاد الغبار ينقشع عن وجهٍ حتى يُعاد تلميعه بطلاءٍ جديد. وها هو اسم موسى هلال يعود إلى التداول، لا بوصفه عنواناً لواحدة من أحلك صفحات دارفور، بل في محاولةٍ متعمدة لإعادة تقديمه كـ«ضحية» صراعٍ داخلي، وكأن التاريخ دفتر ملاحظات يمكن تمزيقه متى شاءت السلطة، أو إعادة كتابته بحبرٍ بارد.

لقد ارتبط اسم موسى هلال منذ عام 2003 بملف دارفور الدامي، حين تمددت ميليشيا «الجنجويد» في الإقليم على إيقاع النار والبارود. لم يكن الرجل مجرد زعيمٍ قبلي، بل كان ذراعاً ضاربة لنظام عمر البشير، ينفّذ سياسة الأرض المحروقة بلا مواربة. قرى أُحرقت، نساء انتُهكت كرامتهن، ومزارعون اقتُلعوا من ترابهم كما تُقتلع الأعشاب اليابسة. تلك الوقائع لم تكن روايات خصوم، بل وثّقتها تقارير أممية ومنظمات دولية، وأفضت إلى إدراج الملف برمّته تحت ولاية العدالة الدولية.

فمع تفاقم الكارثة، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1593 لعام 2005، واضعاً دارفور تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، باعتبار ما جرى تهديداً للسلم والأمن الدوليين. وبموجب ذلك القرار، أُحيلت الانتهاكات المرتكبة في الإقليم منذ الأول من يوليو 2002 إلى المحكمة الجنائية الدولية، في سابقةٍ أكدت أن الجرائم الجسيمة لا يحجبها ستار السيادة ولا يحميها غياب التوقيع على نظام روما. ومنذ تلك اللحظة، صار ملف دارفور قضية ذات طابع دولي، تُلاحقها آليات العدالة عبر الحدود، وصدرت أوامر قبض بحق مسؤولين سودانيين، وبات اسم موسى هلال جزءاً من سياق الاتهامات والعقوبات الأممية المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

غير أن المفارقة التي تُراد اليوم تسويقها تقوم على قلب المشهد: الرجل الذي كان جزءاً من ماكينة العنف، يُراد له أن يتحول إلى شاهدٍ عليها، بل إلى متضررٍ منها. القطيعة التي وقعت لاحقاً بينه وبين مركز السلطة في الخرطوم لم تكن توبةً أخلاقية، بل صراع نفوذ داخل البيت الواحد. وعندما صعد نجم محمد حمدان دقلو، بدا الأمر أشبه بإعادة توزيع للأدوار لا مراجعةً للخطايا.

ثم جاءت واقعة «مستريحة» لتضيف بعداً درامياً جديداً. الهجوم على معقل هلال من قبل قوات الدعم السريع أتاح لأنصار النظام البائد فرصةً ذهبية لتصوير الرجل بطلاً مظلوماً، متناسين أنه أحد الآباء المؤسسين لثقافة الميليشيا التي تتناسل اليوم كالفطر السام. كأنما يُراد إقناع السودانيين بأن النار التي اشتعلت في أطراف البلاد لم يشعلها أحد، وأن البنادق نبتت من الأرض صدفة.

لكن الذاكرة السودانية، على ما فيها من جراح، ليست مثقوبة إلى هذا الحد. دارفور لم تُشفَ بعد، وصرختها لم تخفت كي يُعاد تدوير وجوه الماضي تحت لافتات جديدة. إن محاولة «غسل الدم بدموع التماسيح» ليست سوى استهانةٍ بوعي شعبٍ دفع كلفة التجارب الفاشلة من لحمه ودمه.

ليست القضية تصفية حسابات سياسية، بل سؤال عدالة. العدالة التي لا تُبنى على تبديل المواقع بين الجلادين، ولا على استبدال ميليشيا بأخرى، بل على تفكيك البنية التي جعلت من العنف أداة حكم. وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال مأساة دارفور في خصومة بين رجلين، أو في معركة نفوذ داخل منظومة واحدة.

إن إعادة تصدير موسى هلال للمشهد العام ليست سوى محاولة للهرب من استحقاقات الحقيقة. غير أن الحقيقة، وإن تأخرت، لا تموت. ودارفور، التي دفعت أثماناً باهظة، لن تقبل أن تتحول دماؤها إلى مادةٍ في بازار السياسة. فالتاريخ، مهما حاول البعض تزويره، يحتفظ بنسخته الأصلية… والذاكرة، حين تُصان، تصبح أقسى من أي محكمة.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..