هَاشِم عَبْد الْلَّه مَانْجيل) ( الْعَمِيد) 2-4

هَاشِم عَبْد الْلَّه مَانْجيل) ( الْعَمِيد) 2-4
? 1
زوجة العميد، امرأة من أَعْرَق الأسَر بِحلَّة حَمْد. أجْزِم بِأَن الْعَمِيد لَو اقْتَرَن بِغَيْرِهَا، لأصْبَحَت حَيَاته غَيْر مَا صَارَت إليه مستقبلاً، وَلَظلَّ قَابِعَاً فِي وَظِيفَة ( فَنِّي بَصَرِيَّات )، حَتَّى تَقَاعُدِه، يُعَانِي مِن الإحباط وَمُقَارَعَة الْفَشَل.
امْرَأَة استثنائية، نادرة المثال، لا مَطَالِب لَدَيْهَا تُثْقِل بِهَا كَاهِل الْعَمِيد، َلا تُجِيْد أَو بِالأحْرَى لا تمارس ( الْنَّقْنَقَة ) فِي تَعَاملهَا مَع زَوْجِهَا، فَهِي مِن الْبدَايَة اسْتَطَاعَت أَن تَفْهَم أَفْكَاره وَأَسْلُوبِه فِي الْحَيَاة، عرفت مَا يكَدِّرُه وَمَا يُرِيحُه، فَسَارَت حَيَاتهَا مَعَه هَادِئَة مُسْتَقِرَّة، أَصْبَحَت هِي الْقَائِمَة بِكُل مَا يَخُص حَيَاتهِم الْمَعِيشِيَّة، وَالْعَمِيد لا يَبْخَل عَلَى أُسْرَتِه فِي هَذَا الْجَانِب.
كُل ذَلِك هَيَّأ لِلْعَمَيد مُنَاخاً صَحِيَّاً، أراحه نفسياً، ومهد له الطريق، لِيُبْدِع فِي مِهْنَتِه، وَيَتَدَرَّج فِيهَا بِجَدّه وَمُتَابَعَتِه لِكُل جَدِيد يَطْرَأ عَلَيْهَا. َفِي فَتْرَة وَجِيزَة، أَصْبَح رَئِيسَاً لَقَسْم الْبَصَرِيَّات بِمُسْتَشْفَى الْعُيُوْن، وَكَان نِتَاج ذَلِك الْجُهْد وَالْمُتَابَعَة، بعثته الأوْلَى لِدِرَاسَةٍ مُتَخَصِّصَة فِي الْبَصَرِيَّات بِالْمَمْلكَة الْمُتَّحِدَة.
2-
عَن تِلْك الْبعْثَة، رَوَى لِي الْعَمِيد الْعَدِيد مِن الْمَوَاقِف الطَّرِيفَة الَّتِي حَدَثَت لَه. إذ هِي الْمَرَّة الأوْلَى الَّتِي يُغَادِر فِيَها الْبِلاد، إِن تَغَاضِيْنَا عَن رِحْلة شَهْر الْعَسَل الَّتِي قَضَاهَا بِمَدِينَة أَسْمَرَا.
-كُنْت أَعْتَقِد أَن إِجادَتِي الْلُّغَة الإنْجِلِيزِيَّة، تحدثاً وكتابة، لا شك فيها
قَهْقَه الْعَمِيد كَعَادَتِه وَهُو يُتَابِع رِوَايَتِه:
– اكْتشفَت، حَال وُصُوْلِي الْمَمْلكَة، أَنِّي وَاهِم فِي ذَلِك
أَطْفَأ الْعَمِيد سِيجَارَة وَأشْعل أُخْرَى وَتَابَع رِوَايَتِه:
– أَوَّل يَوْم دِرَاسِي، وَأَنَا أَهِم بِمُغَادَرَة شقتي، صَادَفَنِي جَارِي الاسْكُتْلَنْدِي، مِن أُوْلَئِك الَّذِين يَلْبَسُوْن الْتَّنُّورَات الْقَصِيرَة الْمُخَطَّطة، تَجَاذَبْنَا أَطْرَاف الْحَدِيث عَن الْطَّقْس وَمَا شَابَه، كَعَادَة أُهِل تِلْك الْبِلاد.
قَبْل أَن نَفْتَرِق، أَمْسك كَتِفَي بِرِفْق، وَقَال لِي:
– يَاعَزيِزِي اسْمَع نَصِيحَتِي، لُغَتَك الانْجِلِيزِيَّة سَلِيمَة، وَلا غُبَار عَلَيْهَا، إلا أَنَّهَا لا تفيدك فِي الْتَّعَامُل مَع الْنَّاس هُنَا، أَنَا الآن أّفُهم حَدِيْثك بصعوبة، هُنَالِك لُغَة أخرى يَسْتَخْدِمُهَا الْنَّاس هنا، غَيْر هَذِه الَّتِي تَتَحَدَّث بِهَا، فَمَا تَتحَدَّثَه، انْجِلِيزِيَّة شِكْسبَيرِيّة، تجِدِهَا فِي الْكُتُب وَالْمَحَافِل الأدَبِيْة، أَمَّا الْشَّارِع فَله لُغَة أُخْرَى. أنْزِل الْشَّارِع، احْتَك بِالْنَّاس، أَسْمَع وَتَعلَّم.
فَاجَأَنِي ذَلِك، وَكَادَت ثِقَتِي تَهتز بِانْجلِيزِيَّتِي الَّتِي كَانَت مَوْضِع فَخْر لِي بِمَوْطِنِي، تَذَكَّرْت الابْتِسَامَات الْغَامِضَة، الَّتِي كَانَت تُغَلِّف رُدُود سَائِق سَيَّارَة الأجْرَة الَّذِي أقلني من المطار، وَارتفاع حاجبي حَارِس الْبِنَايَة، وَأَنَا أَطْلُب مِنْه مُسَاعَدَتِي فِي حَمْل حَقَائِبِي.
فِعْلا، وجدَت الْشَّارِع يَتَحدّث لُغَة انْجِلِيزِيَّة، بِمُصْطَلحَات وتَعَابِيِر مُخْتَلِفَة، اسْتَغْرَق تَفَاعُلَي مَعَهَا بَعْض الْوَقْت، مُتَجَاوِزاً فِي ذَلِك دَهْشَة وَتَعْجب الْخَوَاجَات مِن لُغَتِي، الَّتِي ذَكَّرَتْنِي بِالْجَمَاعَة الْمُسْتَشْرِقِين، والْنَّاطِقِيْن بِغير الْعَرَبِيَّة، حِيْن يَتَحَدَّثُون مَعَك بِمُفْرَدَات طَيِّب الْذِّكْر سِيْبَوَيْه.
لَم يُصَادِف الْعَمِيد صُعُوْبَات تُذَكِّر فِي الْتَّعَامُل مَع الآخَرِيْن، حِيْن ذَهَب مُبْتَعَثاً لِلْمَرَّة الْثَّانِيَة إلى الْمَمْلَكَة الْمُتَّحِدَة، َالَّتِي عَاد مِنْهَا وَهُو يَحْمِل الْزَّمَالَة الْبِرِيطَانِيَّة فِي عِلْم الْبَصَرِيَّات.

3-
كَانَت تِلْك لَيْلة طَرِبْنَا فِيْهَا بِرَوَائِع التَسْجِيلات الْغِنَائِيَّة لِكِبَار الْمُطْرِبِين، وَالْعَمِيد يَحْتَفِي يَوْمَهَا بِأَحَد أَشِّقاء زَوْجَتِه الْعَائِد مِن الاغْتِرَاب، تَسْجِيْلات نَادِرَة تُوَثق لبِدَايَات كُل مُطْرِب. وَهَذِه وَاحِدَة مِن اهْتِمَامَات الْعَمِيد الْمُتَعَدِّدَة الَّتِي يُفِاجئنِا بِهَا مِن حِيْن لآخر.
قبل تلك الليلة، دَخَل عَلَيْنَا الْعَمِيد ذَات نَهَار، حَامِلا آَلَة تَسْجِيل، وَحَقِيبَة مُتَوَسِّطَة الْحَجْم، لَم نَسْأَل، لأنَّنَا بِبَسَاطَة نَعْلَم أَنَّه لَن يَشْفِي غَلِيْلَنَا بِإِجَابَة تكشف سر ما يحمله. دَلَف إلى غُرْفَتِه، َثم بَعْد بُرْهَة نَادَانِي.
دَخَلَت عَلَيْه، فَوَجَدْتُه يَقُوم بِتَهْيِئَة آَلَة التَّسْجِيْل، وَبِجِوَارِه الْحَقِيبَة مَفْتُوحَة، لَمَحْت بداخلها كَمِّيَّة مِن أَشْرِطَة الْتَّسْجِيل. دون أن يقول لي شيئاً، أَدَار آلة الْتَّسْجِيْل، ملأ فضاء الغرفة لحن أُغْنِيَة لِلْمُطْرِب مُحَمَّد وَرْدِي، مِن أَغَانِيه الْقَدِيمَة، وبِآَلَة الْعَود فَقَط. كان التَسْجِيل صَافِياً بِدَرَجَة كَبَيرَة، والْعَمِيد يتابع دُون أَن يَتَكَلَّم، وينظر نحوي من حين لآخر، ربما كان يريد استكشاف رِدَّة فِعْلِي تجَاه مَا أَسْمَعُه. انْتَهَت الأغْنِيَة، وضع على الآلة شَرَيطَا آَخَر لِعُثْمَان حسَين، ثُم محَمَّد الامِين، وَاحْمَد الْمُصْطفَى، و… ، كُل تِلْك التَسْجِيلات، كَانَت بِالْعُود فَقَط، وعلى درجة عالية من الجودة والنقاء، أَبْدَيْت مُلاحَظَتِي في هذا المنحى، لِيَنْطلِق الْعَمِيد فِي مُحَاضَرِة طَوِيلة عَن أَهَمِّيَّة سَمَاع أَي مُطْرِب، وَهُو يُغْنِي بِالْعُوْد فَقَط، إِن كُنْت تُرِيد أَن تحكم على أدائه، وَتتلَمَّس أَبْعَاد وَدَرَجَات صَوْتَه، وَمَعْدنه، وَأَصَالَتَه، وَتَمَكنه وَمَقْدِرَتُه عَلَى الْتَّطْرِيْب. أَتبع ذَلِك بِمَرْجِعٍ سحبِه مِن إِحْدَى حَقَائِبَه الْمُكْتَنِزَة بِالْكُتُب، وَكَانَت مَادَّة الْكِتَاب، عِبَارَة عَن بِحَث فِي الْسَّلالِم الْمُوسِيْقِيَّة، وَالْمَقَامَات الْصَّوْتِيَّة، ثُم عَاد الْعَمِيد لإدارة الأشْرِطَة مُرَّة أُخْرَى، وَهُو يَشْرح لِي بِالْتَفْصِيل، طَبَقَات صَوْت كُل مُطْرِب عَلَى حِدَة، وَالْدَّرَجَات الْصَّوْتِيَّة الَّتِي يُغْنِي بِهَا، أَحْيَاناً يُشِيْر إلى وُجُوْد نَشَاز فِي أداء مطربٍ ما، مَرَدَّه كَمَا يَقُوْل، الانْتِقَال الخاطئ دُوْن سَلاسّة بَيْن الْمَقَامَات.
اسْتَمَر هَذَا الْوَضْع بَضْعَة أَشْهُر، ثُم انْتَقَل الْعَمِيد لاهْتِمَام آَخَر، حِين بَدَأ يُفَكِّر فِي دِرَاسَة الْقَانُون. أشار لي حينها، أَن دَارِس الْقَانُوْن، لابُد لَه مِن الإلمام بِالْلُغَة الْفَرَنْسِيَّة، وَتَأْوِيلِه لِذَلِك، أَن الْلُّغَة الْفَرَنْسِيَّة، هِي الَّتِي تُكْتَب بِهَا الْمُعَاهَدَات وَالاتِّفَاقِيَات الْدُوَلِيَّة لأنَّهَا، ( حَسَب قَوْل الْعَمِيد )، الْلُّغَة الْمُنَاسَبَة لِذَلِك، حَيْث ان الْمُفْرَدَة في اللغة الفرنسية، لَدَيْهَا مَعْنِي وَاحِد، وَمَن الْصَّعْب تَأْوِيل الْعِبَارَات.
4-
أُحْضِر الْعَمِيد أَدَوَاتِه وَمُعيناتِه، مِن أَشْرِطة صَوْتِيَّة، وَكَتَب لَتَعلم الْلُّغَة الْفَرَنْسِيَّة، وَحِيْن اقْترحَت عَلَيْه أَن يَلْتَحِق بِالْمَعْهَد الْفَرَنْسِي لِلَّدِّرَاسَة، ابْتَسِم وَلَم يُعَقِّب عَلَى اقتراحي. بَعْدَهَا أَعْتَدْنَا عَلَى سَمَاع الْعَمِيد وَهُو يُرَدِّد الْكَلِمَات وَالْجَمَل الفرنسية خَلَف الْتَّسْجِيْل الْصَّوْتِي، وَينَكب عَلَى مُطَالَعَة الْمَرَاجِع وَالْكُتُب الْفَرَنْسِيَّة. الْحَق يُقَال أَنَّه فِي الْنِّهَايَة، تَعْلَم الْلُّغَة الْفَرَنْسِيَّة بِالقَدّر الَّذِي يمكّنه مِن الْتَّحَدُّث وَالْقِرَاءَة بِهَا.
فِي بَحْثَي عَن سِر إجادة الْعَمِيد لِلْفَرَنْسِيَّة، وَجَدْت مَن يَقُوْل:
(إِن كُنْت مِمَّن يُتْقِنُون الانْجِلِيزِيَّة، فَلا شَك أَنَّه سَيسهل عَلَيْك تَعلم الْلُّغَة الْفَرَنْسِيَّة، وَذَلِك لأن ثَلاثَة أَخْمَاس الْمُفْرَدَات الانْجِلِيزِيَّة الْمُتَحَدّثَة بِشَكْل يَوْمِي، جَاءَت مِن الْفَرَنْسِيَّة، بَعْد الاجتياح الْفَرَنْسِي لانْجِلْتِرَا فِي الْقَرْن الْحَادِي عَشَر الْمِيْلادِي). وَالْلَّه أَعْلَم
يتبع….

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..