حين يُصبح السؤال قناعًا للإنكار

بقلم: حسن عبد الرضي
ليس كل سؤالٍ بريئًا… فبعض الأسئلة تُطرح لا بحثًا عن الحقيقة، بل تهرّبًا منها. وبعض الاستفهام ليس إلا قناعًا رقيقًا لإنكارٍ سميك، يتخفّى خلف عباراتٍ تبدو عفوية، بينما تحمل في باطنها موقفًا مُسبقًا لا يريد أن يرى… أو لا يريد أن يعترف.
تعليق الزميل الذي يتساءل: “أعمال الامتحانات دي ياتها؟ ابتدائي أم متوسط؟” ليس سؤالَ مستفسرٍ حقيقي، بل أقرب إلى مراوغة من يعرف الإجابة، لكنه يختار أن ينظر بعينٍ واحدة، ويُغمض الأخرى عن عمد. فأي امتحاناتٍ هذه التي يجهلها من “يعرفها زي جوع بطنه”؟!
إنها امتحانات الشهادة السودانية، التي تقف البلاد كلها على أطراف أصابعها انتظارًا لانطلاقها في الثالث عشر من أبريل. امتحانات ليست مجرد أوراق وأسئلة، بل معركة بقاء لطلابٍ أنهكتهم الحرب، ومعلّمين أُرهقوا بالإذلال، ونظامٍ تعليميٍ يتهاوى تحت وطأة الإهمال والارتباك.
لكن الزميل، في تعليقه، لا يناقش جوهر الأزمة، ولا يقترب من لبّ المأساة، بل يلوذ بتفاصيل شكلية، وكأن القضية تدور حول “ابتدائي أم متوسط”، لا حول كرامة معلمٍ يُعامل كمتهم، ولا حول نظامٍ امتحانيٍ يُدار بعقلية الطوارئ والارتجال.
هذا النوع من الخطاب لا يستحق الرد بقدر ما يستحق التعرية.
لأن المشكلة ليست في السؤال، بل في الانتقائية التي تقف خلفه. أن ترى ما يوافقك، وتتجاهل ما يحرجك. أن تسأل عن الفرع، وأنت تعلم أن الجذر يحترق. أن تُجادل في التوقيت، بينما المأساة ممتدة في كل وقت.
نعم، قد لا تكون امتحانات الابتدائي قد بدأت، وقد يتأخر إعلان المتوسط، لكن هل هذا يُلغي واقع أن معلمي السودان—وفي القلب منهم معلمو ولاية الجزيرة—يُساقون إلى أعمال الامتحانات في ظروفٍ مهينة؟ هل يُبطل ذلك حقيقة أنهم يُعاملون كأنهم موضع شبهة، لا أهل رسالة؟
إن تحويل النقاش إلى “أي امتحانات تقصد؟” هو، في حقيقته، محاولة لصرف النظر عن السؤال الأهم: كيف تُدار هذه الامتحانات؟ وبأي كرامة يُعامل المعلم؟ ولأن البعض يُصرّ على النظر بعينٍ واحدة، فإن الحقيقة ستظل تُربكهم بعينيها الاثنتين.
أما نحن، فلا نملك ترف الإنكار… لأن الواقع لا يُخفى، ولأن معاناة المعلمين ليست وجهة نظر، بل جرحٌ مفتوح، لا يُداوى بتعليقٍ عابر، ولا يُلغى بسؤالٍ يتظاهر بالبراءة.
في النهاية، ليس كل ما يُقال يستحق الرد…
فبعض الكلام يكفيه أن يُترك عاريًا أمام الحقيقة.



