العــالــم يتــحد.. والســودان يقسّــم!!

عيسى بن محمد الزدجالي
*منذ بضعة أسابيع كتبت في "وجهة نظر" مقالا بعنوان "السودان سيظل قويا ومتماسكا مهما فعل المُغرِضون".. طالبنا في مجمله بأن يظل البلد الذي يتسم أصحابه ببشرة سمراء وبقلوب صافية عامرة بالخير متمسكا بالسودان كـ"دولة واحدة" بجنوبه وشماله وشرقه وغربه حتى يكون قوة اقتصادية وسياسية وينعم بالاستقرار من خلال حكومة واحدة.
*لكن ليس كل ما يتمنى المرء يتحقق، ودارت الأيام واختار "الجنوب السوداني" أن يبتعد ويستقل بذاته في طريق مجهول حتى الآن.
*وكانت الحكومة السودانية على مستوى المسؤولية ووفرت كل الأجواء الممكنة لإجراء انتخابات لم يشُبها بحسب ما نشرت الصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية ما يعكر صفوها ولم تشهد خروجا على المألوف وتمت الانتخابات تحت مراقبات دولية وحضور إعلامي عالي المستوى.. ولم تعلن النتائج النهائية حتى الآن.. لكن أيا كانت النتائج لابد أن يكون المواطن والمواطنة السودانية في أنحاء البلاد المترامية الأطراف على قلب رجل واحد تفاديا للصراعات التي لن تخلف سوى الخراب والدمار ولنتخذ ما يحدث في الشارع العربي حاليا وعظا حيا حتى لا نصل إلى المصادمات الدامية التي لن تسفر إلا عن خسائر سواء للجنوب أو الشمال.. وفي النهاية الخسائر في حالة التصادم ستكون "كارثية" وهو ما نحذر منه حتى تمر تلك المرحلة بسلام وأمان على الشعب السوداني الشقيق بشماله وجنوبه وغربه وشرقه.
*قلنا في المقال السابق لن ينجح المغرضون في تحقيق أهدافهم لأسباب كثيرة وسيظل السودان متماسكا بكل قوة ومهما فعل الطامعون فيه -وهم كثر- وقد فعلوا.. واليوم وبعد أن اختار "الجنوب" الانتخابات طريقا للانفصال مازالنا نطالب بخاصة في حالة الانفصال أن يتماسك السودان نساؤه ورجاله وشيوخه وأطفاله من أجل ألا ينهار السودان وهو ما يخشى عليه في حالة الانقسام -والذي ينتظره بفارغ الصبر الكثير من أعداء الأمة العربية الذين لا يريدون للعرب الوحدة والتجمع على كلمة واحدة- وللأسف نحن العرب نساعدهم بمنتهى السهولة واليسر على تحقيق أهدافهم الرامية إلى تقسيم البلاد العربية ليس في "جنوب السودان" فقط ولكن هذه بداية لأحداث كثيرة سوف يشهدها العالم العربي إذا لم ينتبه لما يدور في الكواليس "الليلية" من أعداء العالم العربي المستفيدين من أية انقسامات في البلد الواحد لأنهم يسعون وبكل قوة لتطبيق الانقسام والانفصال بين شعوب العالم العربي ولن يكتفوا بتقسيم البلاد جغرافيا طالما أن العرب لا يتفقون وكل منهم في وادٍ بعيد عن الوحدة الحقيقية التي تجمع الشمل والتي أصبحت أمنيات بعيدة المنال في العصر الحالي إلا إذا قامت "معجزة" في زمن ولت فيه المعجزات وفي ظل التفرق الذي يعيشه العرب الذين لا يجتمعون إلا سنويا في مؤتمرات شبه روتينية ولنا أن نسأل على خلفية المؤتمرات عن آخر مؤتمر قمة عربية شاملة باستثناء القمم الخليجية بالطبع الأمل الوحيد الباقي وبقوة لِلم شمل العرب نتساءل نحن الشعوب العربية عن آخر مؤتمر قمة جمع القادة العرب بأسرهم أظن أنه من أمد ليس بقصير.. سوى مؤتمر القمة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية الذي عقد منذ أيام في شرم الشيخ!!
*نعود لجنوب السودان- موضوع مقالنا- المعروف أنه يشغل حوالي 700 ألف كيلو متر مربع من مساحة السودان البالغة 2.5 مليون كيلومتر مربع تقريبا، أي ما يعادل 28% من المساحة الكلية للسودان. وللجنوب حدود تمتد إلى 2000 كيلومتر تقريبا مع خمس دول هي إثيوبيا وكينيا وأوغندا والكونغو وأفريقيا الوسطى. وتشكل المراعي 40% من الجنوب السوداني والأراضي الزراعية 30% بينما تشغل الغابات الطبيعية 23% والسطوح المائية 7% من جملة مساحة السكان وتنتشر بين سكان الجنوب لهجات متعددة يصل عددها إلى 12 لهجة وإن كانت اللغة العربية "المحلية" التي تنطق بلكنة أفريقية هي اللغة التي يعرفها أغلب السكان تقريبا.
وتعد "الدينكا" كبرى القبائل في الجنوب، تليها قبيلة "النوير" ثم قبيلة "الشلُك"..وتقول بعض الإحصائيات إن الحرب الأهلية في جنوب السودان حصدت (1955-1972 و1983-2003) ما يزيد عن مليوني قتيل، وأعدادا أخرى لا تحصى من الجرحى والمعوقين، وكان نصيب الهجرات الداخلية الناجمة عنها ضعف أعداد القتلى، فقد تشرد أربعة ملايين سوداني وأصبحوا لاجئين داخل وطنهم. أما من ضاقت بهم سبل العيش بين ربوع الوطن وقرروا النزوح إلى البلدان المجاورة -وهم يعيشون ظروفا غير إنسانية- فقد بلغ عددهم 420 ألف لاجئ.
*يهمنا في هذا المقام أن نستعرض بعضا مما قاله مؤخرا زعيم الأنصار وحزب الأمة ورئيس الوزراء الأسبق القيادى السوداني التاريخي الصادق المهدي أمام حشد من أنصاره في منطقة الجزيرة والذي أشار فيها إلى أن سياسات حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان مسؤولة عن انفصال الجنوب، وتمزيق ما تبقى من أطرافه. ووصف المهدي الوضع الذي تمر به البلاد بـ«المحتضر»، مضيفا:«السودان الآن على فراش الموت»، تلك الكلمات التي انطلقت من حنجرة قيادي مخضرم وسياسي محنك لابد أن نعيها ونتوقف حولها لأنها تمس الشأن السوداني ومجملها أنه غير راض عن تقسيم السودان ويحمل الأخطاء الواقعة لقيادات حزبية.
إننا نقول أيا كانت الظروف ومهما تكن فهناك أخطاء لابد أن يتكاتف الجميع في الوقت الحالي -وكما رددنا الوقت الحالي- لتفاديها ولا يجب أن نعمق فيه الجراح ونلقي بالمسؤوليات يمينا ويسارا.. وقت المحاسبات انتهى ونحن على أعتاب مرحلة جدية.. لا نملك خلالها إلا أن نقول ونحن نرفع أيادينا إلى المولى العلي الكريم ربي احفظ هذه الأمة من كيد الأعداء وجنبنا نحن العرب جميعا الانقسام والانفصال.
*ولقد طالعتنا الصحف مؤخرا بأن النتائج الأولية الجزئية التي تضم ثلاثة مكاتب اقتراع أعطت 7538 صوتا لصالح الانفصال و169 صوتا لصالح الوحدة، بحسب المعلومات التي قدمها مسؤولون في مفوضية الاستفتاء في هذه المراكز الثلاثة. وهذا يعني أن 97,75 بالمئة صوتوا لصالح الانفصال مقابل 2,25 بالمئة لصالح الإبقاء على وحدة السودان. ومن غير المتوقع صدور النتائج النهائية للاستفتاء قبل منتصف فبراير المقبل.
وندعو الأخوة السودانيين أن يتحلوا بالصبر والحنكة حتى تمر تلك المرحلة الحاسمة في تاريخ السودان والأمة العربية أيضا. ندعو المولى أن يحفظ شعب السودان الشقيق في كل الأحوال وأن ينعم بالاسقرار سواء منفصلا أم موحدا وهذا هو المطلوب.
الشبيبة



