طيّ الوعي: السودان بين محاولة التغييب واستعادة البصيرة

د. صلاح أحمد الحبو
قراءة نقدية في هندسة الإدراك تحت ضغط الحرب
لا تبدأ الحروب بإطلاق الرصاص، بل بإعادة تشكيل الإدراك. فقبل أن تنهار المدن أو تتآكل المؤسسات، تُستهدف قدرة المجتمع على فهم ما يجري حوله. لذلك لا تبدو الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية أو أزمة سياسية، بل مشروعاً لإعادة هندسة الوعي الجمعي، بحيث يصبح تفسير الواقع نفسه جزءاً من ميدان الصراع.
فطيّ الوعي لا يعني إخفاء المعلومات فحسب، وإنما إعادة ترتيبها داخل سردية واحدة تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة. ومع الزمن تُختزل الوقائع المعقدة في ثنائيات حادة: وطن وخيانة، ولاء وعداء، نصر وهزيمة، فيتراجع التفكير النقدي لصالح التعبئة العاطفية، ويصبح الانفعال بديلاً عن التحليل.
في هذه اللحظة لا تنتصر الحرب لأنها سيطرت على الأرض، وإنما لأنها بدأت تحتكر تفسيرها. فالقوة الأكثر تأثيراً ليست دائماً من يمتلك السلاح، بل من يمتلك الرواية التي يعيد المجتمع من خلالها فهم نفسه.
وفي السودان تتزاحم روايات متنافسة، يسعى كل منها إلى احتكار تفسير الأزمة، بينما تتوارى الجذور البنيوية التي راكمت هذا الانهيار عبر عقود: هشاشة الدولة، وضعف المؤسسات، واختلال الاقتصاد السياسي، وسوء إدارة التنوع، وتآكل العقد الاجتماعي. وهكذا تُختزل أزمة تاريخية مركبة في معركة آنية، وكأن الحرب سبب الأزمة وليست إحدى نتائجها.
ومن أخطر نتائج هذا المسار تعطيل ملكة السؤال. فحين يصبح النقاش العام محكوماً بالاستقطاب، تتحول الأسئلة الكبرى إلى محرمات، ويغدو التشكيك في السردية السائدة خيانة، لا اجتهاداً. عندها لا يُقمع الرأي المخالف فحسب، بل تُقمع القدرة على التفكير خارج منطق الحرب.
لقد أظهرت خبرات المجتمعات الخارجة من النزاعات أن الحروب تُنتج ما يمكن تسميته اقتصاد الوعي الحربي؛ وهو نظام رمزي تُعاد فيه صياغة القيم والمعاني بما يخدم استمرار الصراع، فتُؤجل الحقائق، ويُعاد تعريف الوطنية، ويضيق المجال العام حتى يصبح مجرد صدى للمعركة.
لكن الوعي الجمعي ليس صفحة بيضاء. فالتاريخ يبين أن المجتمعات تمتلك قدرة كامنة على مراجعة ذاتها متى ما استعادت المسافة النقدية بين الواقع والخطاب. ومن هنا فإن استعادة البصيرة لا تعني كشف التضليل الإعلامي فحسب، بل استعادة القدرة على رؤية الأزمة خارج عدسة الحرب، وإعادة طرح السؤال الجوهري: أي دولة نريد بعد أن تنتهي المعارك؟
إن بناء السلام يبدأ حين يستعيد المجتمع حقه في التفكير المستقل، لا حين تتوقف البنادق فقط. فالتسويات السياسية والترتيبات الأمنية، على ضرورتها، لن تؤسس لاستقرار دائم ما لم يصاحبها تحرير للعقل العام من أسر السرديات الأحادية، وإعادة بناء الثقة في المعرفة والمؤسسات والنقاش الحر.
ولهذا فإن مقاومة طيّ الوعي ليست ترفاً ثقافياً، بل شرطاً من شروط بقاء الدولة. فالمجتمع الذي يفقد قدرته على التفكير النقدي يصبح أكثر قابلية لإعادة إنتاج الأزمات مهما تغيّرت موازين القوى، بينما يصبح المجتمع القادر على مراجعة وعيه أكثر استعداداً لبناء سلام مستدام.
إن مستقبل السودان لن تحدده نتائج المعارك وحدها، بل نتيجة المعركة الأعمق: معركة الحقيقة في الوعي الجمعي. فإذا بقي الإدراك أسيراً لمنطق الحرب، فسوف يعيد العنف إنتاج نفسه بأشكال جديدة. أما إذا استعاد المجتمع بصيرته، فستغدو الحرب مرحلة في التاريخ، لا قدراً يحكم المستقبل.
ولعل أخطر ما يمكن أن تخسره الأمم ليس الأرض ولا الثروة، وإنما قدرتها على رؤية الحقيقة كما هي. فإذا استعاد السودان هذه القدرة، يكون قد بدأ بالفعل أول انتصار حقيقي على الحرب



