أهم الأخبار والمقالات

نهاية الوهم الكبير… سقوط الإخوان في واشنطن

هاني سالم مسهور

لم يكن القرار الأميركي المتوقع بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيمًا إرهابيًا مجرد منعطف سياسي في واشنطن، بل هو تحول بنيوي يعيد صياغة علاقة امتدت لعقود بين الولايات المتحدة وتنظيم استخدمته الإدارات الأميركية المتعاقبة كأداة هندسية في ساحات النفوذ العالمي،  فمنذ الحرب الباردة، كانت واشنطن تتعامل مع الإخوان باعتبارهم ذراعًا يمكن توظيفه في مواجهة الخصوم الجيوسياسيين، من الشيشان إلى أفغانستان، ومن سوريا إلى أوروبا، وخلال تلك العقود، كانت الجماعة تتحرك تحت حماية قانونية في ست دول مركزية… الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا وماليزيا وباكستان، وهي الدول التي مثّلت ما يمكن تسميته “الجسد الموازي” للتنظيم الدولي، القادر على التمويل والتجنيد والاختراق.

لكن هذا الثبات تزعزع، ليس لأن واشنطن اكتشفت فجأة حقيقة الإخوان، بل لأن العالم العربي تغيّر، فالدول التي كانت تقف منفردة في مواجهة تغوّل الجماعة أصبحت اليوم تشكل جبهة سياسية واضحة، تتقدمها الإمارات العربية المتحدة، الدولة التي رأت أبكر من الجميع أن الإخوان ليسوا منافسًا سياسيًا، بل جذرًا أيديولوجيًا ينتج العنف تحت مسمى “الشرعية الدينية”،  ما فعلته الإمارات لم يكن قرارًا إداريًا أو إجراءً أمنيًا، بل كان إعادة تعريف للمسافة بين الدين والدولة، وإعادة ضبط للوعي العام بعيدًا عن ابتزاز “الإسلام السياسي”.

حين صنفت الإمارات الإخوان جماعة إرهابية قبل سنوات، كانت تتعرض لهجوم إعلامي وسياسي شرس، لكنها لم تتراجع، ورسمت نموذجًا بديلًا قائمًا على التسامح وقبول التعددية، وقدّمت للعالم مشروعًا حضاريًا غير مسبوق مثل بيت العائلة الإبراهيمية في أبوظبي، الذي يجمع بين المسجد والكنيسة والكنيس في فضاء واحد، لا كتجربة رمزية فحسب، بل كإعلان عن فلسفة دولة تؤمن بأن الاستقرار يبدأ من تحرير العقيدة من سطوة التحريض والتسييس،  داخل هذا النسق، بدا تصنيف الإخوان ليس مجرد إجراء، بل خطوة في مشروع أوسع لتجفيف منابع الكراهية، وتأسيس فضاء ديني وإنساني جديد لا يخضع لابتزاز الجماعة.

اليوم، حين تنحاز واشنطن جزئيًا لهذا المسار، فإنها لا تفعل ذلك من قناعة ذاتية بقدر ما تفعله تحت ضغط أربعة أطراف عربية أساسية.. الإمارات والأردن ومصر والسعودية،  لكن الإمارات ظلت صاحبة الخطوة الأولى، وصاحبة الرؤية التي سبقت التحولات،  فالقرار الأميركي، مهما كانت دوافعه، يعيد الاعتبار لجهود أبوظبي التي ظلت لعقد كامل تحذر من تمدد الجماعة داخل المجتمعات الغربية، ومن خطورة المراكز الستة التي تدير شبكات تمويل ودعوة وتجنيد دولية، تسببت في تغذية الحركات المتشددة في سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان.

ومثل ما هو مهم في البعد العربي العام، فإن للقرار الأميركي أثرًا مباشرًا على الجنوب العربي، الذي كان أكثر المناطق معاناة من تنظيم الإخوان، فالجنوب الذي ذاق مرارات حرب 1994، وتحديدًا في حضرموت وشبوة وأبين، يعرف جيدًا معنى أن يتحول “الدين السياسي” إلى غطاء للعنف والنهب والتفكيك المجتمعي،  ولذلك كان المجلس الانتقالي الجنوبي من

الإمارات ظلت صاحبة الخطوة الأولى والرؤية التي سبقت التحولات فالقرار الأميركي مهما كانت دوافعه يعيد الاعتبار لجهود أبوظبي التي ظلت لعقد كامل تحذر من تمدد الجماعة داخل المجتمعات الغربية

أوائل الكيانات العربية التي صنفت الإخوان ممثلين بحزب الإصلاح كجماعة إرهابية محظورة، في خطوة مبكرة تعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة الخطر،  لكن الواقع المعقد في اليمن، ووجود التحالف العربي، واعتبارات الحكومة الشرعية، كلها عوامل منعت تطبيق هذا التصنيف بشكل كامل، فاحتفظت الجماعة بأذرع قادرة على الإضرار بالمشهد الأمني، سواء عبر واجهات سياسية أو عبر تغذية توترات قبلية.

ويظهر ذلك بوضوح في وادي حضرموت، حيث تحولت التوترات القبلية والسياسية إلى نمط جديد من الفوضى، تغذّيه عناصر مرتبطة بالإخوان، تستثمر في هشاشة الوضع الأمني وغياب الإدارة المركزية،  فعمليات الاغتيال، ونقاط النفوذ المتقدمة لبعض القوى، ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر ببقايا شبكة “الإخوان” التي حاولت على مدار سنوات المحافظة على موطئ قدم داخل الوادي، مستفيدة من حالة القصور في تطبيق قرارات الحظر، ومن تردد القوى الدولية في اعتبار الإخوان جزءًا من المشكلة،  هذا النفوذ تسبب في خلق ممرات متشابكة للعنف، وأدى إلى تعطيل مشاريع الأمن والاستقرار التي تسعى إليها حضرموت منذ سنوات.

الجنوبيون وخصومتهم مع الإخوان هي الأقدم باعتبار الجنوب جغرافية تنويرية تناقض فكرياً مع أفكار الإسلام السياسي الانعزالية والرجعية، منذ الاستقلال الأول كانت الخصومة تتجسد في منع استعمال المساجد ويعد الإجراء الجنوبي متقدماً عن كل الدول في العالم، لكن بعد 1990 بدأت عملية الانتقام بالتحالف مع الرئيس اليمني علي عبدالله صالح وأصدرت أول فتوى تكفيرية في التاريخ الحديث ومنها أحتل اليمن الجنوب وفرض سياسة الأمر الواقع عليه في حرب صيف 1994.

القرار الأميركي إذن، إن اكتمل، سيخلق لأول مرة إسنادًا دوليًا لرؤية الجنوب تجاه الإخوان، وسيمنح المجلس الانتقالي وحلفاءه قوة سياسية إضافية في مواجهة “الجسد الموازي” للجماعة داخل المناطق المحررة، خصوصًا أن الولايات المتحدة، إذا التزمت بتطبيق القرار،  ستمنع أي تواصل سياسي أو تمويل غير مباشر للإخوان في اليمن، وستحد من قدرة الجماعة على التحرك تحت مظلة الشرعية، وهذا سيكون تحولًا جوهريًا في ميزان القوى داخل الجنوب، ويمنح حضرموت خصوصًا نافذة لتثبيت الأمن بعيدًا عن تدخلات الإخوان الذين استثمروا في التوترات القبلية لتثبيت وجودهم.

وبالعودة إلى المشهد الدولي، فإن تصنيف واشنطن للإخوان خطوة ليست سهلة داخل المؤسسات الأميركية نفسها، فالإخوان بنوا في الولايات المتحدة شبكات قوية من المراكز الإسلامية، وجمعيات الإغاثة، ومؤسسات التعليم، ومراكز الأبحاث التي تتقاطع مع نشاط سياسي ناعم،  وقد استفادت الجماعة لعقود من ثغرات القانون الأميركي الذي يفرق بين “الدين” و”السياسة”، وبين “العمل الخيري” و”العمل الأيديولوجي”،  ولذلك سيكون هناك جدل داخلي حول كيفية تطبيق القرار، وحول ما إذا كانت واشنطن راغبة فعلًا في قطع العلاقة مع حليف خدم مصالحها لعقود.

لكن الضغط العربي اليوم  خصوصًا بعد القدرة الإماراتية على بناء نموذج تسامح عالمي يتجاوز إطار الدولة الإسلامية التقليدية  جعل كلفة حماية الإخوان أعلى من كلفة التخلي عنهم،  وفي هذا السياق، يصبح القرار الأميركي، وإن كان متأخرًا، جزءًا من إعادة ترتيب جيوسياسية أوسع، لن يكون بعدها الإسلام السياسي قادرًا على الحركة بالحرية التي تمتع بها منذ السبعينيات الميلادية من القرن العشرين المنصرم.

ليس من المبالغة القول بأن تصنيف الإخوان حتى في صورته الجزئية الحالية هو بداية تفكيك التنظيم الدولي، وبداية عزل الجماعة عن العمق الغربي الذي ظل لعقود أكبر مصادر قوتها، أما العرب، فقد اختاروا هذه المرة أن يصنعوا اتجاهًا عالميًا، لا أن ينتظروا اتجاهات الآخرين، وفي قلب هذا الاتجاه تقف الإمارات، رائدة في الفكرة، ورائدة في التطبيق، ورائدة في إعادة تعريف معنى الدولة بعيدًا عن الابتزاز الأيديولوجي.

نقلا عن العرب

‫9 تعليقات

  1. الموهوم من يحارب طواحين الهواء . لا يوجد تنظيم معروف على وجه التحديد بهذا الاسم (الاخوان) ترمب يقصد مجموعات موجودة في تركيا وسوريا والأردن . اما المؤتمر الوطني في السودان فهو حزب محلول بأمر الثورة وهم مجموعة تعرف كيف تتخفى وراء واجهات جديدة ووجوه شابة اما العواجيز أمثال كرتي وغندور ونافع وبشيرهم وامثالهم فقد وصلوا مراحل من العمر لا تسمح لهم باي دور له قيمة او اثر مجرد فزاعات قحاطة لاستعداء العالم الظالم على اهل السودان والمواطن المغلوب على امره .
    دعونا من الأوهام والفزاعات الفارغة وتدخلكم في شأن السودان من غير حق يا اعراب

    1. مهما تلف وتدور وتتلون يا كوز لن تستطيع ان تخدع العالم بعد الان

  2. الامارات العربيه المتحده او كما يطلق عليها دويلة الشر كما يحلو للبعض أرادت من تصنيف الإخوان المسلمين جماعة ارهابيه وذلك للقضاء علي كل ماهو اسلامي وارضاء حلفائها من دول الغرب والكيان الصهيوني وذلك بتطبيق الدين الابراهيمي وهو عباره عن خلطه من الدين الاسلامي مع الدين المسيحي مع اليهودي مع البوذي خلطه ترضي جميع الشعوب

    1. البرهان في مقاله في وول ستريت جورنال، قال انه وقع على الاتفاقيات الابراهيمية، وانه يتطلع الى الشركات الامريكية والعمل مع ترمب.
      الترابي نفسه كان يرى في الابراهيمية ما يجمع اصحاب الديانات السماوية.
      الحركة الاسلامية خليط من النصابين والمغفلين. الحركة الاسلامية اكبر خطر وجودي على السودان.

      1. يا مستر مان يا فيلسوف نحنه مالنا ومال البرهان أو الترابي
        نحن نتحدث عن الخلطه والتي استحدثتها الامارات في الدين وهذا هو ما نقصده ونرمي اليه

        1. وقال رئيس مجلس السيادة السوداني في المقال: “نريد أن يستعيد السودان دوره كقوة إقليمية إيجابية. تحت قيادتي، اتخذ السودان خطوةً تاريخيةً في عام 2021 بالانضمام إلى اتفاقات أبراهام.

          أها يا كيمو الصغير ! الكلام اللي فوق دا كلام حميدتي و لا كلام برهان

  3. سيعاد تعريف الجماعات المشبوهة و هل هي واجهة او ستار اخونجي ، كيزان السودان سيزولوا في ستين داهية مهما تخفوا او تلولوا او ادعوا ان تنظيمهم محلول او غيره من الاكاذيب … حسب قلة مخهم يظنون ان الآخرين على صورتهم في الغباء .

  4. الكاتب من دويلة ليست ذات قيمة عبر التاريخ.. متعاونة مع من وصفوا ب”المغضوب عليھم” منذ مايقارب ١٤٤٨ سنة.. اما الدويلة سالفة الذكر فليس لھا كل ھذھ الامكانيات للتخريب في ليبيا، سوريا، اليمن ثم السودان اطلاقا مالم تكن مدعومة من الطرف الاخر المذكور سالفا ايضا..فبئسا لكليھما

  5. بسم الله الرحمن الرحيم. ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنـزل إلينا وأنـزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ﴾ [ العنكبوت: 46. ايها الشايقي الامنجي الجاهل بدين الإسلام اعلاه كلام الله في كتابه الكريم، وما تفعله الامارات هي من اوامر الله سبحانه وتعالي، وانتم الكيزان تتاجرون بالدين الاسلامي ولا تفهمونه… إخرس ولا تكلمون!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..