مع مساعد الرئيس.. خلال جولته في الشرق كان يستمع مساعد الرئيس إلى مطالب ?المهمشين? يعدهم خيراً فهل تتحقق التطلعات في اقتران الأقوال بالأفعال؟

القضارف ? الزين عثمان
في قرية صابوني التي تبعد نحو 60 كيلو عن مدينة القضارف يتوقف مساعد رئيس الجمهورية موسى محمد أحمد في جولته التفقدية.. كان اثنان من الأطفال في الصف الثاني بالمدرسة يمدون إليه بورقة فيها ما يطلبه الناس من الحكومة.. يبتسم رجل القصر ويقبل يدي الصغير ويحرك رأسه علامة بـ (أن فهمتكم)، ولم يكن الأمر يحتاج إلى مجهود حتى تعلم ما كتب ساعتها في الورقة التي وضعها المساعد في جيب (السيديري)، تخبرك بها الصور في تلك الفيافي البعيدة، حين تطرح السؤال ما الذي تغير بعد عشر سنوات من وضع جبهة الشرق البندقية وتبشيرها بأن الوقت للطورية؟
لم تكن مطالب الصغار في قرية (صابوني) لتختلف عن المطالب التي يرفعها أهل الشرق، وهم يلوكون صبرهم المر (مياه صالحة للشرب مشاف للعلاج ومدارس للتعليم وطرق تقيهم العزلة)، في ذلك الصباح كان الصغار من طلاب المدارس في صابوني يصطفون على صراط الأمل المستقيم، يغنون للوطن مثلما كان يفعل سيد خليفة.. يصفون الخرطوم التي لم يرها بعضهم (بجنة رضوان)، ما يهم هنا أن كل قادم إلى هناك يحمل في حقيبته الحلول التي استعصت طوال سنوات الدولة الوطنية.. الناس هناك يؤقنون بالمثل القائل إن الخير في أقدام الواردين، إن حدث ذلك خير وإن لم يحدث فإنهم سيكتفون بنص حميد (كونه يجينا ويقنب فينا كفاية علينا)..
في الصباح الباكر كان مساعد رئيس الجمهورية ورئيس حزب مؤتمر البجة موسى محمد أحمد يغادر مدينة القضارف بمعية والي القضارف بالإنابة الدكتور الصادق الوكيل في زيارة تفقدية ومتابعة أحوال الناس في العشرية الأولى لاتفاقية الشرق.. كان الرجل يتجول ساعتها تحت صفتي المسؤول التنفيذي والرئيس لحزب مؤتمر البجة الذي كان يعقد مؤتمراته في شرق السودان.. كانت الزيارة هي التوقيت الأمثل للمواطنين لعرض مشكلاتهم ومعاناتهم، مؤكداً أنهم هناك لا يفرقون بين مسؤولية المركز البعيد أو اختصاص المركز الأقرب في حاضرة الولاية القضارف.
في الهواء الطلق في منطقة صابوني كان علم مؤتمر البجة يرتفع فوق أرض لا يقطنها البجة كإثنية، ولكن تسكنها في الوقت ذاته المطالب التي تم رفعها في أوقات سابقة في سبيل السعي لإزالة (التهميش).. المهمشون يضعون مطالبهم في كنانة المساعد، لكن سرعان ما يتلقفها نائب الوالي الصادق الوكيل. ويقول إن المطالب المتعلقة بتوفير المدارس والمستشفى والاختصاصيين هي واجبات السلطة الولائية، قبل أن يضع هو مطالب الولاية في ضرورة المساهمة في ربط المنطقة بطريق مسفلت يغادر عبره الناس حالة العزلة في أيام الخريف.
في كلمته أمام أهل صابوني تعهَّد مساعد رئيس الجمهورية بالمساهمة الفاعلة في معالجة كافة المعوقات التي تواجه المواطنين هناك، معتبراً أن هذا الأمر من صميم مسؤولياتهم كحكومة. في كلمته جاهد المساعد بأن يصل صوته عبر مكبر الصوت في الحلة التي لم يصل إليها نور الكهرباء بعد، ولكن قبل أن يغادر المساعد منصة الخطاب الجماهيري كان يضع وصيته على أسماع الجميع بأن خيار التحول من واقع إلى ما هو أفضل، يرتبط وبشكل كبير بإعلاء قيمة التعليم وبالتمسك به، باعتباره الطريق نحو المستقبل الأمن المستقبل الذي يمكن من خلاله تجاوز كل المشكلات التي تعطل مسيرة التنمية في البلاد التي غادرت لتوها قائمة الدول المفروضة عليها العقوبات الأمريكية، وهي الخطوة التي تمثل أولى الخطوات في سبيل تحقيق تطلعات الشعب في التنمية والاستقرار.
بعد أن غادر المساعد والوفد المرافق له منطقة صابوني اتجه إلى حيث (القلابات) هنا حيث يلتقي (السودان بإثيوبيا) في النقطة الحدودية توقف مساعد رئيس الجمهورية الذي صار جزءاً من تفاصيل المشهد هناك، حيث تراصت عدة شاحنات محملة بالذرة في انتظار عبور الخط الفاصل بين السودان وإثيوبيا في القلابات، يبدو مشهد التمازج بين الجيران ماثلاً إلى حد كبير حيث يتجول الإثيوبيون في مدينة القلابات، بينما توقف عدد منها على مقربة من نقطة الجوازات في انتظار دخولهم إلى داخل السودان كعمال في المشاريع الزراعية للمساهمة في حصاد السمسم.. انخرط مساعد رئيس الجمهورية في اجتماع مع القيادات في الجمارك والجوازات من أجل الاستماع لتنوير يتعلق بسريان الإجراءات هناك، حيث أكدوا أن الأمور تمضي بسلاسة تؤكد عمق العلاقات الاستراتيجية بين الخرطوم وأديس أبابا. بعد خروجه من الاجتماع وقف مساعد الرئيس في أعلى نقطة وبدأ يتفرس في تفاصيل الحياة على الحدود، وربما استعاد ساعتها ما كان يحدث هنا قبل عشر سنوات، حين كان السلاح هو وسيط التواصل بين السودانيين، وحيث كانت تدور المعارك على أشدها، كانت ابتسامة المساعد تعبر عن حالة الرضا بما تم التوصل إليه حتى الآن. بعدها غادر المساعد الحدود في رحلة عودته إلى القضارف التي شهدت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العام لحزب مؤتمر البجة، وبمشاركة من قيادات السياسة والمجتمع في المدينة، وبتشريف من نائب الوالي الصادق الوكيل الذي قال إنه الآن في قاعة العمال ممثلاً لحزب المؤتمر الوطني، ومشيداً بعلاقة التواصل بينهم ومؤتمر البجة، وبهذه الشراكة التي بدأت تؤتي أكلها، وهو ذات الأمر الذي أكده مساعد الرئيس في حديثه أمام المؤتمرين في مدينة القضارف، حيث أكد استمرار الشراكة لأجل تحقيق أهداف السودانيين مجتمعين في السلام والتنمية والاستقرار، وهو الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا بسيادة السلام ونبذ الحروب.. أثناء حديث المساعد انقطع التيار الكهربائي ليترك القاعة في حراسة هتافات (بجة حديد).. الهتاف الذي كان يردده منسوبو الحزب وليس الإثنية في ذلك الصباح بعد أن وضع موسى محمد أحمد المايك كان يتلقفه منه رئيس الحزب في ولاية القضارف مختار نافع، ولكن ليس بصفته الحزبية، وإنما بصفته فناناً يمتلك صوتاً مميزاً رفعه ساعتها بأنشودة العطبراوي أن ?لن أحيد.. ليست رعديداً يكبل خطوه ثقل الحديد.. وهناك أسراب الضحايا الكادحون العائدون مع الظلام من المصانع والحقول.. قد ملأوا الطريق.. عيونهم مجروحة الأغوار ذابلة البريق.. لا.. لن أحيد?.
اليوم التالي.



