مقالات وآراء

الجثمان الطائر ومراسم دفن خارج العادة

🖊 إيمان حامد الوسيلة

في حادثة قلّ نظيرها في تاريخ السودان، أثارت وفاة القيادي البارز في الحركة الإسلامية، الشاذلي عبد القادر، جدلاً واسعاً على الصعيد السياسي والاجتماعي. فالإعلان عن وفاته جاء إثر حادث مروري على طريق عطبرة – بورتسودان، لكن الغرابة لم تكن في سبب الوفاة، بل في القرار المفاجئ لنقل جثمانه إلى تركيا ليدفن هناك، بعيداً عن وطنه الأم، رغم أنه عاش وترعرع في السودان وكان له أسرة وأقارب يمكنهم حضوره وممارسة طقوس الدفن الطبيعية.

تثير هذه الواقعة تساؤلات عديدة حول دوافع النقل السريع للجثمان خارج البلاد، خصوصاً أن الشاذلي كان يشغل منصب المدير الإقليمي لشركة “جياد” الصناعية في تركيا، وكان مسؤولاً عن إدارة استثمارات الحركة الإسلامية المنهوبة بعد سقوط نظام البشير. وكان يُنظر إليه كشخصية مركزية في الخط المالي للتنظيم الإخواني، ووصفه المراقبون بأنه “خزانة الأسرار” التي تحتوي على تفاصيل مالية واستثمارية حساسة، بما في ذلك صفقات مشبوهة وعلاقات مع دول أخرى.

من أغرب عناصر الواقعة أن الشاذلي كان يحمل بصمة الحسابات البنكية للحركة الإسلامية حرفياً، بمعنى أن أي تحركات مالية أو صفقات مشبوهة كانت مرتبطة بشكل مباشر بشخصه. وهذا يجعل نقل جثمانه خارج السودان يبدو وكأنه محاولة لإغلاق الملف تماماً ومنع أي تسرب للمعلومات، فحمل الجثمان إلى تركيا لم يكن مجرد تكريم أو رغبة عائلية، بل يحمل رمزية سياسية قوية. أصبح واضحاً أن هذه الحركة لم تكتف بالسيطرة على المال، بل امتدت سيطرتها إلى الموت نفسه، بحيث يُنقل الجثمان بشكل مريب لضمان استمرار التحكم في ما تركه المرحوم من ملفات وأسرار. وهكذا لم يكن الجثمان مجرد جسم يُدفن، بل رمز للكرامة المبالغ فيها، التي ترتبط بالبصمات المالية والصفقات السرية.

تاريخياً، لم يشهد السودان، ولا غالبية الدول، أن يتم نقل جثمان مواطن قيادي بهذه الطريقة خارج البلاد، خاصة عندما يكون له أقارب يمكنهم دفنه في وطنه بطريقة طبيعية. وحتى مقارنة بحوادث مشابهة مثل دفن أبناء بعض القيادات العسكرية في تركيا أو خارج البلاد، فإن الغرابة تكمن في التركيز على السرعة والخصوصية العالية للطائرة والنقل، ما يرفع علامات الاستفهام حول دوافع النقل. من زاوية أخرى، يعكس هذا الفعل غياب الانتماء الوطني لدى بعض القيادات، الذين جعلوا حتى الموت أداة لإخفاء المعلومات المالية والسيطرة على الأموال العامة، متجاوزين كل الأعراف الاجتماعية والوطنية.

الحادثة ليست مجرد واقعة عابرة، بل تحمل رمزية سياسية كبيرة. الجثمان أصبح حاملًا للبصمات المالية، أي أنه يمثل المفتاح لكل الأموال والاستثمارات المشبوهة التي تركها التنظيم الإخواني في السودان وخارجه. النقل السريع للجثمان بعيداً عن التشريح والتحقيق في مكان الوفاة يخلق بيئة من انعدام الرقابة والشفافية، ويؤكد غياب المساءلة. مثل هذه الممارسات تعكس نهجاً قائماً على إخفاء المعلومات واستغلال النفوذ السياسي والمالي، حيث يصبح الموت نفسه أداة سياسية.إن حادثة وفاة الشاذلي عبد القادر ونقل جثمانه خارج السودان لا تقتصر على كونها واقعة غريبة، بل تمثل رمزاً لممارسات الفساد والسيطرة على المال والمعلومات. لقد تحولت الجثة إلى أداة سياسية، واليد التي تحمل البصمة المالية إلى رمز للسخرية والغرابة التاريخية، حيث أصبح حتى الموت وسيلة لإخفاء الأسرار واستمرار السيطرة. وتظل هذه الواقعة درساً تاريخياً يوضح كيف يمكن أن تتحول السلطة والمال إلى أدوات تحكم حتى بعد الوفاة، ويبرز الحاجة الملحة لمراجعة نظم الرقابة المالية والسياسية لضمان أن تبقى القرارات والموارد تحت مراقبة وطنية مسؤولة، بعيداً عن الممارسات الفردية أو الجماعية التي تتجاوز الحدود الطبيعية للعقل والمنطق.هؤلاء هم أبناء الثورة العظيمة الممتدة والمنتصرة بإذن الله، ويجب ألا يتركوا وحدهم يواجهون تعذيب بيوت الأشباح والقمع.اللعبة الكيزانية المفضلة هي صناعة الفوضى وزراعة عدم الثقة ومحاولة تلويث وطنية كل من حولهم، ومجريات الأحداث التي صاحبت مسيرتهم منذ أن وافق جعفر النميري على مشروع المصالحة معهم في نهاية سبعينيات القرن الماضي امتداداً إلى انقلابهم المشؤوم بقيادة البشير، ثم زعزعتهم لثورة ديسمبر عندما انقلب كل الشعب عليهم، ثم انقلابهم عليها بقيادة البرهان وإشعالهم لهذه الحرب اللعينة.

أحياناً يتم تغيير قواعد اللعبة حسب مجريات الأحداث؛ فبعد الضجة التي أثارها اعتقال الثائر منيب عبد العزيز في محاولتهم إرهاب شباب ديسمبر، وفشل ذلك بعد الوقفة القوية لكافة قطاعات الشعب خلفه، أظهر مقطع فيديو يتم الترويج له بأن (مواطني) منطقة بري قاموا باعتقال اثنين من الثوار خرجوا في وقفة احتجاجية وقاموا بتسليمهم للشرطة، رغم أن الحقيقة هي أن (كلاب جهاز الأمن الشعبي) التابعين للحركة الإسلامية هم من قاموا بالاعتداء عليهم وضربهم، ومحاولة إلباس مواطني بري قلعة الصمود وأسود الثورة الجريمة.

ما حدث في (بري) انتفاضة لشباب ثورة ديسمبر التي لا تنطفئ جذوتها، وليس كما خرجت به غرف الدجاج الإلكتروني الكيزاني، وهؤلاء الشباب الذين تم الغدر بهم من (كلاب الأمن) ثوار معروفون بالمنطقة، ومن قام بالاعتداء عليهم ليسوا بسكان المنطقة بل بعض كلاب ما يعرف بالأمن الشعبي الكيزاني بملابس مدنية والمنتشرين بالمنطقة على اعتبار أنها واحدة من المناطق التي كانت الأعنف في مواجهة النظام الكيزاني حتى إنها عرفت بـ(أسود البراري) وقلعة الصمود.

وحتى لا ننساق خلف أكاذيب جداد الأمن الإلكتروني يجب علينا جميعاً كـ(لجان ثورية) في كافة أرجاء البلاد عدم الصمت والوقوف خلفهم والمطالبة بإطلاق سراحهم وتفعيل هاشتاج #أطلقوا_سراح_ثوار_بري؛ فهؤلاء هم أبناء الثورة العظيمة الممتدة والمنتصرة بإذن الله، ويجب ألا يتركوا وحدهم يواجهون تعذيب بيوت الأشباح والقمع.
والحرية لشباب الثورة المستمرة التي لا تتوقف..
والمحاسبة والقصاص من المعتدين قادم حتماً
والرحمة والخلود أبداً لشهدائنا..

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..