مقالات وآراء

في طرابلس الغرب [1] (خُذِ الفكرَ من دارِ الفكر)

شريف محمد شريف
____________________
بقلم: شريف محمد شريف

تَرَحَّلْتُ في شَرْقِ الْبِلَادِ وَغَرْبِهَا .. صَدِيقِي مَسَافَاتِي وَخِلِّي الْوَسَاوِسُ
وَسَيْلُ الْأَمَانِي فِي طَرِيقِي وَابِلٌ .. وَرَعْدُ هُمُومِي فِي سَمَائِيَ رَاجِسُ
وَذِكْرَى صَدِيقِي وَابْنِ يَوْمِي بِصُحْبَتِي .. وَبَرْدُ مَحَطَّاتِ الْمَسِيرَةِ قَارِسُ!
وَيَا قَارِئَ الْأَشْعَارِ عَرِّجْ بِشِعْرِنَا .. وَذُقْ سِحْرَ لِيبْيَا هَلْ هُنَاكَ مُنَافِسُ؟

(ليبيا الوطن)
“شعر: أسامة فؤاد سراج الدين”

(1)

.. بعد أيامٍ طوالٍ، وليالٍ مُرهِقةٍ مُدلهمَّةٍ، وشتاءُ الصحراء يضرب مزاميره على الحدود الفاصلة بين دولة تشاد ودولة ليبيا، عندَ حدودِها الجنوبية، وصلتُ إلى منطقة القطرون – الجنسية، ومنها إلى مدينة سبها، حيث قضيتُ أيامًا بهيَّةً أفردتُ لها مقالةً أخرى.
ثم انتقلتُ بعد ذلك إلى طرابلس الغرب(عروس البحر)، أو كما يريد لها أهلها مُسمًّى جديدًا، في ليبيا ما بعد الثورة، وتراجيديا الانتقال العسير ومخاض التغيير.
شعارٌ قرأتُه مكتوبًا على أحد أسوار المدينة العتيقة(عاصمة الوفاق الوطني)!.
وبالطبع استوقفني ذلك الشعار المكتوب في قلبها النابض بالتاريخ، بين الأسى والمُنى، وما بينهما من مسافةٍ ومساحة.
تشوَّقتُ للمدينة وأهلها، وتمنَّيتُ لهم أطيب المُنى؛ بتحقيق الوفاق، وإكمال الاتفاق، ودوام الاستقرار، واستقامة القرار. سيكون ذلك دعاءنا وأمانينا، ووفاءنا لدولة ليبيا وشعبها الكريم، ولطرابلس الغرب عاصمةً، ولبنغازي الشرق، التي استقبلتنا ونحن لاجئون سودانيون عقب حرب أبريل في السودان، استقبالًا لن يُنسى؛ إذ فتحت لنا حدودها وأبوابها للدخول دون تأشيرة مسبقة أو إجراءات معقَّدة. سنحفظ لهم هذا الفضل؛ فالخير لا يُنسى وإن طال عليه الزمان، وسيبقى الوفاء بين الشعوب، ويدوم الخير بينهم، ولن تنقطع أواصر الصلة بما يجمعهم من وشائج الطبيعة، وروابط الإنسانية، وسنن التاريخ والجغرافيا، وصيرورة الحياة.

(2)

وأنا أعبر الحدود إلى ليبيا، استرجعت ذاكرة التاريخ، وما عرفناه عنها منذ فجر صبانا، ثورتها، وحربها مع الإيطاليين، وذكرى شهيدها وبطلها، أسد الصحراء وشيخ الشهداء عمر المختار..
وقد أعادني ذلك إلى منطقة ميلادي ونشأتي في شمال السودان (دلقو – المحس)، وإلى ذكرى ابنها وابن وطني، القائد سيد فرح، أحد قادة ثورة 1924م ضد الإنجليز في السودان. الذي تمكّن من الهرب بعد فشل الثورة وإعدام رفاقه، فلجأ إلى ليبيا، مشاركًا الليبيين ثورتهم ضد الطليان بقيادة عمر المختار.
وظلّ برفقة القائد عمر المختار حتى لحظة القبض عليه، وتنفيذ حكم الإعدام فيه، واستشهاده عام 1931م. وبعدها أيضًا ساعد الليبيون سيد فرح على الخروج من ليبيا وفاءً له، ليمضي إلى آفاق أرحب.. حتى وفاته.
وخلَّفت هذه المسيرة النضالية أثرًا خالدًا في وحدة نضال الشعوب، وكفاحها، وتضامنها، وفي المصير المشترك الذي ينتظرها. وكُلُّنا في الهمِّ شرقٌ.

(3)

عند زيارتي لأيِّ مدينة، وفي سعيي للتعرّف إلى معالمها وناسها، أبدأ أولًا بالبحث عن مكتباتها. وكان أوَّل عنوانٍ عثرتُ عليه في وسط المدينة هو مكتبة دار الفكر، التي تقع في شارع الوادي (شارع عمرو بن العاص)، على بُعد خطواتٍ من ميدان الشهداء، الذي تأسّس في أواسط القرن العشرين.
ذلك الميدان العتيق، برمزيّته الخالدة، وتغيّر أسمائه، مع بقاء تاريخه الأثير، ومكانه الوثير، يجمع بين أطلال الماضي العريق والحاضر المشرئب نحو المستقبل. فهناك السرايا الحمراء، والأسوار الشاهقة، والأبواب، والمباني التي تحيط به؛ ومنها مبنى الولاية سابقًا، وحاليًّا عددٌ من المصارف الحديثة على جنباته، مصرف الجمهورية، والمصرف التجاري الوطني (الفرع الرئيسي – طرابلس)، ومصرف الأمان للتجارة والاستثمار في المبنى البيضاوي المقابل للميدان.
كما تتفرّع منه بعض الشوارع الرئيسية في المدينة، مع تغيّر بعض أسمائها، إلا شارع عمر المختار يظلّ كما هو باسمه، غير مختلفٍ عليه. والمجد للشهداء.
وأيضًا هناك طريق الشط الساحلي الطويل، الذي يمرُّ بين البحر والميدان، وفي الأفق القريب يلوح ميناء طرابلس ذو التاريخ العتيق.
للميدان مهابةٌ ووقار، وحركةٌ وهدأةٌ ونأمة. فلا تصخبه حركة الزائرين، ولا مرور السيارات على جانبيه، ولا حركة المارَّة والباعة في داخله، ولا هديل الحمام، ولا خرير المياه.
تتوسَّطه نافورةٌ مجنَّحة، وخضرةٌ جميلة، تحيط بها سرمكة حديثة، وفيه أماكن مخصَّصة للجلوس، فالمكان يصلح للتأمّل والنظر. فصرتُ آتيه غدوةً ورواحًا من مكتبة دار الفكر، وصار الاثنان من أحبَّ الأماكن إلى قلبي في وسط المدينة.

(4)

في زيارتي الأولى للمكتبة، مكثتُ فيها زمنًا أطالع عناوين الكتب على أرففها الممتدة، حتى نبَّهني صاحبُها معتذرًا بأنَّه يودُّ إغلاقها لصلاة الظهر. سألته عن المسجد، فأشار إليَّ بقربه، (مسجد بلخير).
أهلُ ليبيا يهتمون بعمارة المساجد بشرًا وحجرًا، ويعنون بتطوير مرافقها الخدمية وجودتها، على كثرتها، وذلك من تعظيم الشعائر.
عُدتُ بعد الصلاة، واشتريتُ بعض الكتب، وتحدَّثتُ إليه قليلًا. وسرعان ما تعارفنا، وتبادلنا أرقام الهواتف. ووعدتُه بتكرار الزيارة، وشكرتُ صاحبي “عبدالرحمن”، ثم انصرفتُ في طريقي متفرسًا بعضَ معالم المدينة.

(5)

بعد مضيِّ زمنٍ، راسلني الأخ “عبدالرحمن” يسأل عن غيابي، فقلت له إنني لم أستقرَّ بعدُ على عملٍ. فعرض عليَّ العمل معهم إن كنت أرغب في ذلك، وأن آتي لمقابلة الإدارة، وحدَّد لي موعدًا.
ذهبتُ في الموعد المحدد بيننا، والتقيتُ بالسيد “مناف”، الذي أجرى معي المقابلة والتعارف. ثم شرح لي طبيعة العمل والوظيفة (مسؤول المبيعات)، وعدد ساعات العمل، والمناوبة، والراتب. غير أنني تحدثتُ إليه فقط عن الوقت الذي أريده، ولم أُحادثه بشأن الراتب؛ إذ كان يكفيني أولًا أن أعمل في بيئة المعرفة والكتاب، وثانيًا أن يختبروني وأختبرهم، محتفظًا بحريتي دون التزاماتٍ أو طلباتٍ مسبقة، وثالثًا لأن من طبعي ألا أُحاجَّ في المال ولا أطمع فيه، وإنما يكفيني منه ما يفي بالغرض، ويؤمِّن الحد الأدنى من المعيشة.
وما فاض عن حاجتي، فهو بالطبع سيكون لبعض أهلي ممن لهم حقٌّ عليَّ، وفضلٌ مستحقٌّ. فقد قرأنا وتعلَّمنا من شعر عنترة وحكمته. لَعَمري ما الفَخارُ بِكَسبِ مالٍ، ولا يُدعى الغنيُّ مِنَ السَّراةِ. وإنَّا لنرجو أن تذكرنا المعامع، التي أصبحت عُدَّتها اليوم المعرفة والفكر. وهذا الفكر يبقى ولا يفنى، مدى الأيام، في ماضٍ وآتٍ. وذِكرُ الفتى، كما قال المتنبي، عمرُهُ الثاني وحاجته، ما قَاتَهُ وفُضُولُ العَيشِ أشغَالُ!
المهمُّ في أيِّ عملٍ هو الحفاظ على حرية التفكير والإبداع للفرد، وصون الكرامة، وترسيخ قيم العمل. ومتى ما تقاصرت بيئة العمل عن ذلك، سنذهب ولا نبالي، تاركين بُغاثَ الطير على ثمار الأشجار.

(6)

مكتبة دار الفكر، هي من أقدم المكتبات في البلاد، أسسها المرحوم صالح الضاوي الشريف، الذي تزين صورته المكتبة، وقد وُضعت أعلى الرفوف، وكانت سببًا في سؤالي عنه ومعرفتي باسمه من القائمين على إدارتها اليوم. أسرة محمد الشريف بن نصر.
وتضم المكتبة أقسامًا كثيرة ومتنوعة، تبدأ بالقرآن الكريم وعلوم الدين من حديث وفقه، وتمتد إلى اللغة العربية وآدابها، وتراجم الأدباء، والتاريخ، والسياسة، والفكر، وكتب المساعدة للمراحل التعليمية، ومختلف التخصصات العلمية كالقانون، والاقتصاد، والمحاسبة، والفيزياء، والكيمياء، إضافة إلى قسم الأطفال وتربيتهم، وقسم الفلسفة، والتنمية البشرية، وسائر ضروب الثقافة والمعرفة العامة.

(7)

الثقافةُ هي التي تقودُ الحياة، و«إنَّ سرَّ الحياةِ الأعظم – إنَّ إكسيرَ الحياة، هو الفكر». وعلى مكتبةِ دارِ الفكر أن تُغذِّي البلادَ بالنتاجِ الفكري الحديث، على اختلافِ ألوانه واتجاهاته، لتُشعلَ العقولَ نورًا، وتبعثَ فيها فكرًا متقدًا. فهذا أوجبُ ما تضطلعُ به المكتبة.
فالإنسانُ الواعي هو أساسُ التنميةِ والتقدُّم، وإنَّ المجتمعَ يحتاجُ، أولَ ما يحتاجُ في نهضته، إلى الأفرادِ المثقفين. لذا فإنَّ للمكتباتِ دورًا عظيمًا في نشرِ المعرفة، وتوزيعِ الكتاب، وإقامةِ المعارضِ الثقافية، والمنتدياتِ الفكرية، وتشجيعِ القراءة، وتيسير وصول الكتاب إلى القرَّاء الكرام بأيسرِ السبل، وبناء صداقةٍ معهم تُحبِّبُ إليهم المعرفة.
فيا قارئي، عرِّجْ علينا في دارِنا، وخذِ الفكرَ من دارِ الفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..