أخبار السودان

حروب أميركا ضد الجنائية الدولية… حماية نتنياهو وجنود واشنطن

لم تبدأ الحرب الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية مع مذكرات التوقيف بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الأمن الإسرائيلي السابق يوآف غالانت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لكنها دخلت منذ ذلك الحين مرحلة أكثر تصعيداً بعدما استخدمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب العقوبات المالية وقيود السفر لاستهداف قضاة ومدعين عامين في المحكمة، وصولاً إلى الضغط على المحكمة نفسها. منذ معركة تأسيس المحكمة ومقرها في لاهاي عام 1998، تخشى واشنطن أن تمتد صلاحيات القضاء الدولي إلى جنودها ومسؤوليها، فيما أعادت ملاحقة القيادة الإسرائيلية المواجهة إلى الواجهة، كاشفة حدود استعداد الولايات المتحدة لقبول المساءلة عندما تطاول حليفاً وثيقاً لها.

وعلى امتداد نحو ثلاثة عقود، انتقلت المواجهة من محاولات تقييد صلاحيات المحكمة والضغط الدبلوماسي إلى العقوبات المباشرة في ولاية ترامب الأولى (2017-2021)، قبل أن تتراجع مؤقتاً في عهد الرئيس السابق جو بايدن، ثم تتجدد بصورة أشد منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي. واليوم، لم يعد التصعيد مقتصراً على معاقبة قضاة ومدعين بعينهم، بل امتد إلى المؤسسة نفسها، وسط اعتراضات أوروبية وتحذيرات من أن استخدام النفوذ الاقتصادي لتقييد القضاء الدولي يهدد استقلاله ويمنح الدول الأقوى قدرة أكبر على تفادي المساءلة.

وأعلنت الولايات المتحدة غير الموقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أول من أمس الجمعة، فرض عقوبات على هذه المحكمة، وهددت بتفكيكها ما لم تتوقف عما وصفته بـ”تهديداتها” للأميركيين، في خطوة رفضتها المحكمة ودول عدة من بينها أوروبية، واعتبرتها اعتداء على سيادة القانون. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في بيان، إن “الرئيس دونالد ترامب لن يسمح أبدا للمحكمة الجنائية الدولية بملاحقة الأميركيين قضائياً، ولهذا السبب تفرض الولايات المتحدة اليوم عقوبات على هذه المحكمة”. أوضح روبيو أن واشنطن أرجأت سابقاً اتخاذ قرار فرض العقوبات، أملاً في أن تغير المحكمة مسارها أو تعمل الدول الأطراف فيها على كبح تحركاتها، لكن أياً منهما لم يتخذ خطوات ملموسة لمعالجة المخاوف الأميركية، وفق قوله.

وحذّر بالقول: “إما أن توقف المحكمة الجنائية الدولية تهديداتها، أو سننهي وجودها”، داعياً حلفاء الولايات المتحدة الأعضاء في المحكمة إلى التدخل لكبحها. وتوعد بأنه “إذا لم يفعلوا ذلك، فستواصل الولايات المتحدة حملتها لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية، حجراً حجراً، إلى أن يتوقف تهديد الأميركيين”. سارع نتنياهو، أول من أمس الجمعة، للإشادة بالعقوبات الأميركية، وجاء في منشور لمكتبه على منصة إكس أن “المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل هيئة سياسية تشكل تهديدا وجوديا للديمقراطيات الملتزمة بالقانون في أنحاء العالم ولمبدأ السيادة الوطنية”.

بالمقابل، وصفت المحكمة في بيان مساء أول من أمس، الخطوة بأنها “محاولة لعرقلة سير العدالة ومنع المحكمة من القيام بالمهام التي أنشئت من أجلها. إنه اعتداء على سيادة القانون وعلى أسس النظام القانوني الدولي”. وأكدت المحكمة المعنية بجرائم الحرب أنها ستواصل “الاضطلاع بالتفويض المنوط بها بالكامل”، والذي يتمثل في محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية وجريمة العدوان عندما تكون الدول الأعضاء غير راغبة أو غير قادرة على القيام بذلك. لكنها أشارت إلى أنه “لا يمكن للمحكمة أن تقف بمفردها. فمصيرها الآن يقع أيضاً في أيدي الدول التي أنشأتها”. واعتبرت أن “الأمر لا يتعلق بمجرد الدفاع عن مؤسسة واحدة، بل بحماية النظام الدولي القائم على سيادة القانون. والتاريخ هو الذي سيحكم على هذه اللحظة”.

وجاء التنديد بالخطوة الأميركية من منظمة العفو الدولية، التي قالت إن العقوبات تسعى إلى عزل المحكمة وتقويض إمكانية محاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة بموجب القانون الدولي. كذلك رفض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، وفولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، العقوبات الأميركية، وسط دعوات إلى احترام استقلالية المحكمة. وفي السياق ذاته، أعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه للقرار الأميركية، مؤكدا أنه سيعمل عن كثب مع المحكمة لضمان استمرارها في أداء عملها بفاعلية، والتزامه بمواصلة العمل مع الدول الـ125 المنضمة إلى نظام روما الأساسي. في بيان مشترك، أكد وزراء خارجية كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة دعمهم الثابت لاستقلال المحكمة الجنائية الدولية وحيادها ونزاهتها. كررت الحكومة السويسرية الجمعة، تأكيد دعمها للمحكمة الجنائية الدولية، ورفضت العقوبات التي أعلنتها الولايات المتحدة بحق هذه الهيئة.

جاء فرض إدارة ترامب عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، بعد ساعات من فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام

وجاء فرض إدارة ترامب عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، بعد ساعات من فوز نافي بيلاي الجنوب أفريقية، وهي من قضاة المحكمة السابقين، بجائزة نوبل للسلام، والتي أشرفت في وقت سابق على تقرير للأمم المتحدة خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. وجدد ترامب هجومه على لجنة نوبل، باعتباره أكثر استحقاقاً للجائزة مثلما فعل العام الماضي. ووصف ترامب، أول من أمس، بيلاي بأنها “شخص مجهول” قائلاً خلال تجمع انتخابي في سيراكيوز بنيويورك: “لم أسمع بها قط. ولا أحد يعرفها. هذه وصمة عار لا تمحى على جبين النرويج ومن اتخذوا هذا القرار المشين والمحرج”. وأضاف: “فقدت جائزة نوبل للسلام مصداقيتها إلى الأبد على يد بعض أصحاب الأفكار المتطرفة المعادين للديمقراطية والذين هم في الحقيقة أعداء الحضارة. ولن ننسى ذلك يا نرويج”. وكان لافتاً إبداء بيلاي، لدى تبلغها بفوزها في فيديو نشرته وسائل إعلام وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، استغرابها لوصفها بـ”الشجاعة” بعد تسليمها التقرير عن غزة، عام 2025، والذي “وصفت فيه ما يحدث هناك بأنه إبادة جماعية”، متساءلة: “لماذا قد تحتاج إلى الشجاعة لقول الحقيقة؟”.

من نظام روما إلى “غزو لاهاي”
مع العقوبات الجديدة على المحكمة، بلغت المواجهة الأميركية معها مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعد مسار طويل من الضغوط السياسية والقانونية يعود إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي. تعود جذور المواجهة إلى صيف عام 1998، حين اجتمع ممثلو 160 دولة في العاصمة الإيطالية لإقرار نظام روما الأساسي (خلال مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين)، الذي مهّد لتأسيس المحكمة الجنائية الدولية. وكان الهدف إنشاء هيئة قضائية دائمة تتولى محاسبة الأفراد، بمن فيهم رؤساء الدول والقادة العسكريون، على جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بدلاً من اللجوء إلى إنشاء محكمة مؤقتة مع كل نزاع.

عارضت الولايات المتحدة منح المحكمة استقلالاً واسعاً، وسعت إلى إخضاع تحركات المدعي العام لقيود سياسية، بينها توسيع دور مجلس الأمن في إحالة القضايا، بما يمنح الدول الخمس دائمة العضوية (الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة) نفوذاً كبيراً على مسار التحقيقات. لكن هذه المساعي لم تمنع اعتماد النظام الأساسي بأغلبية 120 دولة، مقابل سبع دول صوتت ضده، وامتناع 21 دولة عن التصويت.

واشنطن تفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية

وبعد استكمال العدد المطلوب من التصديقات، بدأت المحكمة عملها في لاهاي عام 2002، من دون انضمام الولايات المتحدة إلى نظامها. وفي العام نفسه، صعّدت إدارة الرئيس الأميركي حينها جورج دبليو بوش المواجهة، فأقرت تشريعاً عُرف باسم “قانون غزو لاهاي”، يتيح استخدام القوة لتحرير أميركيين محتجزين لدى المحكمة. كما ضغطت واشنطن على دول لتوقيع اتفاقات تمنع تسليم مواطنين أميركيين إليها، ولوّحت بوقف التعاون مع بعثات دولية ما لم تُضمن حماية الأميركيين من الملاحقة. ولم يكن الخلاف محصوراً بدولة الاحتلال الإسرائيلي. فقد خشيت واشنطن أيضاً أن تطاول التحقيقات جنوداً أميركيين ومسؤولين في الاستخبارات على خلفية العمليات في أفغانستان، بما فيها اتهامات تتعلق بتعذيب معتقلين. وبررت موقفها برفض إخضاع مواطنيها لولاية قضائية لم تقبل بها، بينما رأى مؤيدو المحكمة أن استثناء مواطني الدول الكبرى من المساءلة يقوّض مبدأ العدالة الدولية من أساسه.

ترامب يفرض العقوبات
انتقلت المواجهة إلى مستوى جديد في الولاية الأولى لترامب. ففي مارس/آذار 2019، فرضت واشنطن قيوداً على تأشيرات دخول بعض العاملين في المحكمة، في محاولة للضغط على التحقيقات المتعلقة بأفغانستان. ثم وقّع ترامب في يونيو/حزيران 2020 أمراً تنفيذياً أتاح تجميد أصول أشخاص مرتبطين بتحقيقات المحكمة وفرض قيود على دخولهم الولايات المتحدة. وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، استهدفت العقوبات المدعية العامة آنذاك فاتو بنسودا، والمسؤول البارز في مكتب الادعاء فاكيسو موتشوتشوكو، بعدما فتحت المحكمة تحقيقاً في جرائم حرب محتملة في أفغانستان، قد تشمل أفعالاً ارتكبها أفراد من حركة طالبان أو القوات الأميركية.

شملت الإجراءات تجميد أي أصول للمستهدفين تقع ضمن الولاية الأميركية، وقيوداً على دخولهم البلاد. وأثارت العقوبات انتقادات أوروبية، إذ اعتبرتها دول حليفة اعتداءً على استقلال المحكمة ومحاولة للتأثير في عمل قضائي مستقل. لكن وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض أوقف هذه المرحلة من المواجهة. ففي إبريل/نيسان 2021، ألغت إدارته العقوبات المفروضة على بنسودا وموتشوتشوكو، ووصفتها بأنها “غير ملائمة وغير فعالة”. ومع ذلك، لم تنضم الولايات المتحدة إلى نظام روما الأساسي، ولم تتخلَّ عن اعتراضها على بعض جوانب اختصاص المحكمة. وهكذا، خف الضغط المباشر، لكن الخلاف القانوني والسياسي بقي قائماً.

مذكرات اعتقال نتنياهو وغالانت
عاد التصعيد بقوة بعد إصدار المحكمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق نتنياهو وغالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. والمذكرتان تستندان إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بارتكاب الجرائم الواردة فيهما. وترفض تل أبيب اختصاص المحكمة واتهاماتها. في السادس من فبراير/شباط 2025، وقّع ترامب أمراً تنفيذياً يتيح فرض عقوبات على أشخاص مرتبطين بتحقيقات المحكمة التي تستهدف الولايات المتحدة أو حلفاءها، من بينهم 13 قاضياً وقاضية، والمدعي العام السابق كريم خان. ووصف القرار ملاحقة نتنياهو وغالانت بأنها تجاوز لصلاحيات المحكمة، معتبراً أن الإجراءات القضائية ضد مسؤولين إسرائيليين تمثل تهديداً للسيادتين الأميركية والإسرائيلية.

أعادت ملاحقة قادة الاحتلال العقوبات إلى قلب السياسة الأميركية تجاه المحكمة، وربطتها إدارة ترامب بصورة مباشرة بملف إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، توسعت القائمة لتشمل كريم خان، وقضاة ومسؤولين في المحكمة، في سلسلة من الإجراءات التي استهدفت أفراداً بسبب صلتهم بعمل المؤسسة. علماً أنه في يوليو/ تموز الماضي، عزلت المحكمة كريم خان، على خلفية اتهامه بارتكاب “سلوك جنسي غير لائق”، في ظل حملة من الضغوط الأميركية والإسرائيلية ضده.

الجنائية الدولية تندّد بعقوبات واشنطن: اعتداء على سيادة القانون

وفرضت الولايات المتحدة خلال الفترة الماضية عقوبات على قضاة ومدعين عامين في المحكمة، بينهم رئيستها توموكو أكاني في أغسطس/ آب الماضي. وفي أغسطس 2025 أيضاً، أعلنت المحكمة أن عقوبات أميركية طاولت قضاة ونائبي مدعٍ عام، محذرة من أن هذه التدابير لا تمس الأشخاص المستهدفين وحدهم، بل تهدد استقلال القضاء وقدرة المحكمة الجنائية الدولية على مواصلة التحقيقات. وكانت القاضية السلوفينية في المحكمة، بيتي هوهلر، قد وصفت في مارس الماضي خلال تصريحات، أثر العقوبات بأنه حالة من عدم اليقين المستمر، إذ يمكن أن تتوقف بطاقة مصرفية عن العمل أو تلغي شركة تأمين عقدها، فيما تظهر عراقيل جديدة بصورة متواصلة. وتتجاوز هذه القيود مسألة تجميد الأموال أو منع السفر؛ فالعقوبات الأميركية قد تجعل التعامل مع الأشخاص المستهدفين محفوفاً بالمخاطر بالنسبة إلى المؤسسات المالية والشركات التي تخشى بدورها التعرض للعقوبات. وقد يؤدي ذلك إلى عزل القضاة والمدعين عن الخدمات الأساسية، وإرباك قدرتهم على التواصل والعمل، حتى عندما تكون هذه الأنشطة مرتبطة مباشرة بواجباتهم القضائية.

استهداف المحكمة الجنائية الدولية كمؤسسة
أول من أمس، في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، وسّعت واشنطن نطاق المواجهة لتشمل المحكمة الجنائية الدولية نفسها، عبر إجراءات قد تهدد حصولها على الموارد والخدمات المالية والتكنولوجية الضرورية لإدارة التحقيقات، وحماية المعلومات، والتواصل مع الشهود والضحايا. ومن شأن هذه الخطوة أن تزيد التوتر بين الولايات المتحدة والدول الغربية المتمسكة بنظام روما الأساسي وبالدور الذي تؤديه المحكمة ضمن منظومة المؤسسات الدولية، ولا سيما أن هذه الدول ترى في القضاء الدولي أداة لمحاسبة مرتكبي الجرائم وتعزيز القانون الدولي، في وقت تحتاج إلى التمسك بهذه المبادئ في تعاملها مع روسيا والصين وغيرهما من القوى الكبرى. وكانت 79 دولة قد حذرت، في بيان مشترك صدر في فبراير/شباط 2025، من أن العقوبات الأميركية قد تزيد مخاطر إفلات مرتكبي أخطر الجرائم الدولية من العقاب، وتقوّض أسس النظام القانوني الدولي.

في هذا الصدد، قال رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة السابق (2015-2016) ووزير الخارجية الدنماركي الأسبق موينز لوكاتوفت، لـ”العربي الجديد”، إن استهداف واشنطن للمحاكم الدولية، خصوصاً بعد إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، “يساهم في تدمير الأسس التي يقوم عليها القضاء والقانون الدوليان”. وشدد على ضرورة أن تواصل المحكمة عملها باستقلال وحياد، بعيداً عن الضغوط السياسية. كما حذر لوكاتوفت من تداعيات العقوبات العابرة للحدود، وما تفرضه من تحديات أمام الشركات والخدمات الأوروبية، مشيراً إلى أهمية بحث الاتحاد الأوروبي في أدوات قانونية لحماية مؤسساته ومواطنيه من آثارها.

ولا تقتصر تداعيات المواجهة، التي يتداخل فيها الدفاع الأميركي الدائم عن جرائم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي مع مخاوف واشنطن من ملاحقة مواطنيها، على ملفي نتنياهو وأفغانستان؛ إذ قد تمتد إلى ضحايا الجرائم في مناطق نزاع أخرى. وفي رأي لوكاتوفت، فإن إضعاف المحكمة يبعث برسالة مفادها أن تطبيق القانون الدولي قد يتراجع عندما يصطدم بمصالح الدول القوية، مطالباً في الوقت نفسه الدول الأوروبية بضرورة التمسك بالمحكمة الجنائية الدولية والدفاع عن دورها ومستقبلها. وتكتسب هذه التحذيرات أهميتها من طبيعة المحكمة التي لا تملك قوة شرطة خاصة بها، وتعتمد على الدول لتنفيذ مذكرات التوقيف وجمع الأدلة وحماية الشهود. كما أن اختصاصها تكميلي، إذ تتدخل عندما تكون السلطات الوطنية غير راغبة أو غير قادرة فعلياً على إجراء محاكمات حقيقية، وفقاً لشروط نظام روما الأساسي.

وتبرر واشنطن إجراءاتها برفض إخضاع مواطنيها لولاية قضائية لم توافق عليها، وبما تصفه بتجاوز المحكمة صلاحياتها. لكن معارضي العقوبات يرون أن معاقبة القضاة والمدعين على قراراتهم تتيح لقوة اقتصادية كبرى استخدام نفوذها لتقييد مؤسسة قضائية دولية. في المحصلة، فإن الخلاف يتجاوز حدود المواجهة الأميركية مع المحكمة إلى اختبار قدرة النظام الدولي على حماية استقلال القضاء من الضغوط السياسية والاقتصادية، والحيلولة دون تحول المساءلة عن الجرائم الدولية إلى مبدأ يخضع لموازين القوة.

العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..