تقنين الشريعة الاسلامية (1+2)

كيف نعالج تباعد بعض القانون الوضعي عن الأخلاق التي دعا لها الدين، وتباعد بعض أحكام الشريعة عن حقوق الإنسان السائدة اليوم؟ هنالك سؤال حول جزئية من القوانين الوضعية خارج الشريعة وهو نفس السؤال الذي تواجهه الشريعة المقننه عندما تفقد بعدها الإيماني الاعتقادي لتصير قانوناً يحتكم إليه سائر الناس، كيف نعالج غياب البعد الإيماني التعبدي في تقنين الشريعة؟

كيف لنا أن نربط بين الشريعة المقننة والإعتقاد بعد أن تتحول إلى قانون يحتكم إليه الجميع؟ من أين لنا بالقضاة الربانيين والشرطة كاملة النزاهة والطهارة والمحامون كاملي الصدق في تحري الحق؟ من أين لنا بكل هؤلاْ لكي نطبق بهم شرع الله؟ نلاحظ أن هذا الربط بين الشريعة والقانون العام يكون ممكنناً فقط في الكليات بينما يصعب كثيراً في التفاصيل بسبب أن الكليات جامعة بينما التفاصيل خصوصية.

لن يتحقق الربط الحقيقي بين الشريعة والواقع المتطور إلا بالجمع بين الشريعة والعقيدة (تصورات الايمان والانسان والوجود، بما في ذلك معاني الرحمة والرعاية وكرامة الانسان) وهو ما نسميه مشروع إكمال الكتاب بالحكمة حيث الكتاب هو الشريعة والحكمة تشمل العقيدة والأسس الإيمانية التي قامت عليها الشريعة والتي هي وجه من مقاصدها. وذلك عبر تحويل الحدود في تجريمها وفي عقوباتها إلى نطاق للتجريم ونطاق للحكم بدلاً من قطعية التجريم وقطعية الأحكام فيما أسميناه وأسماه آخرون بالحد الأدنى والحد الأعلى في الجريمة وفي عقوباتها وهو ما عرف بالتعزير.

هل يصح أن نجعل التعزير هو الأصل عندما نقنن الشريعة بينما تكون قطعية الأحكام لمن أراد أن يتطهر أو من تكرر منه الجرم حتى صار عادته وصفته (أكثر من ثلاث مرات مثلاً). يقول الأستاذ جمال البنا في ذلك “من الإجتهاد المقبول عدم تطبيق حد السرقة على من يسرق أول مرة”. ونحن هنا نتحدث عن مقاصد التجريم ومقاصد الأحكام وغاياتها وليس الأحكام في ذاتها لأن مقصود الشرع ليس دائماً الأحكام في ذاتها فقط وإنما كذلك الأهداف التي تحققها.

من السهل ملاحظة ذلك في تتبع نزول الشريعة الموسوية والمحاولة الإصلاحية التي قام بها السيد المسيح. يخبرنا تسلسل اليهودية والمسيحية بأن السماء ليست معنية بالدرجة الأولى بنوعية الأحكام بقدر ما هي معنية بالنتيجة والثمرة، ذلك لأن فلسفة الشريعة تهدف إلى خلق الإنسان الحقيقي الذي ضاع نموذجه بخروج الإنسان من الجنة.

الغاية الكبرى من الدين هي تنظيم علاقة البشر بالله وردِّها لمسارها الصحيح لكي تستقيم علاقتهم مع بعضهم البعض ثم تستقيم علاقتهم بالطبيعة. وعندها تتحق الجنة والتي هي نموذج الخلق التام المسمى في مستوى بالجنة وفي مستوى بالفردوس وفي مستوى آخر بالملكوت. “وفي الحق أن الدين سواء كان مسيحيةً أو إسلاماً إن لم يستوعب كل نشاط المجتمع ونشاط الأفراد ويتولى تنظيم كل طاقات الحياة الفردية والجماعية على رشد وعلى هدى فإنه ينصل من حياة الناس ويقل أثره ويخلي مكانه لأي فلسفة أخرى” (الاستاذ محمود محمد طه).

تقنين الشريعة الاسلامية (2)
تقنين الشريعة هو نقل لأحكام الدين خصوصاً في العلاقات والمعاملات من عالم الدين إلى عالم السياسة والدولة وأمور الدنيا. تقنين الشريعة هو تحويل أحكام الشريعة والإيمان إلى قانون عام يحتكم إليه جميع الناس مسلم وغير مسلم. ولكن السؤال المهم هو متى إفترقت أحكام الشريعة عن الأحكام العامة. من الواضح أن الشريعة روحاً وحكماً كانت تحكم أحكام القضاة عبر تاريخ الإسلام. وعملياً سعى الفقهاء لتوسيع ثوب الشريعة بالإجتهاد بشتى أنواعه لكي تسع مستجدات الحياة.

ظل الفقهاء عبر تاريخ الإسلام يمثلون السلطة التشريعية (المستمدة من سلطة النص المقدس) وذلك عبر الفتوى، وكذلك يمثلون القضائية. والتقنين من الممكن أن يحول كل القضاة إلى مشرعين مجتهدين. وقد اعتبر القضاء في دولة الإسلام من الوظائف الدينية، ويقول د. حسن الباشا: “ربما كان الإسم الرسمي للقاضي هو الحاكم”. وبالفعل كانت المحكمة تسمى الحكومة. وقد عرف حكام إسرائيل الأولى بعد موسى بالقضاة ومنهم صمويل وشمسون. وهم يعادلون حكم الخلفاء الراشدين فقد كانوا مشرعين (سلطة الأنبياء) وحكام وأئمة في الدين.

تحديث وسيلة للتوفيق بين العقائد والسلطة مسألة مهمة ولكنها لا تتحقق عبر اطروحات الدولة الدينية او الدين السياسي التي تملأ الساحة اليوم. والفشل في تحقيق مثل هذا التوافق والتماهي يعود لغياب الفهم الصحيح للعقيدة والفهم الصحيح عن الله. والفهم الصحيح يأتي بالعلم والذي هو فوق العقيدة أو إن شئت قلت ان العقيدة حلقة بين العلم (الحقيقة) والشريعة.

لن يتأتى هذا الفهم السليم إلا بظهور نوع جديد من البشر الذي جمع بين الكمالات السماوية الربانية والارضية الدنيوية، وهو أمر توافرت له الأسباب في زمننا هذا من إنتشار للتعليم والمعرفة، ورقي في الضمير الإنساني يجعل من السهل على الناس الفهم عن السماء بطريقة أكثر وضوحاً وجلاء، وتوافر الناس لتحصيل علوم الدنيا قد قطع شوطا بعيدا.

لقد كان الأنبياء كل في زمانه صورة من تلك الصور، ولن تكتمل الصورة إلا بزيادة أعداد الذين تخلقوا بأخلاق النبوة. وحتى ذلك اليوم لا نملك إلا أن نميز بين حكم الله وحكم الناس. ويعود هذا الوضع الغريب الذي يعيشه البشر للصراع بين الروح والجسد وبين المقدس والدنيوي بسبب أن الجسد والدنيا يسيطر عليهما وعي مناقض وهو ما يعرف بالوعي الشيطاني في المفهوم الديني. فحتى يعود الأمر كله بيد الله نبقى على وضعنا هذا في التمييز بين الدين والدنيا. والتمييز لا نقصد به تعطيل أحكام الدين ومجافاة الأخلاق والقيم.

هنالك درجات للأحكام بين أحكام مجملة وأحكام مفصلة، وكلها تقوم على الحكمة المجملة والحكمة المفصلة والأحكام المجملة والمفصلة. وهذا يؤيده قول الدكتور عبد الكبير: “القرءان أتى بثلاثة أنواع من الأحكام:

الأحكام الإعتقادية
الأحكام الأخلاقية
الأحكام العملية
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

  1. الاستاذ عبدالمؤمن حياك الله .
    اولا : الكمال لله ، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابين .
    ثانيا :ان كل إنسان نظيف لابد ان يجتهد ليكون انظف في يوم غد والا يعتبر انسان غير متطور.
    ثالثا : إذا عين ولي الأمر حرامي ليكون قاضيا فلا نتوقع من هذا القاضي تطبيقا صحيحا للشريعة الإسلامية. وعلى ذلك قس في كل الوظائف الحكومية الأخرى.
    رابعا : إذا دققنا النظر عن سبب تطور الدولة الإسلامية في عهد الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز نجد أن أهم شيء فعله هو عزله لكافة الحرامية ومحاسبتهم حسابا عسيرا وعين بدلا عنهم ناس أكفاء وفي نفس الوقت نزيهين . فاصبح ما في مجال للاسترزاق عن طريق السرقة فتوجه كل الناس النزيهين وغير النزيهين للإنتاج فعم الرخاء الدولة الإسلامية في ذلك الوقت .
    خامسا : لا ننسى أن انتشار العدل والنزاهة والأخلاق الكريمة تأتينا ببركات السماء مصداقا لكثير من الآيات القرآنية التي تشير لهذا المعنى كمثال قوله تعالى “ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ” .
    إذن عدم وجود القضاة الربانيين والشرطة الكاملة النزاهة والطهارة والمحامين الكاملين لا يحول دون تطبيق الشريعة الإسلامية إذا خلصت النوايا وأصبح ولي الأمر غدوة يغتدى به وليس شخص من صفاته الكذب على الرعية وبيعهم الوعود الكاذبة ومازال المسلسل مستمر والمستقبل ضائع.

  2. الاستاذ عبدالمؤمن حياك الله .
    اولا : الكمال لله ، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابين .
    ثانيا :ان كل إنسان نظيف لابد ان يجتهد ليكون انظف في يوم غد والا يعتبر انسان غير متطور.
    ثالثا : إذا عين ولي الأمر حرامي ليكون قاضيا فلا نتوقع من هذا القاضي تطبيقا صحيحا للشريعة الإسلامية. وعلى ذلك قس في كل الوظائف الحكومية الأخرى.
    رابعا : إذا دققنا النظر عن سبب تطور الدولة الإسلامية في عهد الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز نجد أن أهم شيء فعله هو عزله لكافة الحرامية ومحاسبتهم حسابا عسيرا وعين بدلا عنهم ناس أكفاء وفي نفس الوقت نزيهين . فاصبح ما في مجال للاسترزاق عن طريق السرقة فتوجه كل الناس النزيهين وغير النزيهين للإنتاج فعم الرخاء الدولة الإسلامية في ذلك الوقت .
    خامسا : لا ننسى أن انتشار العدل والنزاهة والأخلاق الكريمة تأتينا ببركات السماء مصداقا لكثير من الآيات القرآنية التي تشير لهذا المعنى كمثال قوله تعالى “ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ” .
    إذن عدم وجود القضاة الربانيين والشرطة الكاملة النزاهة والطهارة والمحامين الكاملين لا يحول دون تطبيق الشريعة الإسلامية إذا خلصت النوايا وأصبح ولي الأمر غدوة يغتدى به وليس شخص من صفاته الكذب على الرعية وبيعهم الوعود الكاذبة ومازال المسلسل مستمر والمستقبل ضائع.

  3. لن يتحقق الربط الحقيقى بين الشريعة والواقع المتطور الا بفهم جديد للاسلام يقوم على أسأس أن الاسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم( رسالتان )قامت الرسالة الاولى على فروع القران وقامت الرسالة الثانية على أصول القران ولن يعود الاسلام الا بالرسالة الثانية (رأجع كتاب الرسالة الثانية من الاسلام وكتاب الاسلام برسالته الاولى لا يصلح لانسانية القرن العشرين) للاستاذ محممود محمد طه فى موقع الفكرة الجمهورية بالانترنت ALFIKRA.ORG بغير ذلك سوف تضيع زمنك وزمن الاخرين ولن تصلوا الى أى نتيجة حتى قيام الساعة ( بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يحيون سنتى بعد اندسارها -الحديث ) سيعود الاسلام (بفهم جديد وغريب ) وهو فهم أنه (رسالتين)فى رسالة

  4. لن يتحقق الربط الحقيقى بين الشريعة والواقع المتطور الا بفهم جديد للاسلام يقوم على أسأس أن الاسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم( رسالتان )قامت الرسالة الاولى على فروع القران وقامت الرسالة الثانية على أصول القران ولن يعود الاسلام الا بالرسالة الثانية (رأجع كتاب الرسالة الثانية من الاسلام وكتاب الاسلام برسالته الاولى لا يصلح لانسانية القرن العشرين) للاستاذ محممود محمد طه فى موقع الفكرة الجمهورية بالانترنت ALFIKRA.ORG بغير ذلك سوف تضيع زمنك وزمن الاخرين ولن تصلوا الى أى نتيجة حتى قيام الساعة ( بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يحيون سنتى بعد اندسارها -الحديث ) سيعود الاسلام (بفهم جديد وغريب ) وهو فهم أنه (رسالتين)فى رسالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..