
لا تتشكل الظواهر السياسية والاجتماعية الكبيرة دفعة واحدة، وإنما تتكون عبر تراكم طويل من الأفكار والمواقف والتجارب التي تتحول مع الزمن إلى أنماط مستقرة في الوعي العام. ومن هذا المنظور يمكن فهم «دارفورفوبيا» باعتبارها ظاهرة تتجاوز حدود الموقف من إقليم أو جماعة، لتصبح جزءاً من بنية الوعي السياسي السوداني وطريقة النظر إلى علاقة المركز بالأطراف.
فالخوف من دارفور لا يظهر دائماً في صورة عداء مباشر أو خطاب صريح ضد أهلها. وفي كثير من الأحيان يتخذ صورة أكثر هدوءاً وأشد تأثيراً، تبدأ من إنتاج صورة ذهنية تختزل الإقليم في الحرب والفقر والنزاع والقبيلة، ثم تنتقل هذه الصورة تدريجياً إلى الموقف من الإنسان الدارفوري نفسه، فتغدو صفته الجغرافية أو الاجتماعية عاملاً سابقاً على النظر إلى كفاءته أو أفكاره أو موقعه في المجتمع.
وهنا تنتقل الظاهرة من مجرد صورة نمطية إلى آلية لإعادة إنتاج الواقع.
ظل السودان منذ الاستقلال يعيش اختلالاً واضحاً في توزيع السلطة والثروة والنفوذ بين أقاليمه ومكوناته. ولم يكن هذا الاختلال مجرد نتيجة مؤقتة لسياسات حكومات متعاقبة، بل تحول مع مرور العقود إلى بنية سياسية واجتماعية لها مصالحها ومراكز نفوذها وآلياتها الخاصة في المحافظة على نفسها. وفي مثل هذه البنية يصبح صعود الأطراف أكثر من مجرد تطور طبيعي في المجتمع؛ لأنه يعني بالضرورة إعادة توزيع بعض مساحات النفوذ التي ظلت مستقرة زمناً طويلاً.
ومن هنا يمكن قراءة جانب أساسي من «دارفورفوبيا».
فدارفور ليست مجرد إقليم جغرافي واسع، وإنما تمثل كتلة بشرية وتاريخية وسياسية كبيرة، لها تجربة سلطانية عميقة، ولها حضور متنامٍ في مؤسسات الدولة والحياة السياسية والاجتماعية. وكلما اتسع هذا الحضور، أصبح من الطبيعي أن تتغير بعض موازين القوة داخل الدولة السودانية. لكن التغيير الذي يبدو طبيعياً في مجتمع يقوم على المساواة قد يبدو مهدداً في بيئة اعتادت اختلالاً معيناً في توزيع النفوذ.
وهكذا يتحول صعود الهامش من حق طبيعي إلى مصدر قلق.
وتتسع هذه الحالة عندما تُربط دارفور في الوعي العام بصورة واحدة لا تتجاوز أزمات الحرب والنزوح والفقر والصراع القبلي. فهذه الأزمات موجودة ولا يمكن إنكارها، لكنها لا تختصر تاريخ الإقليم ولا شخصيته الاجتماعية ولا إسهاماته في تكوين السودان. وحين يتحول الاستثناء إلى تعريف دائم، تصبح الأزمة جزءاً من الهوية المصطنعة، ويصبح من السهل التعامل مع الإقليم باعتباره مشكلة تحتاج إلى إدارة واحتواء، بدلاً من النظر إليه باعتباره أحد مكونات الدولة التي تحتاج إلى عدالة ومشاركة متساوية.
وهنا تعمل الصورة النمطية كأداة سياسية من دون أن تبدو كذلك.
فالصورة التي تُنتج عن جماعة ما تؤثر في الطريقة التي يُستقبل بها حضورها العام. وكلما تكررت صورة معينة، أصبح من السهل تفسير الأحداث الجديدة من خلالها. فإذا ظهر دارفوري في موقع سياسي أو عسكري أو إداري مؤثر، أمكن تفسير حضوره باعتباره امتداداً لمشكلة أوسع، بينما يُقرأ حضور الشخص نفسه من منطقة أخرى في إطار الكفاءة أو الطموح أو التنافس السياسي الطبيعي.
بهذه الطريقة يصبح الانتماء السابق على الفعل، وتصبح الهوية الجغرافية معياراً غير معلن للحكم على الشخص.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما ينتقل هذا النمط من التفكير من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي. فالنخب التي اعتادت امتلاك مساحة واسعة من التأثير لا تتعامل دائماً بسهولة مع ظهور قوى جديدة تعيد ترتيب المشهد. وفي هذه الحالة يمكن أن يتحول الخوف من فقدان النفوذ إلى خطاب يبرر المحافظة على الوضع القديم، ويمنح الامتيازات التاريخية مظهراً من مظاهر الاستقرار، بينما يصور التغيير باعتباره تهديداً للدولة.
وهنا تصبح «دارفورفوبيا» جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها.
إن المشكلة لا تكمن في أن دارفور تتقدم، وإنما في أن التقدم السياسي والاجتماعي لبعض مكونات البلاد ظل يُقرأ أحياناً باعتباره انتقالاً للنفوذ من جماعة إلى أخرى، بدلاً من أن يُنظر إليه باعتباره توسعاً في قاعدة المشاركة الوطنية. وهذه طريقة تفكير تعكس ضعف مفهوم المواطنة السياسية، لأن الدولة التي تقوم على المساواة لا تعرف صعود جماعة على حساب جماعة، وإنما تعرف اتساع دائرة المشاركة.
ومن هنا يصبح تاريخ دارفور حاضراً في هذه المعادلة.
فاستعادة الذاكرة التاريخية ليست مجرد احتفاء بالماضي، وإنما هي استعادة لموقع اجتماعي وسياسي جرى اختزاله طويلاً في صورة الهامش. وتاريخ سلطنة الفور والداجو والتنحر والمساليت وغيرها من الكيانات التاريخية في دارفور يمثل جزءاً أصيلاً من التاريخ السوداني، مثلما تمثل تجارب بقية الأقاليم أجزاء أخرى من هذا التاريخ. غير أن التنافس على الرواية التاريخية يمكن أن يتحول إلى امتداد للصراع السياسي عندما يُستخدم التاريخ لإثبات أحقية جماعة ونفي أحقية أخرى.
والوعي الوطني السليم لا يحتاج إلى هذه الثنائية.
فالتاريخ السوداني ليس ملكاً لإقليم واحد، ولا ينبغي أن يتحول الاعتراف بتاريخ دارفور إلى خصومة مع تاريخ الآخرين. المشكلة تبدأ عندما يصبح تاريخ بعض المكونات مصدراً للشرعية، بينما يُطلب من مكونات أخرى أن تتعامل مع تاريخها باعتباره هامشياً أو ثانوياً.
وهنا تبرز «دارفورفوبيا» في صورتها الأكثر عمقاً؛ باعتبارها ليست مجرد موقف من حاضر دارفور، وإنما خوفاً من استعادة دارفور لفاعليتها التاريخية والسياسية داخل السودان.
ومع استمرار هذا النمط من التفكير، تتحول الصورة الذهنية إلى ممارسة، والممارسة إلى إقصاء، والإقصاء إلى مقاومة، ثم تُستخدم المقاومة نفسها دليلاً إضافياً على صحة الصورة التي بدأت بها العملية. وهكذا تدخل الدولة في دائرة مغلقة تعيد فيها إنتاج أسباب أزماتها، ثم تتعامل مع نتائج تلك الأزمات باعتبارها مشكلات منفصلة عن أصلها.
هذه الدائرة تفسر جانباً من استمرار الأزمة السودانية عبر عقود طويلة.
فالتهميش لا ينتج فقط ضعف التنمية والخدمات، وإنما ينتج أيضاً شعوراً متراكماً بعدم العدالة. وعندما يترافق ذلك مع خطاب يقلل من قيمة الإقليم أو يشكك في أهليته السياسية، يصبح الصراع أكثر من مجرد خلاف على الموارد؛ ويتحول إلى صراع حول الاعتراف والمكانة والحق في المشاركة.
ومن هنا فإن «دارفورفوبيا» ليست قضية تخص دارفور وحدها. إنها نافذة تكشف خللاً في بنية الدولة السودانية وفي الطريقة التي تشكلت بها علاقة المركز بالأطراف. وكلما أصبح صعود أي طرف مصدر خوف على امتيازات طرف آخر، ظل السودان أسيراً لمنطق قديم يقوم على توزيع النفوذ لا على توسيع المشاركة.
إن تجاوز هذه الظاهرة لا يحتاج إلى خطاب مضاد يقوم على صناعة خوف جديد من المركز، ولا إلى تحويل دارفور إلى كتلة سياسية مغلقة في مواجهة بقية السودان. المطلوب هو تفكيك المنطق الذي يجعل الجغرافيا معياراً ضمنياً للأهلية السياسية، ويجعل بعض مناطق البلاد أقرب إلى مركز القرار بحكم التاريخ، بينما تحتاج مناطق أخرى إلى إثبات أحقيتها في المشاركة.
عندها فقط يمكن أن يتحول صعود دارفور من مصدر قلق إلى جزء طبيعي من حركة المجتمع السوداني.
فالدولة المستقرة لا تخشى تغير موازين المشاركة، لأنها لا تبني شرعيتها على احتكار النفوذ. والمجتمع المتوازن لا يرى تقدم أبنائه من أي إقليم باعتباره خسارة للآخرين، لأن المكسب الحقيقي فيه هو اتساع دائرة المشاركة الوطنية.
وفي هذا المعنى، فإن «دارفورفوبيا» تكشف أزمة أعمق من مجرد موقف سلبي تجاه دارفور. إنها تكشف صعوبة الانتقال من سودان تشكلت فيه مراكز القوة على أساس تاريخي غير متوازن، إلى سودان تصبح فيه المواطنة هي الأساس، والكفاءة معياراً، والمشاركة حقاً عاماً لا امتيازاً تمنحه موازين القوة.
ولذلك فإن تفكيك «دارفورفوبيا» ليس دفاعاً عن دارفور بقدر ما هو محاولة لفهم أحد العوائق التي تقف أمام إعادة تأسيس الدولة السودانية.
فكلما تحرر الوعي السوداني من الخوف من صعود الآخر، اقترب السودان من الدولة التي لا يكون فيها صعود إقليم انتصاراً على إقليم، ولا مشاركة جماعة تهديداً لجماعة، وإنما يكون الجميع شركاء في وطن واحد تتسع فيه السلطة بقدر اتساع المواطنة.
تحياتي



