مقالات وآراء

الإخوان والدولة: حين يتآكل البيت من الداخل

دكتور الوليد آدم مادبو

ليست أخطر الصراعات تلك التي تُخاض على تخوم الدولة، ولا تلك التي تُدار في ساحات الإعلام أو على موائد السياسة الصاخبة، بل الصراع الذي يستقر في قلب السلطة نفسها، ويتسلل إلى مفاصل الحكم باسم الدعوة حينًا، وباسم النصح الأمين حينًا آخر. ذلك هو الصراع الصامت بين منطق الدولة الحديثة ومنطق الجماعة العقائدية؛ بين الليبرالية بوصفها تصورًا للحكم يقوم على العقد والمؤسسة، وبين الإخوانية بوصفها مشروعًا كليانيًا لا يرى في الدولة إلا مرحلة عابرة.

منذ هوبز، تعلّمنا أن الدولة وُجدت لتضع حدًا لحرب الجميع ضد الجميع، وأن السيادة لا تحتمل ازدواجية الولاء. ومنذ هيغل، أدركنا أن الدولة ليست جهازًا إداريًا محايدًا، بل تجلٍّ للأخلاق الموضوعية، أي الإطار الأعلى الذي يسمو على المصالح الخاصة والانتماءات الضيقة. وهنا تحديدًا يبدأ التناقض الجوهري مع تنظيمٍ عابرٍ للحدود، لا يعترف بالوطن إلا بوصفه محطة، ولا يرى في السيادة إلا قناعًا يمكن خلعه متى تعارض مع “المشروع”.

الإخوان لا يقتحمون الأبواب؛ هم يحبذون التسلل خُفية. يدخلون البيوت بخفةٍ تحسد عليها العِثّة (الأرضة)، لا تُحدث صوتًا، ولا تترك أثرًا ظاهرًا، لكنها تبدأ بالقواعد: في التعليم، في القضاء، في الدبلوماسية، في الخطاب الديني، في الجمعيات الخيرية، في الاستشارات الدولية، في “النصح الأمين” الذي يتحول تدريجيًا إلى وصاية. وحين ينهار السقف، يكون الجميع قد تأخر عن السؤال: متى بدأ التآكل؟

ولعل أخطر ما في التنظيم الإخواني – كما تنبّهت حنّة آرنت في تحليلها للحركات الشمولية – هو قدرته على تحويل السياسة إلى عقيدة، والعقيدة إلى طاعة، والطاعة إلى فضيلة. فحين تصبح الجماعة معيار الحق، لا يعود الانقلاب جريمة، بل “ضرورة”، ولا يعود العنف انحرافًا، بل احتمالًا كامنًا ينتظر اختلال التوازنات الإقليمية أو الدولية.

وإذا ما مالت الكفة، يومًا في دولة ما، لصالح التيار الليبرالي، لا بوصفه ترفًا فكريًا بل خيار بقاء، فإن الإسلاميين – وفق منطقهم التاريخي – لن يخرجوا خروج المهزومين النبلاء، بل سيجربون القفز على الدولة نفسها. وتلك، paradoxically، ستكون نهايتهم؛ لأن الدولة التي تُختبر في وجودها، تستفيق أخيرًا على حقيقة من ظنتهم حلفاء.

حتى الآن، قد لا تكون الصورة كاملة، وقد لا يكون إدراك حجم التغلغل قد بلغ مداه. غير أن التاريخ، كما قال سانتيانا، يعاقب من لا يتعلم منه بتكراره. سيأتي يوم تدرك فيه الدول التي تحسن استضافتهم، بل وتستغلهم في محاولة لإرباك المشهد السياسي في بلاد مثل ليبيا والسودان والصومال، ما ظلّ العقلاء يحذّرون منه: أن الإسلام السياسي لا يعيش إلا في المناطق الرمادية، وأن وضوح الدولة هو عدوّه الأول.

وليس من باب التمنّي ولا من قبيل النبوءة المجانية القول إن ميزان الدولة مرشّح، بحكم الضرورة لا الرغبة، للانقلاب على التيار الإسلامي ذاته، لصالح التيار الليبرالي. فالمتغيرات الإقليمية والدولية لم تعد تسمح بازدواج الخطاب، ولا تكافئ الدول التي تظل أسيرة رهانات أيديولوجية فقدت صلاحيتها التاريخية.

إن الاستمرار في الارتهان لتنظيمات عقائدية عابرة للحدود، في عالمٍ يُعاد فيه تعريف التحالفات ومصادر القوة، لا يفضي إلا إلى إضعاف الدور السياسي والاقتصادي للدولة، خليجيًا وإقليميًا ودوليًا. أما اغتنام لحظة التحول، والانحياز الواعي لمنطق الدولة الوطنية، والعقل المؤسسي، والاعتدال السياسي، فليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرط بقاء في نظام دولي لا يرحم المترددين.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة: الدول لا تُدمَّر عادةً بفعل أعدائها، بل بسوء تقديرها لحلفائها المؤقتين. وكل دولة تتسامح مع ازدواجية الولاء، أو تتوهم أن التنظيمات العقائدية يمكن ترويضها بعقل الدولة، إنما تُعيد إنتاج وهمٍ قديم صدّقه ملوك وسلاطين وجمهوريات: أن من لا يؤمن بالدولة يمكن أن يحرسها. والتاريخ، في هذا الباب، لا يرحم السذّج ولا يُجامل الحالمين.

وسيأتي ذلك اليوم – كما جاءت أيام قبله – لا بفعل مؤامرة، بل بحكم منطق الأشياء الذي لا يخالف نفسه طويلًا. يومها سيفهم رجل الدولة أن الإفساد الحقيقي لا يكون بالصخب، بل بالهمس؛ لا بالمعارضة العلنية، بل بالتموضع داخل الحكم؛ ولا بالهدم الصريح، بل بأكل الأساس حتى ينهار السقف فجأة.

وعندها فقط، يغدو السقوط درسًا لا مأساة، وتتحقق تلك الحكمة القاسية التي تتكرر في كتب السياسة كما في كتب الأخلاق: أن من يعبث بأساس الدولة، مهما طال به الزمن، لا يورث إلا خرابًا… وأن الدول التي تتأخر في الفهم، تُسرع في الدفع.

December 20, 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..