السوق والعيد والمدارس ..قوة ثلاثية للإبادة

على خلفية الزيادات التي طرأت على كثير ان لم نقل جل الخدمات والسلع في رمضان والعيد الذي على الأبواب ، مضاف اليها المبالغ المهولة التي فرضتها المدارس الخاصة كرسوم دراسية ، والتي تسببت ثلاثتها في إبادة ميزانية الأسرة على رأي الاعلان الذي كان يروج لمبيد حشري بأنه ذو قوة ثلاثية للإبادة ، عنّت لي هذه الحكايات..
اصطاد رجل سمكة، «صفّق» طويلاً تعبيراً عن سعادته بصيده، وطار مسرعاً إلى زوجته وهو يمني نفسه بوجبة هنية وشهية، ويظن أن زوجته كذلك ستكبّر وتهلّل من الفرح بهذا الإنجاز، ولكنها للأسف قابلت حماسته الطاغية ببرود «إنجليزي» محبط، عندما رأته يلوّح بالسمكة وهو يرقص ويقفز إلى أعلى ويتمايل يمنةً ويسرةً، ويهز فوق رأسها بالسمكة، لم يكترث لمرأى زوجته اللامبالي واعتبر أن أمرها ليس سوى «صدمة» من هول المفاجأة، تجاوز المشهد سريعاً وهو ما يزال على فرحته، طالباً من الزوجة أن «تقلي» السمكة، قالت الزوجة وقد ازدادت بروداً: آسفة لا يوجد بالبيت زيت، قال الزوج ولم يكن قد فقد حماسته بعد، إذن أشويها، ومرة أخرى تعتذر الزوجة لعدم وجود «شواية»، قال الزوج وقد فارقته نصف حماسته، هو السلق دون شك، أسلقيها وأمرنا لله، ولكن إذا بالزوجة تصفعه للمرة الثالثة، وهل تجهل أننا لا نملك غازاً منذ أن نفد آخر ما ابتعناه بعد الزيادات الأخيرة، وهنا أسقط في يد الرجل فعاد أدراجه وهو يجرجر أذيال الخيبة منكس الرأس كسير الخاطر، وألقى بالسمكة في النهر، ولم يكد الماء يلامس رأس السمكة حتى صرخت بأعلى صوتها هاتفة «تعيش الحكومة، تعيش الحكومة..».. هذا سيناريو «مسودن» ? عن قصة قصيرة للكاتب التركي الساخر عزيز نيسين، أرجو ألا تكون هذه «السودنة» من جانبنا قد أفسدت قصة هذا المبدع..
في قوانين لعبة الملاكمة، حينما يسقط أحد الملاكمين أرضاً بالضربة القاضية، يكف الملاكم الآخر عن الضرب ويتجه إلى إحدى زوايا الحلبة، يسترخي عليها كي يتيح الفرصة للحكم أن يبدأ العد من واحد إلى ثمانية، فإن نهض الملاكم المضروب قبل اكتمال العد تستأنف المباراة، وإلا تعتبر المباراة منتهية ويعلن الحكم فوز الملاكم صاحب الضربة القاضية، ولعل هذا هو بالضبط حال المواطن السوداني الآن، دخل منذ فترة في مباراة ملاكمة شرسة مع الغلاء وارتفاع الأسعار منذ دخول رمضان أسقطته أرضاً، ولكنه رغم ذلك تحامل على نفسه وحاول النهوض، ولكن للدهشة إذا بالمدارس توجه له ضربة أقسى أسقطته مجدداً، ولا يُعلم حتى الآن ما إذا كان سيستطيع النهوض، أم أن نتيجة المباراة ستعلن لصالح الغلاء والرسوم الغالية .. قال مكتوٍ بنار الغلاء أكثر من كونه شاعراً:
يسقط الكفاح وتسقط العزيمة، وتسقط كل حاجة جديدة وقديمة وتعيش الحكومة، يسقط اللي رايح واللي جاي، يسقط اللي حاول يوم يولّع أي ضي، يسقط اللي ميت واللي حي وتعيش الحكومة، يسقط الأمل ويسقط كمان قمر الطريق لو اكتمل، يسقط اللي حارب للخلاص المحتمل وتعيش الحكومة، تسقط إنت وهو وأنا وكل لحظة عاوزة تبقى حلوة في عمرنا، وتسقط الشفايف اللي نادت بحلمنا وتعيش تعيش الحكومة.
الصحافة



