سماءٌ ملغومةٌ بالموت “المسيّرات” وتكتيكات “الأرض المحروقة” في حرب السودان

محمد صالح محمد
في غمرة النزاع الدامي الذي يمزق أوصال الدولة السودانية تحولت السماء التي كانت يوماً ملاذاً للسحب والآمال إلى منصة للإعدام العشوائي. لم يعد الموت في السودان يأتي زحفاً عبر الخنادق أو مواجهةً في ميادين القتال التقليدية فحسب بل بات يهبط من علٍ بصمتٍ مطبق محمولاً على أجنحة “طائرات مسيرة” (Drones) لا تفرق بين ثكنة عسكرية وغرفة عمليات جراحية.
إن تصاعد وتيرة استخدام الطيران المسير في النزاع السوداني الحالي لم يعد مجرد تطور تقني في إدارة المعارك بل استحال إلى “سياسة ممنهجة” لإدارة الرعب حيث أصبحت المنشآت الطبية والأحياء السكنية أهدافاً مشروعة في قاموس القوى المتصارعة ما يضعنا أمام تساؤلات أخلاقية وقانونية مريرة حول جدوى القوانين الدولية الإنسانية في زمن “الحروب الذكية”.
مجزرة “الجبلين”عندما يغتال الضجيج التقني سكون الاستشفاء
لم تكن الفاجعة التي حلت بـ مستشفى الجبلين مؤخراً مجرد “خطأ تقني” أو “أضرار جانبية” بل كانت تجسيداً صارخاً لانتهاك حرمة المرافق المدنية. إن استهداف مشفى يكتظ بالجرحى والنازحين الفارين من جحيم المعارك يعكس عقلية عسكرية تعتبر “تحييد الخصم” هدفاً يعلو فوق اعتبارات الكرامة البشرية.
هذا الهجوم لم يكن الأول من نوعه ولن يكون الأخير في ظل غياب المساءلة الدولية فقبل “الجبلين” شهدنا المأساة ذاتها في مستشفى الضعين حيث تحولت أروقة الاستشفاء إلى ساحات للدمار وتطايرت أجساد المرضى الذين جاءوا بحثاً عن الحياة ليرحلوا تحت أنقاض المباني التي قصفتها المسيرات بدم بارد.
المسيرات سلاح “العمى الأخلاقي”
إن توظيف الطيران المسير في الحرب السودانية يتجاوز كونه تفوقاً جوياً؛ إنه يمثل “الخصخصة التقنية للموت” فهذه الطائرات التي يتم التحكم بها عن بعد تمنح المهاجم قدرة على القتل دون الشعور بوطأة المواجهة المباشرة مما يقلل من “الحاجز النفسي” للجريمة.
الاستهداف الممنهج رصد المراقبون أن استهداف المستشفيات (كما في الضعين والجبلين) يهدف إلى كسر الإرادة الشعبية وتجفيف منابع الحياة في مناطق سيطرة الطرف الآخر.
إستراتيجية التهجير : يعمل القصف الجوي المستمر للمناطق المدنية كمحفز قسري للنزوح مما يؤدي إلى تغييرات ديموغرافية قسرية تخدم أجندات سياسية طويلة الأمد.
الإفلات من العقاب: توفر تكنولوجيا المسيرات نوعاً من الغموض حول “الجهة المنفذة” في بعض الأحيان مما يعقد عمليات التحقيق الجنائي الدولي.
تآكل السيادة والارتهان للخارج
لا يمكن فصل “حمى المسيرات” في السودان عن السياق الإقليمي والدولي فالسودان بات مسرحاً لتجريب الأسلحة الفتاكة القادمة من خلف الحدود. إن تدفق هذه التقنيات لشركاء النزاع يؤكد أن الأزمة السودانية لم تعد شأناً داخلياً بل تحولت إلى “حرب بالوكالة” تُستخدم فيها أحدث تقنيات الفتك لتصفية حسابات جيوسياسية على حساب الدم السوداني المسفوح.
إن صمت المجتمع الدولي حيال قصف مستشفيات الجبلين والضعين يرسل رسالة سلبية مفادها أن “الاستثناء السوداني” يسمح بتجاوز الخطوط الحمراء فالمستشفى في العرف الدولي هو “ملاذ آمن” (Safe Haven) واستهدافه يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان لا تسقط بالتقادم.
نحو أفق مسدود أم صحوة ضمير؟
إن ما يحدث في السودان اليوم هو “هولوكوست صامت” تقوده التكنولوجيا. إن حصد أرواح الأبرياء بآلات لا تملك عيوناً لترى الدموع ولا قلوباً لتسمع الأنين يضع الضمير العالمي على المحك.
إن وقف نزيف الدم في السودان يبدأ من السماء؛ بفرض حظر حقيقي على تدفق المسيرات وتفعيل آليات المراقبة الدولية واعتبار استهداف المستشفيات – كالجبلين والضعين – نقطة تحول تستوجب ملاحقة الجناة أمام المحاكم الدولية.
فالسودانيون لا يسألون اليوم عن “من سينتصر في الحرب” بل يسألون”من سيتبقى ليعيش في وطنٍ بات الموت فيه يهبط من سحابة عابرة؟”
محمد صالح محمد



