
في مساء يوم الإثنين السابع والعشرين من يوليو 2026، ذهبت مع أسرتي إلى دار عرض تراينون بمدينة لايدن الهولندية لمشاهدة فيلم الأوديسة للمخرج البريطاني الأمريكي السير كريستوفر نولان . وقد جاء الفيلم ملحمياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى ؛ ثلاث ساعات كاملة مرّت دون أن يشعر المرء بمرور الزمن، بفضل الحبكة المستوحاة من الأسطورة اليونانية ، والإخراج البصري المُذهل ، والأداء التمثيلي الرفيع.
شارك في الفيلم عدد من أبرز نجوم السينما، يتقدمهم مات ديمون ، الذي لفت انتباهي بأدائه المتميز ، و بالرغم من شهرته في سينما الجاسوسية كما في ثلاثية بورن ، فإن دوره الحالي من حيث عمق الأداء و تركيب الشخصية أقرب إلى دوره في فيلم غود ويل هنتنغ إلى جانب المبدع الراحل روبن ويليامز ، حيث جسّد شخصية شاب بالغ الذكاء يعاني في الوقت نفسه من صراعات نفسية عميقة.
كما أضافت آن هاثاواي حضوراً فنياً راقياً بتجسيدها شخصية بينيلوبي ، زوجة أوديسيوس الوفيّة ، بينما قدّم البريطاني توم هولاند أداءً ناضجاً جعله يبدو بعيداً عن شخصيته الشهيرة في أفلام الرجل العنكبوت. وأبدع روبرت باتينسون في تجسيد شخصية شريرة مركبة مقارنة بأدواره الرومانسية السابقة ، فيما أدت الجنوب أفريقية تشارليز ثيرون دور كاليبسو الأسطورية بإتقان بديع ، وقدمت الممثلة الشابة زيندايا شخصية أثينا بحضور أنيق.
ومن اللمسات الإخراجية اللافتة اختيار كريستوفر نولان للممثلة الأمريكية ذات الجذور الكينية لوبيتا نيونغو لتجسيد شخصية هيلين الطروادية وشقيقتها في آن واحد ، في كسر واضح للصورة النمطية التي رسختها الأعمال السينمائية السابقة ، خصوصاً عند مقارنتها بتجسيد الممثلة الألمانية دايان كروغر لشخصية هيلين في فيلم طروادة عام 2004، إلى جانب الممثل المتفرد براد بيت.
دار عرض تراينون، وهي إحدى أعرق دور السينما في مدينة لايدن التاريخية، ممتلئة بما يقارب ثلاثمائة مشاهد. وتقع هذه السينما في شارع بريه سترات ، أحد أهم الشوارع التجارية في المدينة ، حيث يمتزج عبق التاريخ بالحياة الحديثة في تناغم لافت.
وكما هي العادة في دور السينما الهولندية عند عرض الأفلام الطويلة ، توقف العرض بعد منتصف الفيلم لاستراحة مدتها عشر دقائق ، أتيحت خلالها الفرصة لشراء المشروبات والفشار واستخدام دورات المياه. وقد بدا المشهد طريفاً ، إذ اندفع الجميع دفعة واحدة نحو الحمامات ، على النقيض من استراحات شرب الماء التي استحدثها الاتحاد الدولي لكرة القدم خلال البطولات الكبرى حفاظاً على تروية اللاعبين!
غير أن أكثر ما استوقفني بجانب الفيلم نفسه ، ما حدث بعد نهايته.
فقد وضع موظفو السينما صناديق فارغة عند مخرج القاعة ليضع المشاهدون فيها عبوات المشروبات الغازية. وما إن انتهى العرض حتى بدأ الجميع، بصورة تلقائية ودون أي توجيه، بوضع العبوات في أماكنها المخصصة، كما رتّبوا علب الفشار الفارغة بعضها فوق بعض بطريقة منظمة. وعندما التفتُّ إلى القاعة بعد خروج الحضور، لم أجد تقريباً أي مخلفات أو بقايا طعام، رغم وجود مئات الأشخاص فيها قبل دقائق قليلة.
حينها عادت إلى ذاكرتي صور الجماهير اليابانية في كأس العالم قطر 2022 ، وهي تنظف المدرجات بعد انتهاء المباريات، في مشهد أصبح رمزاً عالمياً للتحضر والانضباط.
وأدركت مرة أخرى أن الفارق الحقيقي بين الأمم لا يكمن في وفرة الموارد أو ضخامة الميزانيات فحسب، وإنما في السلوك اليومي للمواطنين ، وفي احترامهم للمكان العام، وفي قدرتهم على تحويل النظام إلى ممارسة تلقائية لا تحتاج إلى رقابة.
ولمدينة لايدن مكانة خاصة في نفسي ؛ فقد أكملت في جامعتها برنامجاً تدريبياً في طب الأسرة ، وأقمت فيها نحو خمس سنوات ، فأصبحت واحدة من أكثر المدن قرباً إلى قلبي. وهي أيضاً واحدة من أعرق المدن الهولندية، إذ يمتد تاريخها إلى قرون طويلة، وتحتضن جامعة لايدن التي أسسها الأمير ويليام الصامت ، المعروف بالهولندية باسم فيليم دي زفايخر فان أورانيا، عام 1575 ، تقديراً لصمود أهل المدينة أثناء حصارها في حرب الاستقلال ضد إسبانيا. وأصبحت بذلك أقدم جامعة بهولندا.
وتتمتع جامعة لايدن بمكانة علمية مرموقة، خصوصاً في مجالات القانون، والتاريخ ، والعلوم ، واللغويات ، والفلسفة، والطب ، والتكنولوجيا الحيوية. وقد ارتبط بها عدد من الحاصلين على جائزة نوبل والفائزين بجائزة سبينوزا، ولذلك توصف لايدن بحق بأنها مدينة الاكتشافات العلمية.
ورغم أن عدد سكان المدينة لا يتجاوز نحو 127 ألف نسمة، فإن تجمعها الحضري يضم أكثر من 340 ألف نسمة مقسمين بين قرى و مدن صغيرة مجاورة. وتمتاز بقنواتها المائية الجميلة ، وبشبكة واسعة من مسارات الدراجات ذات الأسفلت الأحمر، حتى أصبحت من أكثر المدن الهولندية صداقة للدراجات الهوائية.
كما تُعرف لايدن بأنها مدينة للعلم والثقافة ؛ فقد درس في جامعتها عدد من أفراد الأسرة المالكة الهولندية ، من بينهم الملكة يوليانا ، والملكة بياتريكس ، والملك الحالي فيليم ألكساندر. وأنجبت المدينة عدداً من كبار الفنانين ، يتقدمهم الرسام العالمي رامبرانت فان راين ، إلى جانب الرسّام يان ستين وغيرهما.
وللسودانيين أيضاً صفحة جميلة في تاريخ هذه المدينة ؛ فقد أسسنا بمدينة لايدن في نهاية التسعينيات الجمعية الطبية السودانية بهولندا ، التي توسعت لاحقاً لتصبح الجمعية العلمية السودانية ، بهدف جمع الكفاءات السودانية من مختلف التخصصات. وقد استمرت الجمعية نحو أحد عشر عاماً ، قبل أن تؤثر عليها سلباً هجرة كثير من الكوادر السودانية إلى بلدان أخرى.
كما أسهم بروفيسور الفيزياء الهولندي الراحل مارتن ديريو في الإشراف على عدد من الباحثين السودانيين ومساعدتهم على نيل درجة الدكتوراة ، في تجربة علمية وإنسانية جسدت جانباً مهماً من الروابط الأكاديمية بين السودان وهولندا.
وما بين فيلم ملحمي يستعيد واحدة من أقدم حكايات الإنسان ، ومشهد بسيط لمواطنين يحافظون على نظافة دار سينما ، تتجلى العلاقة العميقة بين الفنون والعلوم والتحضر الإنساني. فالفن لا يرقّي الذائقة الجمالية فحسب ، بل يُسهم أيضاً في ترسيخ قيم احترام الإنسان والمكان.
ولعل هذا هو السر الذي جعل مدناً مثل لايدن، رغم ما مرّت به من حروب وحصارات وكوارث عبر تاريخها ، تستعيد ازدهارها مرة بعد أخرى. فالحجارة يمكن أن يعاد بناؤها ، أما الحضارة فلا ينهض بها إلا الإنسان ؛ فهو محور النهضة وأداتها الأنجع ، ورأس المال الحقيقي للأمم.



