مقالات وآراء

من الشمالية إلى كسلا إلى النيل الأبيض… المعلم السوداني يكتب تاريخ الكرامة

ما يحدث اليوم في ولاية النيل الأبيض ليس مجرد إضراب مهني عابر، وليس مجرد احتجاج محدود على راتب أو استحقاق مالي، وإنما هو فصل جديد من فصول استعادة الكرامة السودانية، يكتبه المعلمون بأقلام الصبر، وبشجاعة الرجال والنساء الذين قرروا أن يقولوا: كفى.
لقد جاءت الوقفة الجسورة لمعلمي ولاية النيل الأبيض امتدادًا طبيعيًا لذلك الوعي العظيم الذي بدأ يتشكل في أنحاء السودان، بعد الوقفة الشجاعة لمعلمي ولاية كسلا، والتجربة الملهمة لمعلمي الولاية الشمالية، الذين أثبتوا أن المعلم السوداني لم يمت، وأن جذوة الكرامة لا تزال مشتعلة رغم كل هذا الخراب.
إن أخطر ما سعت إليه سنوات الحرب والانهيار، هو تحويل الإنسان السوداني إلى كائن خائف، مسحوق، يعتاد الذل ويتعايش مع الإهانة.
لكن المعلمين، في هذه الولايات الثلاث، كسروا هذا الحاجز النفسي الخطير، وأعلنوا أن الحقوق لا تُمنح صدقة، وأن الصمت على الظلم ليس فضيلة.
لقد وقف معلمو الولاية الشمالية أولًا، ففتحوا الباب بشجاعة نادرة، ثم جاء معلمو كسلا ليؤكدوا أن صوت الحق يمكن أن يعلو رغم التخويف والتهديد، وها هم معلمو النيل الأبيض اليوم يرفعون الراية بثبات، وكأن السودان الحقيقي بدأ يستعيد صوته عبر هؤلاء البسطاء العظماء.
وما أعظم دلالة أن يكون المعلم هو من يقود هذا الطريق.
فالمعلم ليس موظفًا عاديًا في أي مجتمع؛ المعلم هو ضمير الأمة.
وحين يجوع المعلم، تُهان المعرفة.
وحين يُذل المعلم، يُذل الوطن كله.
لذلك فإن معركة المعلمين ليست قضية فئة مهنية فحسب، بل هي معركة شعب يريد أن يعيش بكرامة، وأن يبني دولة تحترم الإنسان.
إن هذه الوقفات والإضرابات السلمية الشجاعة تقول بوضوح إن السودان لن ينهض عبر البنادق والهتافات الجوفاء، وإنما سينهض حين يعرف الناس حقوقهم، ويملكون شجاعة المطالبة بها، وينتزعونها بالوعي والتنظيم والصبر.
ولعل أجمل ما في هذه التحركات أنها أعادت إلينا الإيمان بالسوداني العادي؛ ذلك الإنسان البسيط الذي ظن الطغاة أن الحرب والفقر قد كسرا روحه إلى الأبد.
لكن المعلمين أثبتوا أن الشعوب قد تتعب، لكنها لا تموت.
التحية لمعلمات ومعلمي ولاية النيل الأبيض، وهم يكتبون اليوم صفحة مضيئة في تاريخ السودان الحديث.
والتحية قبلها لمعلمي كسلا والشمالية، الذين مهدوا الطريق بشجاعة نادرة.
فالحق لا ينتصر دفعة واحدة، وإنما ينتصر على خطوات الشجعان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..