ما بين الزبير والترابوية واشواق اعادة الجبهة الاسلاموية!!

كل من اطلع علي حديث الزبير احمد الحسن (الامين العام للحركة الاسلامية) الاخير، بمدينة الضعين والمنشور صحفيا. لا اعتقد ان يخالجه الشك في ما ذكرناه سابقا، ان خلف كل قيادي اسلاموي، يربض ترابي صغير بين جنباته. اما مساحة هذه الترابوية، فتتناسب طرديا مع مدي التزام العضو او ايمانه بما يسمي المشروع الاسلاموي، الذي هيأ له الترابي اسباب الوجود والانتشار، لدرجة يصعب الفصل بينهما! بمعني عقلية وسلوكية ودافعية..الخ وبصفة عامة صفات الترابي، هي نفسها ما تنطبق علي المشروع الاسلاموي، وهو ما يمكن اختصاره في ان المشروع الاسلاموي هو الوجه الآخر للترابي، او صورة الترابي في المرآة. والحال كذلك، تصبح الترابوية معيار الاسلاموية، او تجسديها علي ارض الواقع. وهذا ما قد يفسر حالة الاعجاب الشديد، بل والتماهي في اقوال وحركات الترابي، لدرجة يمكن ان يزاح فيها ما يعتبر مرجعية (الدين) عندما يتعارض مع تلك الافعال والاقوال! والمفارقة تصبح صارخة بل لا تحتمل، عندما نعلم ان المشروع الاسلاموي الذي يتبناه الترابي، لا يتعدي كونه استراتيجية سيطرة علي السلطة. اي السلطة هي الغاية الحصرية التي يتوجه اليها جوهر المشروع، وتاليا هي بمثابة عجل السامري (تجسيد المقدس حسيا وتاليا اسغلاله عمليا) إذا ما قاربناها مصحفيا! ولكن من يجرؤ علي وصف الترابي بالسامري، خاصة وهو يؤسس سلطته، علي اخصاء الرشاد، في المنظومة التي تاتمر بامرته. والحال هذه، يتحول الفكر والاجتهاد والتنظيم، وكل المواهب والقدرات بصفة عامة، الي مجرد وسائل داخل هذا المشروع. ومن هنا يصح الطعن في قدرات ونوايا الترابي الفكرية والاجتهادية التجديدية (اللاوعي السلطوي او الرغبة الشبقية في تملك السلطة، تتسرب اليها بطريقة واعية او لاواعية)! وهذا في حال لم يحشره في زمرة الافاكين الضالين، الذي يتوسلون الشعارات الدينية ويستمرئون التلاعب بالمبادئ الانساية، من اجل قنص السلطة بطريقة غير شرعية! وكأن السلطة كما سبق هي إلههم الذي يعبدون! والأسوأ من ذلك، التعامل مع الإله وكانه قاضٍ تحت الطلب يعمل لديهم من خلف ستار، لتمرير طموحاتهم المريضة وتبرير المفاسد والانتهاكات، كآليات سيطرة واخضاع! الشئ الذي يجعل الالحاد اكثر اخلاقية وصدقية، من هكذا مشاريع تستمرئ التلاعب بالمقدسات. ويا لها من مفارقة تثير السخرية، عندما تصبح المشاريع الدينية، اكبر حافز للنزعات الالحادية؟! وهو ما يجعل اكبر خدمة تقدمها هذه المشاريع (التشويهية) للدين، هي تركه في حاله، ليؤدي وظيفته المتعلقة بمعني الوجود. بمعني الا يتخطي دوره الفضاء الذاتي، والتفاعل الاجتماعي الطوعي. وبكلمة واحدة، تحرير الدين من سلطة الفقهاء (الكهان)، واستغلال (القادة الدينين) في طموحاتهم السياسية.
واستدراكا، وقبل ان نبارح جزئية الترابي كمفكر او مجتهد مجدد، تجدر الاشارة الي اشكالية اساسية تتعلق بافكار واجتهاد وتجديد الترابي وامثاله، وهي ان المشكلة الحقيقية لا تتصل بهذه الافكار فقط، ولكن قبل ذلك في المنظور الفكري الذي ينطلقون منه! اي محاولة الربط التعسفية بين الحداثة والتقليد، رغم اختلاف السياقات! بمعني الحداثة هي خلاصة تجارب تجاوزت التقليد (اللاهوت الديني) كمرجعية، سواء لجهة شرعية السلطة او تدبير شؤون الدولة. في حين ان الترابي وامثاله يجتهدون لعكس الآية، اي منح المرجعية للتراث الديني ، ومن ثم تشييد الحداثة علي هذا الاساس! اي ما يمكن تشبيهه بالحداثة التي تمشي علي راسها وتفكر برجليها، او نفي الحداثة وغربتها (بقطع جذورها او انكار نسبها) او اقلاه السعي نحو سراب الحداثة في الصحراء! وهو ما يفضي تاليا، ليس للتلفيق الذي يسمي تجديد، ولكن افراغ الحداثة من مضمونها، قبل ان يُحمل الدين فوق طاقته، بجعله مطية للتلاعب والاستغلال. وعلي العموم، من اراد تاسيس سلطة او دولة علي اسس حديثة، عليه ان يدخل البيوت من ابوابها (ولا يمارس مراهقة فكرية بالتلصص عليها من خلال الشبابيك، ليمتع ناظريه بمفاتنها، ما يبيح تنسيبها للافكار الاباحية التي تنشغل باشباع الغرائز! والمقصود الاهتمام بمظاهر الحداثة علي حساب مضمونها). اي عليه تبني النهج العلماني بصورة صريحة وعن قناعة. وكذلك من اراد تاسيس دولة علي اساس ديني، ومنح سلطته مسوغ شرعي، فعليه ايضا ان يسلك الدرب الصحيح. اي اعادة (الدولة) الدينية بمواصفات القرون الوسطي! والحال كذلك، نجد داعش والقاعدة اكثر اخلاص والتزام بنموذج الدولة الدينية، من تيار الاخوان المسلمين، الذي يحاول حشر الدين في معمعان السياسة، لينتج لنا هجين مشوه، لا يطال عنب الحداثة ولا بلح الدين، وهذا عندما لا يبث الفتنة في المجتمع، ويعمل علي تفكيك عري الدولة بنهجه الاممي. والحال هذه، ليس هنالك فكر او اجتهاد او تجديد كما يشاع، وان اتخذ الفاظ هذه المسميات ورسمها! وعليه، اصحابها ليس مفكرون ومجتهدون ومجددون، ولكنهم علي احسن الفروض مرضي او مازومين، وليس مصادفة ان ينقلوا امراضهم وازماتهم، الي الدول والمجتمعات التي تقع تحت سيطرتهم.
ولكن السؤال كيف اضرت الترابوية بالدولة والمجتمع، والمشروع الاسلاموي ذاته، اذا صح ان هنالك مشروع من هذه الشاكلة؟
اول ما يلحظ علي الترابوية (حالة استلاب او انبهار بالترابي، وتاليا اتباع كل اقواله وافعاله من غير تساؤل ناهيك عن الاعتراض!) هو، فك الارتباط بين القيم والدين (او تجريده من اخلاقياته)، ومن ثمَّ التوظيف الاداتي للآيات والاحاديث. وهذا ما يدفع للخلط بين التاريخي واللاتاريخي في الدين، اي ما يستحق التقديس وما يستوجب المراجعة ليتم التكيُّف مع الواقع، او ما يفرضه الواقع من اكراهات عند انزال المقدس عليه. وهذا اذا كانت هنالك حاجة اصلا لكل هذه الجهود، اي إذا افترضنا صدق نوايا اصحاب هذه الجهود. المهم، كمثال بسيط علي تلاعب الترابوية، نرجع لما عاصرناه علي عهد الطلبة وسطوة الترابي المطلقة، واقصد قضية الجهاد في الجنوب التي اكثرت من تناولها بحكم مأساويتها، وهي القضية التي تم فيها استغلال يفاعة وحماسة الطلبة، وحاجتهم لمثال او نموذج، يمنح الهدوء، لاضطرابات وقلق تلك المرحلة. لتعمل عندها ماكينة الغسيل الترابوية، علي مسخهم بالشعارات الدينية، ليتحولوا بعدها الي آلات حربية، وذلك عبر شيطنة الاعداء (اخوان الوطن)، وتقسيم العالم والدول الكبري تحديدا الي دار كفر (رغم التعامل والتواصل في الخفاء بين القادة من كلا الجانبين). المهم، بعد اكتمال الشحن الديني، وارسال اولئك الطلبة الاغرار الي جحيم الحرب (فيهم زملاء دراسة، ما زلنا نذكرهم ونتاسف علي رحيلهم بتلك الكيفية الانتحارية، ونستعجب من ايمانهم وقناعتهم بكل ذاك الهراء والهوس، ناهيك عن تعاطفنا مع الضحايا في الطرف الآخر)، نجد ان الترابي واتباعه من الترابويين، وبمن فيهم من يدَّعون معارضة الانقاذ اليوم، كحسين خوجلي او ينكرون كوزنتهم كسبدرات او مهاويس كاسحاق فضل الله، وغيرهم من الملاعين. كانوا بعد ان يؤدوا واجبهم في ارسال تلك الجحافل الي الجبهات، ياوون الي مناصبهم وتجارتهم ومخادعهم في حضن زوجاتهم وبين اطفالهم، لا يلوون علي شئ! اي بدلا ان يتقدموا الصفوف الي ساحات الجهاد، الذي يبشرون بالجنة كعاقبة له، نجدهم اتخذوا من اولئك الطلبة اليافعين، دروع لحماية مصالحهم وتعظيم منافعهم الذاتية. فهل بعد ذلك يحق لنا تصديق انتسابهم للدين او القيم الانسانية، باي شكل من الاشكال؟ مع العلم ان هذه الجرائم والموبقات لا تسقط بالتقادم ولا حتي الاعتذار، ولكن بالاعتراف ورد الحقوق والاعتبار للضحايا والمجتمع اي المصالحة في الحد الادني، والمحاسبة والقصاص في الحد الاقصي. والسبب ان هنالك اسر فقدت ابناءها، واقليم احرق بالكامل، اضافة الي ان عاقبة ذلك، ما زالت تلقي بآثارها التدميرية شمالا وجنوبا.
والملاحظة الثانية، تختص بمسالة الفساد. فالترابوية عملت علي احداث خلل في المعايير والمبادئ، التي يقاس او يعرف بها الفساد! اي كل ما يصب في مصلحة المشروع الاسلاموي، هو جائز شرعيا واخلاقيا، والعكس صحيح! وبالطبع بغض النظر عن العواقب المترتبة علي ذلك، سواء علي سلامة مؤسسات واجهزة الدولة او قيم واعراف المجتمع. ومن هذا المدخل تم دخول فقه التمكين واغتنام موارد الدولة بوضع اليد. والحال، ان كل من هو مصاب بلوثة ترابوية، يتقبل هذه المسالك دون تردد. ولكن عندما مالت الكفة، لصالح غير مشاريع واهداف الترابي واتباعه الشعبيين، تم اشهار كرت الفساد في وجه، من اتقن قوانين لعبة الغدر، واحكم قبضته علي القصر! وتاليا الظهور بمظهر الذي لا يعلم بما يجري خلف ظهره، رغم علمه بدبيب النمل في مشروع هو صانعه، وهو الاعلم بخفايا انصاره او نقاط ضعفهم خاصة. والمفارقة ان كل هذه المعرفة لم تعصمه من غدر الابناء او الاخوة في الله، رغم انه سقاهم حليب الغدر منذ الرضاعة، ظنا منه ان الغدر موجه ضد الخصوم وليس الاب الروحي، الذي يبدو ان غروره المعهود اسكره عن تذكر حكمة (يؤتي الحذر من مأمنه).
والملاحظة الثالثة المتعلقة بالترابوية، هي الغرور الاجوف الذي تتميز به، وهو ما ينعكس علي حالة المغالطة والانكار المرضية، وكذلك الوقوع في فخ التزييف والتزوير والاستخفاف بالآخر، والتي يتصف بها كل من انتسب لهذه الجماعة. والسبب ان الترابوية تصدر اصلا عن وهم امتلاك الحقيقة واحتكار القيم، وتاليا هي الاحق بالقيادة والتحكم في المجتمع. بمعني، هي رسالة تبشيرية او دعوة خلاصية، اكثر من كونها قراءة موضوعية او برامج تفصيلية او خطط عملية، تتعامل مع عقبات الواقع، وهذا عندما لا تزدري الواقع وتستسهل القفز عليه، بالشعارات الكاذبة. اما محصلة هذا الادعاء الفارغ او ادمان احلام الصحيان، فهي تردي الواقع وتعقيد ازماته، حتي الوصول به لمرحلة التحلل، وفقدان مقومات بقاء الدولة. وعموما، هذا قد يفسر ازمة الايدولوجيات العقائدية، التي تميل الي انكار الواقع او حشره ضمن رؤية ضيقة او وصفة علاج حصرية. والحال، هذا ما يقود الي التغاضي عن حل اشكالاته او مواجهة تحدياته، بافق واسع وديناميكية مرنة، ظنا ان الزمان كفيل بعلاجها او اثبات نجاعة الوصفات التاريخية المفارقة! ولكن لسوء حظها، ان الزمان لا يقدم منح مجانية، وهذا عندما لا يغدر بمن يثق به، ولا يسعي للتحكم في شروط الواقع، بالمعرفة المواكبة، المرتبطة بطاقة التحرر المجتمعية.
وبالرجوع الي حديث الترابوي النموذجي، الزبير احمد الحسن، نجد كل ما سبق اعلاه ينطبق علي حديثه. فقد ذكر ان الحركة تراجع تجاربها منذ تاسيسها وحتي الان، لتطوير هياكلها واجهزتها للمضي بها نحو الامام بكل ثبات علي قيم الدين والوطن، قاطعا بعدم التراجع عن ثوابت ومبادئ الحركة. من يصدق ان ما سبق يصدر عن شخص يتولي (امانة) كيان لا يوجد اصلا علي ارض الواقع كتاثير (اي شانه شان خيال مآتة لا يهش لا ينش!)، بعد ان استنفد شعاراته التي يتكئ عليها. بدليل ان الحركة نفسها منقسمة علي نفسها من ناحية، ومندغمة في المؤتمر الوطني من ناحية اخري! بل لم يولد هذا المؤتمر الوطني، إلا للتغطية علي اخفاقات وفشل الحركة! اي اولا، للتخلص من شعاراتها الفارغة واعباءها المكلفة! وثانيا، كمدخل لاستقطاب الانتهازية السياسية المعارضة! وثالثا، للحصول علي اعتراف المجتمع الدولي، الذي يعادي شعاراتها الارهابية؟!
اما قصة عدم التراجع عن (مبادئ!) الحركة، فتذكر بخصلة شمولية شهيرة، او كما حُكي عن تصريحات النميري العنترية، ان الثورة تراجع ولا تتراجع، رغما عن التناقض البيِّن في هذه العبارة اذا صحت روايتها هكذا، لانه لا معني للمراجعة طالما هي لا تؤثر علي التراجع، او تغيير المواقف التي قادت للاخطاء. المهم، حكاية مراجعة الحركة من اجل تطويرها..الي ان نصل الثبات علي قيم الدين والوطن، لا تعدو كونها مغالطة سافرة، سواء اريد منها عدم الاعتراف بالخطأ، او دغدغة مشاعر القاعدة الشبابية، التي رات بام عينها نقض غزل المشروع الوهمي، وتكالب انصاره علي السلطة والمغانم، لدرجة التناحر بين الشيخ واتباعه! مما يؤكد ان القضية مجرد صراع بدائي علي السلطة، اي لا مشروع ولا من يحزنون؟ مع ان الصراع علي السلطة اصلا ليس فيه عيب ولا منقصة، ولكن له اصول يجب مراعاتها، وبالقطع ليس من ضمنها التحايل وانكار الرغبة السلطوية بالباسها لباس الدين، اي تحويلها لواجب ديني وليس مطلب دنيوي. ودون اكتراث الي ان الدين حكما، يقذف بالصراع الي ساحة الصفرية، لانه ليس هنالك صراع ضد المقدس، فالمقدس يفرض نفسه، ولو بحذف الآخر المعترض من المشهد. وهذا الحذف قد تتعدد صوره، من المعنوي عبر سلب الآخر مشروعيته القيمية، مرورا بتكفيره وصولا للتخلص منه بطريقة مادية او قتله بدم بارد. والخلاصة، بما ان السلطة والانتفاع بمزاياها، هي مصدر خروج هذا المشروع الي الوجود، فتاليا المحافظة علي هذه الامتيازات، هي نفسها سبب المحاولات المستميتة، لنفخ الروح في جسد هذه الحركة المتكلس، سواء من قبل الزبير او غيره ممن ما زالوا يراهنون علي فقدان الذاكرة الوطنية، والاستخاف بكل العذابات والكوارث التي سببتها هذه الحركة العدمية.
اما حديثه عن، ان كل ما يتم تداوله عن حل الحركة الاسلامية ووجود خلافات داخلها واختلاف قيادات الحركة مع قيادات المؤتمر الوطني، محض اشاعات مغرضة يروجها اعداء الحركة في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الاجهزة الاعلامية، لعجزهم عن مواجهة الحركة بالفكر والعقل والمنطق. مؤكد مثل هكذا حديث مرسل يدل علي حالة الغيبوبة، او يتعمد تغييب الحقائق او (غيببة) وعي وذاكرة المجتمع. لان الحديث عن حل الحركة الاسلامية هو اصلا خارج السايق! لان الحل حدث منذ وقت مبكر بشهادة حشد من الاسلاميين انفسهم! وما تبقي هو مجرد شكل فارغ المحتوي، قصد به منح السلطة هوية، حتي لا تفقد السند الشرعي حسب تقديرها! وهو ما يحيل الحركة الي مجرد مظلة تستخدمها السلطة لحمايتها من الزوابع والاخطار! بل لا يستنكف راس النظام انكار صلته بها عند الحاجة، او الرجوع الي حضنها عندما تتغير الاحوال! اي هي ليست مظلة فقط، ولكنها مفتوحة من كل الجوانب وعلي كل الاحتمالات (ليس لها مبادئ وثوابت كما يزعم الزبير) وهو ما يسهل الخروج والدخول باقل التكاليف والخسائر. والاهم، ان كل من في الحركة الاسلامية او ما تبقي منها، مؤتمر وطني، والعكس ليس صحيح، ولذا هم يعتبرون انفسهم اصحاب الجلد والراس في المؤتمر الوطني والآخرين دخلاء. وغير ان هذا صحيح، إلا انه يشكل مبرر كاف للخلافات والمنازعات بينهما! وتاليا لا محل للاشاعات والاغراض لان ما يحدث امر طبيعي، بل الغير طبيعي الا يحدث ذلك. ولكن بما ان الذهنية الترابوية دوغمائية، فتاليا فهي لا تقبل الاختلاف، او تري فيه مسبة او نقيصة، لا تليق بمشروع لا ياتيه الباطل من اي ناحية، اليس له صلة نسب بالمقدس؟
وعموما الحديث عن ما يحدث في المؤتمر الوطني او ما يسمي الحركة الاسلامية او حكومة الانقاذ، لا يصدر عن المعارضة فقط حتي نسميه مغرض، ولكنه يطال اسلاميين سابقين، بل وصل بهم الحال لكيل النقد للحكومة، لدرجة سبقوا بها المعارضين المكرسين! ولو ان ما يعيب نقد هذه الفئة الاخيرة هو عدم الجذرية، اي عدم الرجوع بالنقد للبدايات التاسيسية (الاحتيالية) للحركة، ومراحل التطور التي يعتورها الالتواء والمخاتلة، والتي افضت في خاتمتها لكل هذه الكوارث. ولكن يحسب لهم عدم المكابرة والعناد وعودة الحس الوطني بعد غربة. ولكن لا ينفي هذا ان بعضهم غرضه من النقد، هو المحافظة علي النظام بحمايته من شر نفسه، اي اجراء بعض التحسينات عليه ليكتسب مقبولية اجتماعية، بدلا من طريق الانتحار الذي يسير فيه مغمض العينين. بمعني، مصالحهم مرتبطة بالنظام، وتاليا ذهاب ريحه، تجعلهم في مهب الريح. مع العلم ان المصالح ليست دائما مادية، وإلا شهدنا هجرات كوادر النظام والمرتبطين به والمتعاطفين معه، زرافاتا وحدانا صوب دبي وماليزيا وتركيا التي يكتنزون او يستثمرون فيها ثروات البلاد المنهوبة! ولكن الاهم تلبية رغبة السلطة وغواية التسلط وحيازة الصدارة الاجتماعية، التي لا تتوافر إلا في دولة هاملة او (لا دولة) كالسودان.
اما حديثه عن عجز المعارضة، عن مواجهتهم بالعقل والمنطق، فهو حديث غير استبطانه امتلاك الحقيقة كما سبق، إلا انه يفرض الوصاية علي البلاد واهلها، وتاليا يجرد المعارضين حتي من سلاح المواجهة السلمية، وهو يصادر وعيهم مسبقا، اي اعتبارهم شركاء غير مؤهلين او موثوق بهم داخل الوطن، وهذا بدوره كافٍ لزجرهم وتعنيفهم ان لم نقل تخوينهم، كمقدمة لشرعنة ازاحتهم بالقوة اذا لزم الامر. وما يحير حقا، هو اين المنطق والعقل لدي منظومة زائفة بالكامل، وتعتاش علي سلعة الماضي والاستثمار في العواطف الدينية، التي لا تحتاج لبذل الجهد او تكلف راس مال كبير للاقناع (اي نوع من السمسرة الفكرية او الطفيلية السياسية، مما يرجح انها المرجعية الاساسية، للمسالك الطفيلية والاساليب السمسرية التي تطبع اقتصاد الجماعة الاسلاموية!). وهذا في اعتقادي يتعدي مرحلة الغيبوبة الي ذهاب العقل نفسه! بدلالة ان هذه الاحاديث لا تصمد ليس امام المنطق البسيط، ولكن حتي امام شعارات تلك الجماعة نفسها! اي هي مهزومة ذاتيا ولا تحتاج حتي للجدل واضاعة الزمن، ناهيك عن ادخال المنطق والعقل في محاورة منظومة لاعقلانية ابتداءً.
وهذا غير انه يتحدث في فقرات اخري، عن التعافي من الازمة الاقتصادية، وعدم تصديق الشائعات التي تطلق علي المشروع الاسلامي وقادته! والسؤال إذا لم يكن هنالك فشل حاق بالمشروع الاسلاموي بعد ما يقارب الثلاثة عقود من وصوله السلطة؟ فمن اين جاءت الازمة الاقتصادية؟ وكيف ظهرت الشائعات والتشكيك في المشروع ورموزه، لولا دلائل شلل المشروع وفساد قياداته، التي اعترف بها مؤسس المشروع نفسه؟ ولماذا بعد كل هذه الفترة، ما زالوا يتحدثون عن انزال القيم وثوابت الدين؟ اي لماذا لم تتحدث هذه القيم عن نفسها في الواقع المعاش، وظلت عالقة علي الدوام في الوعود؟ وإذا لم تكفِ ثلاثة عقود من الحكم المطلق لتطبيق المشروع وانزال القيم، فما هي المدة المطلوبة تحديدا، الي قيام الساعة مثلا؟!
اما حديثه عن، ان البشير اكثر الناس حرصا علي المشروع الاسلامي وتثبيت دعائمه واركانه في السودان، مبينا ان البشير نافح وجاهد بنفسه منذ تفجر الانقاذ من اجل نشر الدين وقيم الاخلاق والعدل في كل ربوع السودان. للاسف غير ان هكذا حديث مداهن (كسير تلج) لا يليق بمن يرفع رايات هي لله، إلا انه لا يمت للحقيقة والواقع بصلة؟! والاسوأ ان قائله يعلم قبل غيره، ان البشير لا ينهض للدفاع عن الدين او يتلفظ بالحفاظ علي القيم، إلا عندما تستدعي مصلحته ذلك! فاين الاخلاق من فساد البشير واسرته؟ واين كان الدين وهو يقود حرب ابادة جماعية علي كل الاطراف المهمشة؟ واين العدل والانصاف وفي عهده ظهرت بيوت الاشباح ومجازر الصالح العام وقتل المواطنين العزل في الطرقات..الخ من مخازي البشير وجرائمه؟ بل الم يغتب البشير اخوانه المسلمين في الامارات، واحتمال خلف الصوالين المغلقة في السعودية، وبين خلصاءه في المؤسسة العسكرية؟ وكذلك الم يحملهم اوزار وفساد كل الفترة الماضية، وهو يدعي الغفلة ويذرف دموع التماسيح بين ضباطه؟ والراجح ان العكس ايضا صحيح، اي ان الزبير وقادة الحركة الاسلاموية (نخبتها) يحتقرون البشير في قرارة انفسهم، علي خلفيته العسكرية وفقره المعرفي وتواضع كسبه الاسلاموي، ويتندرون علي خطاباته الحماسية ولغته الشوارعية وقراراته الارتجالية، وغالبا يرمونه بكل نقيصة، بل وكمرجع للفشل؟ وإذا تركنا كل هذا جانبا، ماذا عن عنصرية البشير، وما حديث الترابي الذي يعف اللسان عن ذكره، إلا نموذجها المخفف؟ وعلي العموم، ليس هنالك من داع لسرد الامثلة، فلسان حال البشير، يظهر مدي جهله وغدره وغروره وتهوره واستبداده، وتجرده ليس من قيم الدين، ولكن حتي من اعرف المجتمع المرعية. وبكلمة اخيرة، معيار تقييم البشير، هو حاصل سلطته التي اغتصبها من غير وجه حق، وهو ما يتمظهر في حالة الافلاس السياسي والسقوط الاقتصادي والاحتقان الاجتماعي، والتردي العام الذي يحتل المشهد اليوم.
وعموما، تبدو مشكلة الزبير، في القدر الكبير من الترابوية التي تتسلط عليه. علما بان استفحال هذه الحالة (الترابوية) تجعل صاحبها يهرف بما لا يدري او يلقي الحديث علي عواهنه، ظانا ان ما يتفوه به، هو حصريا الحكمة وفصل الخطاب، او مجرد لفظ الاسلام، هو كافٍ لاسكات الخصوم وحل كل مشاكل البلاد! ولكنه لا يعلم او ( يعلم لكنه يتجاهل) ان هذا المشروع الفطير لم يخدم إلا اصحابه دنيويا، بعد ان شرع لهم كل ابوب الفساد في الارض! اما اثار هذه الطامة الكبري، علي الدولة والمواطن والمستقبل والاسلام ذاته، فهذا من لن يعلمه إلا الله رب العالمين. ولكن بعض الاثار الظاهرة، تعلن عن افول الحيوية السياسية، ودخول الدولة مشارف الانهيار، و وصول المجتمع شفا جرف هار من الانفراط.
وهنالك ملاحظات اخيرة، او تتمة لما ذكر اعلاه، خاصة ومن خلال النظر لمشروع الدولة الدينية في السودان وايران وافغانستان، او حتي المشاريع التي تلتصق بالدين في دولة علمانية كتركيا او شبه علمانية كتونس، نجد ان هنالك سمات تميز هذه التجارب:
اولها، ان وجود دولة علمانية صراحة، ومن فرط اريحيتها، تخدم فيمن تخدم حتي المشاريع الملتصقة بالدين، وذلك بان تمكنها من النجاح، بل والنمذجة التي يضرب بها المثل احيانا، ويقف خلف كل ذلك، ما توفره من كيان دولة مؤسس وحيادي واجهزة رقابة وفصل سلطات وبيئة ديمقراطية..الخ. ولكن ما ينذر بالخطر، ان تلك المشاريع تميل فطريا للتعدي علي الدولة، بعد السيطرة علي السلطة، او تجييرها لصالح مشروعها ومصالح اتباعها، وقد يصل بها الحال لتغيير اصول اللعبة، من اجل احكام السيطرة علي السلطة، وتابيد بقاءها فيها (اي شئ شبيه بجزاء سنمار)! وهذا عين ما نشاهده في تركيا. بمعني مجرد السماح للدين بالتقرب من السياسة، يشكل خطر ماحق علي المدي الطويل، سواء علي السلطة او الدولة.
ثانيها، المشاريع التي تستدمج الدين في السياسة، وتاليا تتبني الدولة الدينية بصورة ظاهرة او مضمرة، لا تنمو وتترعرع او تحقق نجاحها الكاسح، إلا في بيئات ضعيفة بنيات التحديث (مجتمعات رعوية/ عصبويات سلالية). بمعني بما هي مشاريع تمييز، فهي قطعا تحتاج لثقافة تمييز متجذرة في المجتمع، تعمل كحاضنة او ارضية تاسيس، تقام عليها دعائم تلك المشروعات. وغالبا يترافق ذلك مع تواجد نخبة هشة تعجز عن ادارة الدولة (الموروثة) بعد الاستقلال! اي بما هي مشاريع فارغة، فتاليا لا تنمو إلا في الفراغ. والحال هذه، طبيعي الا تنتج إلا الخراب.
ثالثها، مشكلة الدولة الدينية، انها لاتستهدف الاصلاح ولكن السيطرة. اي دافعها سلطوي وليس تنموي، وتاليا يستحيل في حقها العمران، لان فاقد الشئ لا يعطيه. ولذا ليس بمستغرب ان نجد استثمارها الحقيقي، يتوجه نحو وسائل الحفظ والحماية والدعاية.
رابعها، بما ان هذه المشاريع معطوبة بنيويا (ليس لها اهداف سوي السلطة)، و تاليا محكوم عليه بالفشل تنمويا واداريا واجتماعيا! فذلك يفرض عليها اختراع عدو خارجي ومخرب داخلي، يستهدفان العقيدة (وتاليا تحصد تعاطف مجاني)! وذلك لتبرير الفشل والاخطاء المحتمة من ناحية، والبقاء في حالة تعبئة او طوارئ (اي حالة اللاقانون) معظم او طوال الوقت، من ناحية اخري!
لكل ذلك افضل ما تقدمه المشاريع الدينية، لمنتسبيها والاوطان والانسان والانسانية والاديان، هو ان تحل نفسها وتقدم اعتذار، وذلك بالتوازي مع عرض تجربتها السلطوية، في متحف يحوي كل جرائمها وكوارثها، لاخذ الحيطة والحذر من قبل الاجيال القادمة.
آخر الكلام
المأساة الحقيقية ليست في كارثة المشروع الاسلاموي الذي ابتلينا به فقط! ولكن في عدم الاستفادة من تجربته المريرة، في تحريم الدعوة للدولة الدينية، وتجريم كل من يتاجر بشعاراتها. وذلك ليس تضييق علي المتدينين او قمع لحرية التدين او تطاول علي قدسية الاديان، ولكن لان التجربة التاريخية اثبتت، انه لا مكان للدولة الدينية علي ارض الواقع، اي إما دولة مواطنة او اللادولة، وبكل ما تحمله الاخيرة، من نهب وهمجية واهدار لحقوق الضعفاء. ودمتم في رعاية الله.
[email][email protected][/email]



