فيلم ‘عين النسا’: طرافة السرد وفرجة الإخراج

محمد بنعزيز

يسرد هذا الفيلم قصة مفهومة من تلقاء نفسها، وبذلك لا يتحمل الإخراج عبء التفسير، عبء الكلمات الكثيرة.
قصة نستكشف فيها وضعا دام سنوات طويلة، فيها الشقاء والخضوع، وضع تأبد فيه تكليف النساء ‘بالشقاء’ في المنازل وبجلب الماء من عين في أعلى الجبل. بينما الرجال المحظوظون لأنهم لم يولدوا إناثا يشربون الشاي في المقهى ويتسلون بينما النساء مرهقات، أنهكهن الصعود والهبوط لجلب الماء… وفي الليل يلتحق الرجال بفراش الزوجية مستريحين… وللتعبير عن التكرار ناوبَ المخرج لقطات السقي الشاق والإنجاب المؤلم ورشْف الشاي المنعنع…
وفجأة تولد اقتراح…
بدأ مزحة، أضحكت الرجال الواثقين من جرأة ليلى زوجة سامي… ثم اتخذ صورة فضيحة حين عرف الأطفال بثورة أمهاتهم… بهدف كسر الإضراب ووقف الاحتجاج… راج العنف في المخادع كما في ميادين التحرير… وهنا استخدم بعض الرجال عضلاتهم لتحقيق رغباتهم ضد المقاومة في السرير… بينما آخرون صابرون وسينفجرون… يقدر سامي زوجته، بينما تزداد عدوانية الحماة تجاه ليلى… يتضح ان الرجال الأكبر سنا هم الأشد غضبا بسبب استقلالية موقف النساء… هذا الانشقاق يوجد في صف النساء أيضا، بعضهن يرفضن الإضراب لأن الجنس ممتع، يفصلن العبودية واللذة على الحرمان والحرية. يفترضن أن زيادة الطاعة النسوية ستضمن لهن المزيد من حب الأزواج.
يزداد التوتر، وبدل جلب الماء للحصول على رضى الزوجات انهمك الرجال الشهوانيون الكسلاء في نزع الشرعية عن ثورة النساء… لتنفيس الوضع يتطوع سامي زوج ليلى ويذهب لتقديم شكاية للسلطة حول تأخر تجهيز القرية بالماء، فيقدم له الموظف فلسفة غريبة تمتدح تراخي البيروقراطية في تجهيز القرية بالماء والكهرباء… بينما تتفاقم المشاكل ينهمك مثقف القرية الجديد في أبحاث هامشية…
ما يجري في الليل تنشره الألسنة في الصبح، صارت سمعة القبيلة مهددة، تدخل الفقيه ليصلح الوضع حبيا…
في القرآن الكريم، الإضراب الجنسي حق ذكوري فقط. إذ تعبيرا عن الغضب من الزوجات، أمر الله المسلم بهجر زوجته في المضجع. في الفيلم، النساء هن اللواتي هجرن الرجال في المضاجع… تناضل النساء على أرضية ثقافية ذكورية توفر وقت الفراغ للرجال. بينما الشقاء للنساء. يزعم المنحازون أن المرأة لا تستطيع أن تهجر زوجها في الفراش، لا طاقة لها على ذلك… والله أعلم.
في الفيلم، الخيار والقرار للنساء. كان قرار الثورة هو غرام الجنون الذي خلخل روتين القرية. وهنا الطرافة في حبكة الفيلم الذي بني على واقعة حقيقية، جرت في تركيا، وهذا يثبت أن ما يجري في الواقع أكثر خصوبة من الخيال. ويبدو أن المخرج وهو يكتب السيناريو قد تأثر بالبعد الواقعي والمكاني للحدث.
لذلك صور سكان القرية في الكثير من اللقطات يعيشون حياتهم، وهو يصورهم في بعد وثائقي. ليس سكان القرية هم من يجتهد للتشبه بالممثلين، بل العكس، يحاول الممثلون أن يندمجوا في إيقاع الحياة اليومية الحقيقية للقرية، أن يمحوا كل مظهر لكونهم غرباء قدموا للمكان لبعض الوقت… في كثير من اللقطات تظهر بطلة الفيلم – ليلى بختي – تراقب من حولها لتضبط إيقاعها معهم… وقد وظف الممثلون المحترفون حريتهم للاندماج مع سكان القرية وليسوا كومبارس بهدف ارتجال الفرجة الفولكلورية… ولهذا ثمن، فبما أن اخضاع الارتجال للمونتاج صعب، فإن اللقطة التي تحتاج عشر ثوان لتقدم المعلومة يمططها المخرج لتصبح 20 ثانية وأكثر.
بتصويره للارتجال الذي يجمع سكان القرية، يشتغل المخرج على التقاط حقيقة المجتمع الشرقي الشعبي الذي يصوره. وبذلك يقدم توثيقا للمتفرج الغربي. الرقص الكثير في الفيلم ليس مجرد فرجة بصرية، إنه تعبير عن الذات، وسيستنتج المتفرج الغربي أنه ‘هكذا يعبر الشرقيون’. بأجسادهم.
في الفيلم لمسة كوميدية، فيها تنازل فني أحيانا لكنه تنازل أبهج الجمهور الجالس في الطابق العلوي في سينما هوليوود، حين عرض ‘عين النسا’ ضمن الدورة الخامسة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة في سبتمبر 2011.
وقد ساهم حسن أداء الممثلين المغاربة في الفرجة. قدموا أفضل ما لديهم. أبانوا عن صورة مغايرة. لأن لديهم سيناريو كامل، ناقشوه مع المخرج، غيروا الكلمات التي لا تناسبهم… تحدثوا طويلا للمخرج حسب ما صرح لي به الممثل بلعيد أكرديس… ولن أنسى طلاقة محمد مجد وموهبته الكبيرة، حضور آمال الأطرش في دور يتطور، وطبعا نظرات فضيلة بنموسى المقهورة… أداء قوي بكشف عن تحضير مسبق وكثيف قبل التصوير… أداء على حافة التراجيديا…
بالنظر إلى اللحظة التاريخية التي تخرج فيها الشبيبة المقهورة غاضبة إلى الشوارع… يصير مطلب النساء في الفيلم ذا رمزية خاصة. يصعب عدم التفكير في توازي الخطين. يتأسس ذلك التوازي الساخر واللماح على الحدث والمكان.
فالحدث هو ثورة الشباب. لكن مكانيا، لا يذكر المخرج مكانا مرجعيا للأحداث بشكل متعمد، يقصد بيئة معينة، فمن خلال اللهجة وأشكال الرقص وموضوع الجدل وتعدد جنسيات الممثلين حاول ميهايلينو تقديم منطقة شاسعة هي ما يصطلح عليه بالشرق، العالم العربي، الذي اتضح أنه عربي أمازيغي كردي ونوبي.
على صعيد الزمن حاول المخرج اختزال زمن طويل في الفيلم لذا نرى في الصورة تقاطع أزمنة مختلفة في لحظة واحدة.
انعكس هذا المكان والزمان الفضفاض على مطلع الفيلم الذي طبعته لمسة فولكلورية فقيرة دراميا:
نساء في حمام تقليدي، ولادة بالقابلة، قصعة كسكس كبيرة ورقص فردي على (القعدة) وجماعي وزغاريد… حكايات عروس لم تر عريسها إلا صبيحة الدخلة التي تمت في الظلام… رحلات في حافلة منقرضة…
افترضتُ أن المخرج يحدد سبعينيات القرن العشرين كزمن تاريخي مرجعي لفيلمه… ثم فجأة يظهر الحديث في الهاتف النقال… التفسير المتعجل لذلك هو أن لدى المخرج صورة شرق قروي آخذ في الانقراض… وهذا يشعر المتفرج غير الغربي بأنه موضوع نظرة فولكلورية متجاوزة…
التفسير الثاني هو أن ‘الشرق’، الذي يسوده مفهوم سائب للزمن، تتقاطع فيه أزمنة مختلفة، يستخدم أحدث منتجات التكنولوجيا بينما تسوده عقلية ونمط عيش قديم…
لتجسيد هذا اختار المخرج في الروبيراج قرية ‘أريال’ منطقة تاكركوست- التي تقع في السفح، وبالتالي جعل عين الماء تقع في المرتفع، والأصل أن الماء يجري في المنخفضات… وهو يريد تصوير محنة النساء في صعود الجبل فصورهم يصعدن بأوان فارغة… موقع العين في الفيلم خطأ في قوانين الجغرافيا… يسهل على متفرج عاش في الجنوب اكتشافه، وهو خطأ يطرح الصلة بين قوانين الفن وقوانين الطبيعة. المتفرج يتوقع احترام الثانية في الإبداع. هذا ما أوصى به منظرو الفن الكبار.
تقدم الحبكة خلطة سينمائية من الجنس والدين والسياسة، يتجسد ذلك في إضراب ببعدين جنسي وسياسي، ويستخدم الدين كوسيلة لإنهائه. فالزوجة يجب أن تطيع زوجها في الفراش كي لا تبيت تحت لعنة الملائكة… لكن الملائكة لم تتدخل في الفيلم، لذا انشق صف الرجال، كما في الحقل السياسي إلى شيوخ الأعيان وشباب مستعد للتغيير… وبفضل الانقسام صار وضع النساء المضربات أقوى…
للفيلم محتوى سوسيو سياسي، وهذا محتوى لا يمكن ان يعالجه إلا سيناريست مثقف… وهو يتناول موضوعا حساسا، يقترح لاهوت تحرير إسلامي يحارب التشدد من داخل النسق الديني، بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية المناسبة… هذا فيلم سيغضب كل منتقد يرفع تفسيرا وحيد القرن…
السبب؟
في جل الأفلام التي تتناول الشرق، نرى غربيا يقتحم هذا الشرق ليصلحه، ففي فيلم دافيد لين David Lean ‘لورنس العرب’ 1962، يظهر البطل الغربي يثوّر العرب ويحررهم…. غير أنه منذ صار مخرجو الشرق يقدمون أفلاما تعبر عن مجتمعاتهم، ومنذ فكك إدوارد سعيد الاستشراق في كتابه الشهير، صار من الصعب على المخرجين الغربيين تناول الشرق، بعين سائح يعشق يجمع الصور.
لم يتبع ميهايلينو هذا الخط البراني، لم يجلب شخصية غربية بطلة تعيش بين الأهالي وتراقبهم. لقد منح البطولة للأهالي وجعل المطالبة بالمساواة والحرية للنساء تصدر من داخل المجتمع الشرقي، وبصوت النساء، وهذا تحول جار على أرض الواقع، فالناس في القرى النائية يسمعون صوتهم، ومنح جائزة نوبل للسلام لناشطة يمنية دليل على سلامة تفسير المخرج للواقع.
في الفيلم نرى البطلة تحمل القرآن وتطالب بحقوق النساء، وبنفس السلاح الذي يستخدمه المتشددون: كلام الله. بخلاف دافيد لين لم يختر ميهايلينو مغامرا غربيا يتطوع لتطوير وإصلاح الشرق. لقد جعل الإصلاح مطلبا داخليا، وتبنته امرأة متدينة، بنظرة جوّانية لا برّانية لجعل الرسالة أقوى. وقد عمق المونتاج التركيبي في النصف الثاني من الفيلم الفكرة التي أرادها المخرج… رغم الكثير من الخطابة في الربع ساعة الأخيرة.
باستخدامها لهذه الخطة، تتمكن ليلى من كسب تأييد الفقيه وإمام الجامع الذي فضل دعم النساء على فقدان نفوذه لصالح المتشددين. بهذا الشكل، يقدم المخرج خدمة جليلة للحداثيين الذين ينفرون من تسييس الدين ويريدون نقاشا سياسيا محضا، وبذلك يتركون الدين للمتشددين. آن للحداثيين الشرقيين أن يتشبهوا بالبروتستانتيين الألمان، أن يؤكدوا تدينهم المتحرر والمتسامح تجاه النساء بالقرآن والسنة لكي لا يخسروا المعركة ضد التشدد قبل انطلاقها.
هذا فيلم قوي بقراءته للحظة السياسية، بطرافة السرد وبطرافة الإخراج، سيحقق جدلا إعلاميا ونجاحا تجاريا، يناقش الثورة من زاوية مسلية. وهذا مثال يظهر كم يساهم سياق المرحلة في نجاح فيلم ما، بالصدفة أو بشكل مخطط له.
[email protected]

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..