حين يفكر القلم بدل القطيع: تحية لشجاعة الأستاذة حنان حسن

لطالما عودتنا الأستاذة الكاتبة المحامية الجسورة حنان حسن على ثلاثة أشياء لا تخطئها عين القارئ: فرادة الفكرة، جزالة العبارة، ووضوح الرؤية.
قلم لا يجامل، وعقل لا يردد، وضمير لا يساوم.
واليوم جاء مقالها “من الذي يفكر؟ أنت أم جماعتك؟” ليصيب، في الصميم، فكرة كنت أتوق لكتابتها منذ زمن.
كنت أريد أن أكتب عن مشهد مستهلك: الظهور أمام الحشود المصنوعة، وترديد عبارات كاذبة تفيض نفاقاً مثل: “نحن معانا الشعب السوداني”، “نحن نمثل الشعب السوداني”، “ندافع عن الشعب السوداني”.
تلك الكلمات الجوفاء التي تُلقى على مسامع الناس لتصنع وهم الإجماع.
لكن الأستاذة حنان حسن لم تكتفِ بكشف المشهد.
بل ذهبت أعمق.
ووضعت يدها على الجرح الحقيقي الذي يؤخرنا: ثقافة القطيع.
وكان لا بد لنا من ان نعترف أن الأستاذة قد قالت ما عجزنا عن قوله بهذا الوضوح:
“في السودان كثيراً لا يُقاس الحق بميزانه وإنما بعدد الواقفين خلفه.”
هذه جملة واحدة تهدم أربعين سنة من التضليل.
فالحقيقة عندنا لا تولد من التفكير، بل من التصفيق.
والرأي لا ينتشر لأنه صحيح، بل لأنه شائع.
ومن يجرؤ على السؤال يصبح متهماً قبل أن يُسمع.
واستدعت الاستاذة حنان، بذكاء، مثلنا الشعبي “موت الجماعة عرس” لتشرح به كيف نعفى أنفسنا من مسؤولية القرار.
إذ ما دام الجميع يفعل، فلا ذنب.
إذا كره الجميع صار الكره فضيلة.
وإذا هتف الجميع للحرب صار صوت السلام تهمة.
وأخطر ما خطته في مقالها، في شجاعة نادرة، أنها سمّت الأشياء بمسمياتها: عقلية القطيع تقتل الضمير بهدوء.
لا تطلب منك أن تكون شريراً.
كل ما تطلبه هو أن تتوقف عن السؤال.
أن تستعير رأياً جاهزاً، وغضباً جاهزاً، وعدواً جاهزاً، ثم تمضي مع الزحام.
فكم منا غيّر رأيه لأن جماعته غيّرت موقفها؟
وكم منا صمت عن الظلم خوفاً من الخروج عن الصف؟
وكم من خصومة ورثناها كما نرث الأسماء؟
وذكرتنا بحقيقة تاريخية لا جدال فيها أن الحشود لا تصنع الحق.
بل تصنع ضجيجاً وخوفاً فقط.
والتاريخ مليء بأمم صفقت للظلم ثم قضت عمرها تعتذر.
والأهم من كل ذلك أنها ربطت الحرب ليس بالرصاص فقط، بل بالعقول التي تبررها.
“عندما يصبح الانتماء أهم من الإنسان.. يفقد المجتمع بوصلة الأخلاقية.
وعندما يُعتبر التعاطف مع الضحايا خيانة.. نكون قد خسرنا إنسانيتنا.”
وهنا تتجلى بسالة الكاتبة.
إذ لم تخف.
ولم تداور.
بل قالت، بوضح تام، أن تشجيع القتل علامة ولاء في زمنٍ اختلت فيه الموازين.
وجب علينا ان نقول بملء الفم أن مقال أستاذة حنان لم يكن جَلِداً فقط.
بل كان خريطة نجاة.
إذ دعتنا الاستاذة لاستبدال سؤال “مع من تقف؟” بسؤال “لماذا تقف هناك؟”.
وذكرتنا أن المجتمعات لا تتقدم بالاتفاق الأعمى، بل بالسماح بالاختلاف.
وأن الرأي المخالف ليس تهديداً بل فرصة لاختبار قناعاتنا.
وختمت الاستاذة حنان مقالها القوي بخلاصة تُسٓجْلُ للتاريخ:
“التاريخ لم يتغير بالقطيع.
غيروه أولئك الذين امتلكوا شجاعة التفكير حتى عندما كان الجميع يسيرون في الاتجاه الآخر.”
يطيب لي في هذا الختام أن أحيّ شجاعة الأستاذة حنان حسن.
التي تمثلت في الطرح القوي، وبسالتها في السجالات التي تفحم فيها “اللايفاتية” المتعجرفين وتخرسهم بالحجة لا بالصوت العالي.
والتحية موصولة لصاحباتها من المحاميات والصحفيات الباسلات اللائي اخترن أن يحملن القلم والعقل في وجه الزحام.
شكراً أ. حنان.
شكراً لأنك ذكرتنا أن العقل خُلق ليقود صاحبه، لا ليُساق مع القطيع.
وشكراً لأنك أخترت، في زمن الضجيج، أن تكوني الصوت الذي يسأل: من الذي يفكر؟



