أخبار السودان

?ولّع? .. حيّ تحت الحصار ثلاثين عاما.!!

بورتسودان: ناهد سعيد

? بقينا لو ما شمينا ريحة روث البهائم بنتضايق?.. قالها محمود بدلي في مزيج من السخرية والالم .. محمود كان يضحك من شدة الألم لأن المصيبة هناك كان لا يخفف من وطأتها شيء سوى ذلك ، كما يقولون? شر البلية مايضحك?..!! الرجل الاربعيني بدا ناقما علي واقع حياتهم بمربع ثمانية بالقادسية ،أشهر أحياء بورتسودان أو حي ?ولِّع? كما تُعورِف عليه، فهو وغيره من سكان الحي العشوائي يعتصرون الألم ،ويشعرون بالغبن ، وتمتلئ دواخلهم حسرة وربما ترى في أعينهم دموع حزن.. فالحي الذي يقطنونه يمكننا القول إنه ظل تحت الحصار لثلاثة عقود ويزيد من الزمان ، وحينما تجولنا داخله ازددنا يقينا أنهم يتعرضون لظلم كبير وفادح جسّد لنا ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

الوجه الآخر للمدينة.!

حينما ترجلت من الركشة التي أقلتني من وسط مدينة بورتسودان كنت أتخيل أن ليس لهذه المدينة الساحلية الجميلة وجها آخر بخلاف الذي يراه الزائر ، من أنوار ساطعة ،وطرق نظيفة ، وكورنيشات جذابة وفنادق فخمة ، ومسارح تضج بالفرح ، وأندية باذخة علي ساحل المالح ترتسم الابتسامة علي وجوه روادها ،هكذا كنت أظن .. ?إن بعض الظن إثم ? .. ولكن بعد أن وطئت قدماي سوق جادو تيقنت أن لهذه المدينة السياحية أكثر من وجه ، فالمنطقة التي زرتها للمرة الأولى في حياتي قريبة الشبه من مدن الصفيح بالبرازيل التي يقطنها الفقراء البائسون ، منطقة تصلح لتكون نموذجا لتجسيد التفاوت الطبقي الذي اتسع بونه بالبلاد ، وفي ذات الوقت يمكن لمن يزورها أن يقف على انتفاء العدالة في توزيع الموارد علي المواطنين في المدينة الواحدة ، دع عنك الولاية الواحدة.

البؤس والقذارة ..!

بالرغم أن حي ?ولع? لا يبتعد عن وسط مدينة بورتسودان سوى كيلومترات معدودة ، لكنه غارق في البؤس والقذارة .. لم يشفع له وقوعه على الطريق القاري الذي يربط بين السودان ومصر ويمتدّ من الشمال إلى الجنوب في مسافة لا تقل عن نصف الكيلو متر فيما لا يتجاوز عرضه المائتي مترا ..

الحي يتكون من أكثر م ألفيْ منزل يقطنها عشرة آلاف مواطن.. المنازل في غالبيتها العظمى شيدت من ?حطام? الأخشاب والزنك والقنا وبعض أقمشة الخيام المهترئة..

عندما بدأت في التجول داخله رفقة عدد من قادته ألجمتني الدهشة بكل صدق ، وقلت لنفسي كيف لهؤلاء المواطنين الذين يقطنون هذا المكان الذي يفتقد إلىالحد الأدنى من مطلوبات الحياة ، فكل منازلهم ضيقة المساحة مشيدة من الصفيح والأخشاب ،منظرها من الخارج يوضح واقعها من الداخل لذا لم نحتج لدخول المنازل.

الأزقة الضيقة أجبرتنا على أن نسير في صف مستقيم : واحدا تلو الآخر في أكثر من مناسبة.. فلا مكان هنا لأن يمشي أكثر من شخص متجاورين ، معظم المنازل ليس بها أسوار وحتي التي بها فإنها لا تحجب أعين المارة ،كنت كلما توغلت في الحي معهم أشعر بضيق في التنفس ، قالوا لي بما يشبه الاعتذار اللطيف إن روث البهائم هو السبب لأنها تشاركهم السكن في الحي ضيق المساحة ، كلما تجولنا من زقاق إلى آخر شعرت بالضيق والأسى لأن البؤس يتبدي جليا في مسكن وملبس السكان البسطاء وربما مأكلهم ?فالجواب يكفيك عنوانه? .. كانوا يتحدثون معي بحسرة وأسى وبدلا عن أن أطرح عليهم الأسئلة كانوا يتساءلون عن اسباب التهميش الذي ظلوا يتعرضون له منذ بداية عقد الثمانينات.

لعب ولهو قرب ?الكوش?..!

في ساحة ضيقة وجدت صغارا من الجنسين يلهون ببراءة رغم وجود كوش بالقرب منهم ، وموقع اتخذه أصحاب عربات الكارو موقفا لها ،فالبيئة حولهم جالبه للمرض ، بيد أن براءتهم جعلتهم غير مكترثين لها، فهم يريدون ان يلعبوا مثل غيرهم من أترابهم في أجزاء الوطن الأخرى .. نظرت اليهم والبؤس يحيط بهم و، كنت أريد معرفة ما يدور في أذهانهم حول واقعهم هذا ، نعم لم أقترب منهم حتي لا أفسد عليهم لحظة فرح استرقوها من انياب الزمان الشين ، ولكن تخيلت أن أحدهم يردد ما نظمه عبد الحميد جودة السحّار من شعر درسناه ونحن صغار في السن: ( انني طفل صغير اتخذت العلم نورا ?يا ترى ماذا أصير عندما أغدو كبيرا ) يمنون أنفسهم بمستقبل أفضل مما هم عليه ، ربما يتمكنون من تغيير واقع أهليهم نحو الافضل.

لكنّ شكوكا ساورتني حيال هذا الأمر لأن عهد ?المعاناة تولد الإبداع? قد ذهب أدراج الرياح وبات توفير مقومات النجاح السبيل الوحيد لملامسة ثريا الإبداع ، وهؤلاء الصغار الذين يقطعون يوميا ستة كيلومترات سيرا على اقدامهم لتلقي العلم سيواجهون معاناة حقيقية لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم إذا لم يتغير واقع الحي الذي يقطنون فيه.

ممنوع دخول السيارات..!

?ممنوع دخول السيارات? نعم.. ففي مربع ثمانية بحي ولّع لا يمكن للعربات ان تتجول داخله ، ليس لصدور قرار بمنعها من فعل ذلك ، ولكن لأن حدوث هذا الامر يعد من رابع المستحيلات ،فأكبر الشوارع مساحة لايتجاوز المترين وبعض من الأزقة لا تسمح بمرور ركشة، ناهيك عن عربة.

يحكي لنا المواطن أحمد بحسرة وأسى عن هذه المشكلة التي قال إنها تسببت في تكبيدهم الكثير من الخسائر،لافتا في حديثه معي إلى أن آخر حريق اشتعل قبل أيام في أحد المنازل ولم تتمكن عربة الاطفاء من اخماده لاستحالة وصولها إليه، وقال إن المواطنين الجزعين لم يجدوا أمامهم غير استعمال التراب والقليل من الماء المتوفر، ورغم محاولاتهم المستميتة إلا أنهم لم ينجحوا في إيقاف ألسنة لهبها فقضت علي المنزل بكامل مقتنيات الأسرة التي تقطنه بالإضافة إلى مكوناته من أخشاب وجوالات خيش، ويقول إن الحرائق تعتبر هي العدو الأول لسكان الحي الفقراء، ويوضح أن الكثير من المرضي الذين لا يقوون علي المسير يتم حملهم علي ?عناقريب ? لإخراجهم حتى موقف العربات.

لماذا غاب التخطيط ..؟!

سألنا عضو الإدارة الشعبية لحي القادسية مربع ثمانية أو حي ولِّع ، محمد صالح محمود صالح عن أسباب عدم تخطيط هذا الحي رغم أنه يتوسط أحياء خضعت للتخطيط وقد وصلتها الخدمات ،فأشار في حديثه معي إلى أن اول إجراء حكومي كان الهدف منه تخطيط الحي شهده النصف الأول من عقد الثمانينات من القرن الماضي ،وأن المواطنين نظير ذلك سددوا رسوما توجد إيصالات تثبيت حقيقتها ما يزالون يحتفظون بها حيث دفع كل مواطن صاحب منزل 45 جنيها، وكان وقتها مبلغا كبيرا ، وفوق استطاعة السكان المحليين الذين يعمل معظمهم في مهنة العتالة بالميناء.

ويستدرك محمود: ولكن رغم ذلك لم يتم التخطيط وظللنا علي هذا الوضع البائس طوال هذه الفترة إلى أن لاحت في الافق فرصة تمسك بها السكان في بداية هذه الألفية حينما تم تخطيط الجزء الغربي من المربع ولكن تم تجاوز الجزء الشرقي المطل الذي يقع قبالة الطريق القاري وهو يضم اكثر من ألفيْ منزل ،وقد علمنا أن الهدف من تجاوز تخطيط مربعنا عرضه للاستثمار على أن يتم تعويضنا في مناطق بعيدة ولكن السكان تمسكوا بأرضهم ودخلوا في مواجهات مع السلطات لأكثر من مرة وانتهجوا أيضا طريق التقاضي لحفظ حقوقهم.

ويضيف محمود ?في عهد الوالي السابق واجهنا خطر التهجير اكثر من مرة ولكن ظللنا علي موقفنا ورفضنا الذهاب بعيدا عن ارضنا التي نقطنها منذ خمسة وثلاثين عام،ويشير الي ان والي الولاية علي أحمد حامد سجل زيارة للحي منتصف هذا العام ، ويصفها محمود بالتاريخية ،وقال إنه وقف علي حجم معاناة المواطنين ووعد بتخطيط الحي حتي ينعم المواطنون بالخدمات ،ويؤكد انهم ما يزالون في انتظاره للايفاء بوعده الذي قطعه، مبينا انهم تحرروا من الضغوط النفسية التي عاشوها خلال عهد الوالي السابق ،وإنهم يعشمون في أن يحرك الوالي علي حامد ملف تخطيط هذا الحي .

أمراض بالجملة ..!

المواطنون الذين التقيت بهم في عدد من أنحاء الحي دفعوا بشكوى إلى السلطات الصحية بالولاية ، مشيرين إلى أن ولع تنتشر فيه عدد من الأمراض منها النزلات المعوية والتهابات الجهاز التنفسي ،ويعتقد القيادي محمود محمد علي بدلي أن السبب المباشر وراء استشراء الأمراض يتمثل في التردي البيئي ، ويقول إن عدم التخطيط جعل الكثير من الأسر تقطن في مساحات ضيقة لاتتجاوز في افضل حالاتها المائة وخمسين مترا للمنزل الواحد،ورأي في هذا خطرا صحيا حقيقيا عليهم ،ويكشف عن أن المنازل لم تعد تسع قاطنيها وان عدد مقدر انتقل الي احياء اخري بالمدينة واستأجروا منازل ،ويشدد ?بدلي? على أن تخطيط الحي هو الخيار الأول لقاطنيه الذين ظلوا يؤكدون تمسكهم بأرضهم ويرفضون مغادرتها ،ويشيد بوالي البحر الاحمر ومعتمد بورتسودان لتجاوبهما وتفهمهما لقضية الحي ،بيد ان بدلي يجدد المطالبة بالإسراع في تخطيط الحي.

الأسى والحسرة..!

وأنا أتأهب لمغادرة هذا الحي الذي لم أصادف مثله من حيث البؤس والفقر والمعاناة طوال زياراتي الصحفية لأكثر من اثنتي عشر ولاية بالسودان.. ألقيت إلى منازل الصفيح نظرة حسرة وأسى لأن قاطنيه عجزوا عن انتزاع حقوقهم التى ينص عليها الدستور ،فهم لا يحظون بجرعة ماء ولا دواء ولا كهرباء ويعانون في الغذاء والكساء ، ولايعرفون إلى متى يستمر واقعهم هذا ، فرغم البشريات التي ظل يبثها لهم والي الولاية علي احمد حامد إلا أنهم حتى الآن لم يروا جديدا عى الأرض ولا قرار على الورق يزيل عنهم هواجس الإزالة القسرية.

شاي وقهوة ..!

من أكثر المشاهد التي يمكن الوقوف عندها طويلا وتأملها مليا تلك المتمثلة في ازدحام المقاهي التي تطل على الطريق القاري وتقدم المشروبات الساخنة من شاي وقهوة ، وعند وصولي تمت دعوتي لاحتساء كوب من الشاي ،فلم أشأ الاعتذار عنه احتراما لهم رغم أن المحل كان يعجّ بالذباب .. تأملت الوجوه ووجدتها شاحبة ينظر أصحابها إلى المجهول ، فهذا يضع قهوته ولايحدث أحدا ، وذلك يضع سماعات على اذنيه ويحرك يده على هاتفه ،وهناك مجموعة تتحدث بصوت خفيض ،القاسم المشترك بين الذين يرتادون هذه القهاوي كما علمت هو البطالة التي يقول حامد إنها باتت هاجسا يؤرق مضاجعهم ويسبب لهم ألما نفسيا ، يصفه بالرهيب.

ويلفت إلى أن فرص العمل ببورتسودان باتت تضيق كلما أشرقت الشمس خاصة في الميناء حيث يعمل معظم سكان حي ولع في مهنة العتالة ، التي كانت حتي وقت قريب توفر لهم دخلا يكفيهم لتوفير الغذاء لأبنائهم ، ويقول إن الميناء وبسبب التحديث لم يعد العمل فيه جاذبا ولكنهم رغم ذلك لا يجدون غيره وجهة يمكنهم أن يقصدوها .

واستشرى الذباب..! إلى طريق الاسفلت إلى أن من كانوا معي أصروا على أن ألقي نظرة على الجانب الغربي من الحي الذي ،حينما ذهبت إليه، وجدته عبارة عن مكب نفايات ضخمة تتوزع كوشه على طول امتداد الحي ،قلت لهم هذه نفاياتكم ردت إليكم أمراضا وأوجاعا ، فقالوا إنها ليست لهم .. لم أدخل معهم في جدال حولها فمشهدها يوضح لماذا استشرى الذباب في بورتسودان خلال الفترة الماضية ، فتراكم النفايات من المسببات ، وفي ذات الوقت من المنغصات التي تؤرق مواطني ولع، ويعتبرونها مسببا أساسيا للأمراض.

التيار.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..