مقالات وآراء

عندما يعجز الأسم عن حماية الدولة

محمد حلا

موقفنا المُعلن ” *لا للحرب إبتداءً ..نعم للسلام*” يبقى صحيحاً كموقف أخلاقي ثوري وكخارطة طريق ورفضاً لجوهر الحرب كمشروع طفيلي مدمر للبلاد ومقدراتها وترابط نسيجها الإجتماعي وفوق ذلك فأن الحرب *لم تطعم جائعاً ولم تداوي مريضاً* ولم تعزز مستقبل البلاد بتعليم الشباب بما يجعلهم داخل حضارة العالم اليوم والغد الرقمي. علينا أن نعترف بأن الحرب قد غيرت المشهد الإجتماعي تغييراً جذرياً ورُبَّ ضارةٍ نافِهةْ (مثل شعبي).

لقد تبين جلياً أن الحروب التي عاشها السودان وصولاً إلي الحرب الدائرة حالياً على إنها *ليستْ مُجرد صِراع مُسلح على السلطة والثروة*، ولا هي مواجهة عسكرية بين جيش حكومة ومليشيات مُعارضة كما يحاول دائماً أصحاب الخطاب السطحي إختزالها. ما حدث من حروب في السودان لسنوات طويلة ولا يزال أعمق وأخطر بكثير مما يمكن إدراكه خارج إطار إنهيار المعنى الذي يُفترض أن يحملهُ إسم الدولة نفسها، إن أردنا فهم ما يحدث بوعي. حرب 15 أبريل 2023م وضعت الجميع أمام واقع جديد ومنذ اليوم الأول من إندلاعها، وإمتلاء الميديا والفضائيات بالغوغاء ودعاة الفتنة مُروجي خطاب الكراهية وقد تبدّى للناس جميعاً سؤال كبير مسكوت عنه هو “*لماذا لم يتحول إسم «السودان» إلى خط دفاع أخلاقي ونفسي يمنع هذا الانزلاق الشامل؟* و”لماذا لم يكن هذا الأسم كافياً ليقول الأطراف المتحاربون كفى “*هنا وطن لا يجوز تدميره!!”.* والجواب المؤلم هو ” أن اسم السودان”، رغم ثقله التاريخي، لم يُؤسَّس يوماً كهوية وطنية وسياسية جامعة لتنوعه وتعدده. لقد وُلدت الدولة السودانية من رحمِ إسمٍ جغرافيٍ ممتد جنوب الصحراء إلي بحيرة تشاد قبل قرون، ثم تحوّل بقدرة قادر إلى كيان سياسي في ظل حقب الاستعمار التركي المصري والإنجليزي المصري، ومن ثم إنتقل إلى مرحلة الدولة الوطنية بالوراثة لا بالإختيار الطوعي. هكذا تم الإعلان عن ميلاد وطن لشعب متعدد الأعراق ومتنوع الثقافات لكنه *لم يُبنَى حوله عقد اجتماعي صارم*، لا هوية وطنية ولا سردية جامعة، ولا اتفاق على معنى للعيش المشترك فيه لهذا السبب أفتضح الأمر في هذه الحرب اللعينة. *فعندما غابت الدولة، عجز الأسم عن النهوض للدفاع عنها*.
الحرب الحالية دون كل حروب السودان الكثيرة قد فضحت هشاشة يقين النخبة السياسية ومثقفيها وإيمانها بالوطن الواحد المتعدد الثقافات والأعراق وكشفت أن ما كنا نطلق عليه «*السودان*» كان في الواقع *طبقات متراكمة من الانتماءات غير المتصالحة*، “جهات، قبائل، جيوش، مراكز وأطراف” *ورسبت النخب* جميعاً في درس الوطنية ومع أول إختبار وجودي، وتراجع الإسم الكبير (السودان) أمام إنتماءات *لتكوينات أصغر* لكنها أكثر فاعلية في زمن الخوف،إنها القبيلة والجهة وعجز الدين عن فرض سطوته فلكل جهة أنصارها وختميتها ويسارها.

اليوم وقد دخلنا عتبة السنة الرابعة للحرب ونحن لا نعيش حرباً واحدة في سودان واحد، بل نعيش سودانات متعددة داخل اسم واحد: (1) سودان تحت سيطرة الجيش، (2) وسودان تحت قبضة الدعم السريع، (3) وسودان منسي في الهامش، (4) وسودان هارب إلى المنافي، (5) وسودان صامت لا يملك سوى الانتظار وحكومة أمل في بورتسودان وحكومة سلام بنيالا وشعب يبحث عن رغيفة وكرامة وسلامة لروحه وممتلكاته.

فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إحتمال التفكك الجغرافي الذي نعيشه واقعياً، بل الخطر الحقيقي يكمن في تفكك السردية وفي إحتمالات أن يفقد الشعب السوداني القدرة على الإجابة عن سؤال بسيط لكنه في نفس الوقت مخيف وهو: لماذا نبقى معاً؟. الذي لا يتعلم من التاريخ يكرر أخطاءه والسودانيون تعلموا تكرار الأخطاء.
وتعلمنا نحن من التاريخ أن الدول لا تنهار فقط حين تسقط جيوشها، بل تنهار حين تفشل أسماؤها في تشكيل هوية تكون مظلة جامعة وتنهار حين لا يحمل إسم الدولة هويةً ومعنىً مُشتركاً، وحين يصبح الأسم مجرد لافتة فوق ساحة صراع وقد شهد التاريخ على تجربة الهند ويوغسلافيا وغيرها والسودان لم ولن يكون إستثناء.
لكل ذلك نعلوا من صوتنا ” لا للحرب نعم للسلام” فقد أصبح نداء إيقاف الحرب ضرورة أخلاقية وإنسانية عاجلة وواجب وطني وأقليمي ودولي. لكن علينا أن ندرك وبوعي ثوري حقيقة قاسية أن أردنا بشعبنا خير والخير في وحدته ووحدة ترابه ومصيره وتاريخه والحقيقة هي أن أيقاف الحرب وحده ليس كافياً فحتى لو صمتت البنادق وعاد الناس منازلهم، وإستعادوا قدرتهم على الكدح إلي ربهم سيبقى السؤال الكبير معلقاً وهو: هل نريد دولة إسمها السودان فقط؟ أم وطناً نسكن إليه ليُعاد تعريفه بإتفاق جديد على المعنى، والهوية، والعدالة؟.

مهما طال أمدها، ستضع الحرب أوزارها وإرادة الشعب السوداني غلابة وستنتصر على الطغاة فمن يرى المشهد متحركاً ومتراكماً ومتوتراً حتماً يرى الإنتقال إلي الكيف الأفضل قادم عندما يبلغ التراكم عتبة الإنتقال هكذا تعلمنا قوانين الطبيقة. والمعلوم بالضرورة أن ما بعد الحرب لا ينبغي أن يكون مرحلة إعادة إعمار فقط، بل يتوجب أن يكون لحظة تاريخية فارقة لإعادة تسمية معنوية وهوياتية للدولة، تسمية لا تغيّر الأسم بالضرورة، بل عمليه ثورية تُعيد شحنه بمحتوى جديد، يقدم الولاء للوطن والديمقراطية على الولاء للقبيلة والجهة، محتوى ثوري يعترف بالتعدد والتنوع، ويؤسس لشراكة حقيقية تحقق شعارات الثورة الحرية والسلام والعدالة، ويمنح الناس سبباً للتمسك بوحدة التراب والمصير وتعطيهم مببراً أخلاقياً للدفاع عن الوطن لا الهروب منه. فالأوطان لا تُحمى بالقوة وحدها، بل تقوَّى أعوادها بالمعنى (الهوية) الذي يجعل الناس جميعاً يرون فيه أنفسهم.
24 أبريل 2026م
الرياض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..