
على حافة الحقيقة نمضي بثبات… لا بحثاً عن الإثارة، بل محاولةً لفهم الجروح العميقة التي أنهكت السودان بصمت.
فبعض الأزمات لا تُرى في دخان البنادق وحده، بل تختبئ داخل الكلمات العابرة، والنظرات، والتصنيفات، وأشكال الاستعلاء المغلفة بالعادية الاجتماعية.
إنها العنصرية الناعمة… ذلك الوجه الغامض والخفي الذي ظل يتسلل إلى الوعي الجمعي حتى أصبح أحد أخطر محركات الأزمة السودانية.
ليست كل أشكال العنصرية في السودان تُقال بصوت مرتفع، ولا تأتي دائماً في هيئة شتائم مباشرة أو دعوات علنية للكراهية.
فهناك نوع أكثر خطورة وعمقاً… عنصرية تتسلل بهدوء داخل اللغة اليومية، والمزاح العابر، والأمثال الشعبية، وحتى داخل بعض الخطابات السياسية والإعلامية، حتى أصبحت جزءاً مألوفاً من الثقافة العامة دون أن ينتبه كثيرون لخطورتها.
إنها “العنصرية الناعمة”… الوجه الخفي للأزمة السودانية.
هذا النوع من العنصرية لا يرفع شعارات صريحة، لكنه يمارس التصنيف والإقصاء بصورة مستمرة.
ففي كثير من الأحيان يُختزل الإنسان السوداني في لونه أو قبيلته أو جهته، لا في أخلاقه أو علمه أو إنسانيته.
فتجد جماعات تُوصَف بالقوة والخشونة، وأخرى بالتخلف أو التبعية، وبعضها يُقدَّم باعتباره “أقرب للسلطة”، وأخرى باعتبارها “أقل قيمة” اجتماعياً، وكأن ملايين البشر يمكن اختصارهم داخل قوالب جاهزة وأحكام مسبقة.
والأخطر أن هذه التصورات لم تعد مجرد آراء فردية، بل تحولت مع الوقت إلى جزء من الوعي الجمعي، تتناقلها الأجيال بصورة تلقائية حتى بدت وكأنها حقائق ثابتة.
السودان، بطبيعته، بلد شديد التنوع والتعقيد، تشكل عبر قرون طويلة من التداخلات البشرية والثقافية. وكان من الممكن لهذا التنوع أن يصنع نموذجاً فريداً للتعايش والثراء الاجتماعي، لكن سوء إدارة الدولة، وفشل النخب السياسية، والاستغلال المستمر للهويات الضيقة، كلها عوامل ساهمت في تحويل التنوع إلى ساحة صراع مفتوح.
فكلما ضعفت فكرة الوطن، ارتفعت أسوار القبيلة والجهة واللون.
ولعل الحروب الطويلة التي عاشها السودان خلال العقود الماضية عمّقت هذه الأزمة بصورة خطيرة.
فالحرب لا تدمر المدن وحدها، بل تدمر أيضاً صورة الإنسان في ذهن أخيه الإنسان. ومع استمرار الصراعات، بدأت بعض الجماعات تنظر إلى بعضها البعض بعين الشك والاتهام الجماعي، وتحولت أخطاء الأفراد إلى أحكام تُلصق بمكونات كاملة.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضاعف حجم الكارثة، بعدما تحولت بعض المنصات إلى ساحات مفتوحة للتحريض والكراهية ونزع الإنسانية عن الآخر، وسط صمت مخيف من كثير من النخب والمثقفين.
إن أخطر ما في العنصرية الناعمة أنها تُمارَس أحياناً تحت غطاء “الطبيعية الاجتماعية”.
فالبعض يردد عبارات جارحة أو تصنيفات مهينة باعتبارها مزاحاً عادياً أو جزءاً من الثقافة الشعبية، دون إدراك أن تراكم هذه اللغة يخلق وعياً مشوهاً لدى الأجيال الجديدة.
ولهذا فإن المجتمعات لا تنهار فقط بالحروب والسلاح، بل تنهار أيضاً حين تفقد قدرتها على رؤية الإنسان خارج حدود القبيلة واللون والجهة.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى حلول سياسية أو اتفاقات عسكرية، بل يحتاج كذلك إلى مراجعة أخلاقية وثقافية عميقة تعيد تعريف العلاقة بين مكوناته المختلفة على أساس المواطنة والعدالة والاحترام المتبادل.
فلا توجد جماعة تحتكر الوطنية، ولا قبيلة خُلقت لتكون أعلى من غيرها، ولا لون يمنح صاحبه قيمة إنسانية أكبر.
إن معركة السودان الحقيقية ليست مع التنوع، بل مع الفشل في إدارة هذا التنوع بعدالة وحكمة.
ولهذا، فإن مواجهة العنصرية خاصة في صورتها الناعمة والخفية لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من النسيج الاجتماعي السوداني.
فالأوطان لا تُبنى بالاستعلاء، ولا بالكراهية، بل تُبنى حين يشعر الجميع أنهم متساوون في الكرامة والانتماء والمستقبل.
إن السودان لن يحميه لون، ولا قبيلة، ولا جهة… بل تحميه فقط عدالةٌ يشعر بها الجميع، وإنسانيةٌ تعلو فوق كل الانتماءات الضيقة.
سروري مع خالص تحياتي



