أخبار السودان
رسالة مبادرة المجتمع المدنى السودانى الى منظمات المجتمع المدنى الوطنية المستقلة

(لنعمل سويا من اجل تجمع واسع وجامع للمجتمع المدنى السودانى)
(المجتمع المدنى)
هو عقد اجتماعى عالمى جديد لصيق بالديمقراطية ، فقد ظهر مع ظهورها وتطور مع تطورها. هذه العلاقة العضوية مع الديمقراطية جاءت من واقع ان القيم التى تأسست عليها منظمات المجتمع المدنى هى نفس قيم الديمقراطية التى تقوم على التزام واضح بالحريات، العدالة الاجتماعية، صون حقوق الانسان، حقوق المرأة، مجتمع اللاعنف ونشر ثقافة السلام، سيادة حكم القانون والاستدامة فى استغلال موارد الارض. ولأن المواطن يحمل روح المسئولية، ولأنه كيان حقوقى قائم بذاته فى الدولة، بمعزل عن انتماءآته الاخرى: الاثنية، الدينية، السياسية ..الخ ، فيصبح من حقه التنسيق والتعاون والمشاركة مع المواطنين الآخرين، فى تكوين منظماته المدنية المستقلة عن الحكومات ليساهم فى تحقيق ونشر هذه القيم..وقد جاء هذا العقد الاجتماعى الديمقراطى تأكيد وتعزيزا لدور المجتمع المدنى، وليصبح شريكا معترفا به كممثل للمواطن. فالمواطن وحده، وليس اي جهة آخرى، هو المصدر الاساس لشرعية الحكومات، وهو المَعنِىُ اصلا بما تقدمها الحكومة من خدمات فى اطار مسئولياتها المحددة والمعلومة.
ان منظمات المجتمع المدنى (بكل مكوناته المتنوعة من المنظمات غير الحكومية والتجمعات الفئوية والاهلية والمهنية وقوى الاتحادات النوعية النساء والشباب والطلاب وتجمعات النازحين واللاجئيين والروابط المناطقية..الخ)، لا تسعى الى السلطة والحكم وانما تظل تناضل عبرمنظماته المتنوعة والمنتشرة على صعيد الوطن بل وعلى صعيد الكون، فى سبيل نشر مبادىء الديمقراطية، وتساهم فى تعميق مفاهيمها باكثر من الاحزاب السياسية نفسها، خاصة تلك الاحزاب المحملة بالايدلوجيات الاقصائية: دينية كانت او عرقية او سياسية او غيرها. ان الالتزام الصارم بالمباىء الانسانية المدنية هو الذى يمثل اساس قوة وقوام وثبات المجتمع المدنى المستقل، ويجعله محصنا من الاجندات الحزبية والايدلوجيات السياسية. وبهذه الصفات فأن المجتمع المدنى فى كل العالم، قد اصبح قوة مجتمعية اضافية، تدفع بالاوطان وبالمجتمعات نحو آفاق التطور الطبيعى التلقائى، وتساهم فى الوصول الى الحلول الجذرية للازمات المجتمعية. وفى حالات بلادنا التى تعانى من الحروب الاهلية، والتى أستوطنتها الكوارث والازمات السياسية، فالمجتمع المدنى يظل هو الضامن الوحيد، وعنصر التماسك الاساسى لبقاء وتطورالدولة الوطنية. ان منظمات المجتمع المدنى هى من اكثر المؤسسات حيوية فى المجتمعات الديمقراطية الراسخة والحديثة، وقد استطاعت فى كل البلاد ان تلعب دورا سياسيا فاعلا فى تحديد اجندة التحول الحضارى والثقافى والسياسى والمدنى، دون ان تصبح مطية للصراعات الحزبية والايدلوجية على السلطة. وفى الشئون المتعلقة بقضايا التنمية والسلام، فان دور المجتمع المدنى ومنظماته لا يقل اهمية عن دور الحكومات، خاصة بعد ان اصبحت الديمقراطية هى المعيار والقاعدة والانموذج والسلوك لكل الحكومات فى العالم، وبحيث اصبحت لاتوجد حكومة فى عالم اليوم، تنفى عن نفسها صفة الديمقراطية!.
مفهوم الشراكة فى المجتمع المدنى
المجتمع المدنى المستقل يؤمن بضرورة نهج الشراكة والتنسيق بين منظماته وبين الحكومات والاحزاب السياسية والقطاع الخاص، لما لمثل هذه الشراكة من دور مركزى فى تحقيق الاهداف الكبرى وبخاصة التنمية المستدامة والمنصفة. فالنتيجة الاجمالية لتكامل العمل بين هذه القطاعات هى أكثر جدوى وفائدة لتطور المجتمع، ومن هنا تأتى اهمية اعتراف الحكومات بمنظمات المجتمع المدنى المستقلة عنها، والعمل على تشجيعها لتتقوي وتتمكن من مخاطبة المشاكل المجتمعية بكل ابعادها الانسانية، المجتمعية، البيئية والاقتصادية، لتكون اكثر جدوى ونفعا للناس. فالانظمة الديمقراطية تسن القوانين التى تجعل المجتمع هو الذى يقود الدولة، وليس العكس، كما وتدرك أهمية قيادة وريادة منظمات المجتمع المدنى لقضية التطور التنموى والسياسى المستدام، وان أنشطتها انما هى متكاملة مع، ومكملة لدورالحكومة ولبرامجها التنموية، ومسهلة لمسئوليتها عن رفاهية المجتمع.
ان الحكومات السلطوية وحدها التى درجت على المخادعة بحيث تظهر نظريا اعترافها بمنظمات المجتمع المدنى، لكنها فى الواقع العملى تعرقل نشاطاتها وتسلط الاجهزة الامنية لتحد من حراكها. كما وتسعى دائما الى أنشاء منظمات موازية وموالية لها، تدعمها بالاموال والتسهيلات اللوجستية لتخدم اغراضها السياسية والايدلوجية، ولتكون ضرارا لمنظمات المجتمع المدنى، لأنها تعلم ان منظمات المجتمع المدنى المستقلة عنها، وبحكم طبيعتها الانسانية ومبادئها الاخلاقية، لا تتسامح، ولن تصمت عن الامور المتعلقة بانتهاكات حقوق الناس، لأن الصمت عن الانتهاكات تعتبر جريمة فى حد ذاته، ومخالف لجوهر القيم الانسانية الراسخة فى ضمير اعضاء هذه المنظمات، وخيانة للرسالة التى تؤمن بها والتى تواثقت عليها.
لقد ظلت منظمات المجتمع المدنى السودانية، وبتضامن ومناصرة المنظمات المدنية الاقليمية والعالمية والوكالات الدولية، تعمل على مدى نصف القرن الماضى فى معالجة التداعيات الناتجة عن السياسات الخاطئة الفاشلة للانطمة الدكتاتورية المتسلطة. وظلت تسعى لتقديم ما تستطيع من خدمات اولية واساسية للضحايا والمنكوبين من العجزة والنساء والاطفال، وتدافع عن حقوق ومصالح الفقراء الذين يعتمدون على معطيات البيئة الطبيعية التى اصبحت تزداد تدهورا فى كل عام.
التنمية المستدامة من منظور المجتمع المدنى
ان قضية التنمية هى التى كشفت فشل سياسات الحكومات الدكتاتورية فى الدول التى ترزح تحت عبئها وهى تعانى من متلازمات التخلف والجهل والفقر والمرض، الامر الذى استدعى طرح السؤال الموضوعى عن مشروعية مثل هذه الحكومات ومدى صلاحيتها ومسئوليتها عن المحكومين!. وان العالم كله ليرى ويشهد فشل مثل هذه الحكومات ومدى دمارها لموارد بلادها فى حروبات عبثية، وأضاعة حقوق مواطنيها بسوء الادارة وغياب الشفافية وتفشى الفساد والشهوة العارمة للسلطة مع غياب تام للمسئولية والمساءلة وانتفاء كامل لسيادة حكم القانون.
ان تجربة منظمات المجتمع المدنى على الصعيد العالمى قد توصلت الى حقيقة ان التنمية لا تعنى بالضرورة تطور القطاعات الاقتصادية المختلفة، كما ظل الاعتقاد سائدا، وانما تعنى ايجاد رؤية تربط المواطنين بفهم انسانى للتنمية، وتَبنى منهجية علمية موضوعية تبدأ بالتحول الجمعى نحو ثقافة السلام والحفاظ على البيئة واستدامتها، وصون حقوق الانسان والتعاون المشترك بين الناس من اجل التغلب على المشاكل المشتركة محليا، اقليميا و كونيا. هذا يعنى: ان استدامة البيئة وأنسنة السياسة، هما الشرطان الموضوعيان لتحقيق حياة افضل للناس. فالتنمية، فى المقام الاول، تعنى احترام تمييز آدمية الفرد وتطوير قدراته حتى يتمكن من الاستفادة القصوى من مقدراته المعرفية فى الاستغلال الامثل والارشد والمستدام للموارد.
مبادرة المجتمع المدنى السودانى او الخطوة الراسخة فىطريق التحالف الجامع للقوى المدنية السودانية
لقد استطاع المجتمع المدنى السودانى، رغم كل الصعاب والمعوقات، وبعد جهد وعمل دوؤب خلال العامين الماضيين، ان يحقق اختراقا كبيرا ونجاحا باهرا، اذ تمكن من بناء اول مظلة جامعة لقواه المدنية المستقلة، الا وهو (مبادرة المجتمع المدنى السودانى)، التى توًجت اعمالها خلال الاسبوع الاول من يناير للعام (2017 )، بأنعقاد جمعيتها العمومية، واجازت ميثاقها ونظامها الاساس، وكونت مكتبها التنفيذى. وقد اختارت الجمعية العمومية بالاجماع، الدكتور امين مكى مدنى رئيسا لها، وبذلك فقد اكتملت المرحلة الاولى فى طريق بناء التحالف الجامع للقوى المدنية السودانية المستقلة.
ان المبادرة لا تتوقع ان تجد اعترافا من الحكومة بحكم (قانون تنظيم العمل التطوعى السائد منذ العام 2006)، والذى لا يواكب مفهوم المجتمع المدنى الديمقراطى الذى طرحته المبادرة فى ميثاقها، ولا فى مشروع القانون المعدل للعام 2018). عدم التفاؤل نابع من ادراك حقيقة أن هذه الحكومة قد درجت على محاربة القوى المدنية المستقلة عن ارادتها، خاصة تلك التى تنشد الديمقراطية وتنادى بالحريات العامة والعدالة الاجتماعية والمساوآة وصون حقوق الانسان من الانتهاكات.
وأن مبادرة المجتمع المدنى السودانى قد تعهدت بأن تواصل النضال بكل الوسائل السلمية لأنتزاع حقوق المواطنين كاملة، وبالسعى فى بناء تحالف القوى المدنية السودانية الذى ننشده.
نداء المبادرة الى كل قوى المجتمع المدنى والى كافة الشعب السودانى
أن افاقا جديدة لا بد ان تنفتح امام القوى المدنية السودانية ومنظماتها المستقلة لتقوم بدورها المنوط نها. وتدعو المبادرة كل القوى الوطنية المدنية الديمقراطية، للمزيد من تنظيم صفوفها وبناء تشكيلاتها القاعدية من اجل ممارسة حرياتها الشرعية والمشروعة، كما تدعوا الناشطين المدنيين المهنيين ان يشرعوا فى النضال لرفض (قانون العمل التطوعى) بشكله الحالى، وتدعو لتشريع قانون خاص (بمنظمات المجتمع المدنى). وبان يواصلوا نضالاتهم من اجل المساهمة فى صناعة السياسات التى تؤثر فى قضاياهم المجتمعية والمعيشية، وكل القضايا الحيوية، التى اصبحت تشكل مهددا عمليا لوجود الوطن نفسه.
لقد امضى شعبنا جل اعوام الاستقلال التى ناهزت الستين، فى هجير انظمة دكتاتورية عسكرية وسلطوية، كانت اسوأ حالا من اعوام الاستعمار الاجنبى من حيث الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومضت اعوام الاستقلال هباء منثورا، اذ حرمت هذه الانظمة شعبنا من نيل حريته و حقوقه الانسانية والوطنية والمدنية، واستحال عليه فى اتون الحروبات الاهلية العبثية والمصطنعة، ان يكمل بناء دولته الوطنية الموحدة لشعوبه المتنوعة، او ان يحقق ذاته بين الشعوب والامم، التى مضت شأوا بعيدا فى تحقيق التنمية الاقتصادية والتطور المجتمعى، فى وقت ظل فيه شعبنا يعانى من الاوضاع البئيسة والخانقة بسبب انعدام الحريات ومن جسامة الانتهاكات لحقوقه الانسانية.
1. مضت اكثر من ستين عاما من استقلال بلانا، ولما يدرك السياسيون الدكتاتوريون بعد، أن الاوطان لا يمكن ان تُبنى بقهر شعوبها! وان التطبيق القسرى للايدلوجيات الاقصائية، لن يعالج قضية التنوع او الهوية.. وان هيبة الدولة لا تُفرض بالجهاد الكاذب ولا بسطوة اجهزة الدولة القمعية، ولا بالحروبات الاهلية والقتل الجماعى، وانما بالديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية وبالتراضى بين مكونات وكيانات الوطن السكانية. ان السلام الاجتماعى، سوف لن يتحقق ابدا بالمليشيات المؤدلجة عرقيا او دينيا، ولا بالاسلحة الفتاكة. وان اؤلئك الذين اسشعروا الظلم والضيم التاريخى الذى لحق بمناطقهم وبشعوبهم وكياناتهم الاثنية فتمردوا واشهروا السلاح فى وجه الاستبداد والفسادة، لا يمكن مخاطبتهم بالقهر وقمع ودمار شعوبهم وكيانتهم لكى يذعنوا، اذ لا عزة ولا كرامة لشعب او كيان وطنى يقبل الذلة والقهر من كائن من كان، ناهيك من دولته وحكومته، ولا مجد ولا عظمة لدولة تقهر شعبها وتقتلهم جماعيا من اجل ان يبقى الحاكم على سدة الحكم.. فأمثال هولاء غير جديرين وغيرمؤهلين ان يحكموا شعوبا حرة وابية.
جميعا وان نعترف ان الاخطاء والجرائم التى ارتكبت فى حق شعوبنا فى كل ارجاء الوطن، تستحق منا جميعا الاعتراف بها الاعتذار عنها، فألاعتذار الشريف يخفف الاذى الجسيم الذى لحق بهم، وان نسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وبذلك وحده يمكننا ان نتسامح، وان نتراضى، ومن ثم ننطلق نحو المستقبل.
اننا نعيش فى عصر وحدة الشعوب المتنوعة بطوعها واختيارها وارادتها الحرة، وليس بقهرها وقمعها، وكل شعبنا شعب ابى ولن يرضخ لضيم، وسوف لن نستطيع ان نوحد تعدده وتنوعه الا برضائه، ومع الوحدة المتراضية يكون الخلق والابداع.. فلنبسط الحريات ونحسن ادارة التنوع ونحقق العدالة الاجتماعية بين الجميع ان اردنا وطنا يسع الجميع، وتلكم هى غايتنا ورسالتنا ونحن فى سبيلها ناشطون.
المكتب التنفيذى لمبادرة المجتمع المدنى



