
يمر السودان بأسوأ أزمة في الحكم والإدارة والنسيج الاجتماعي منذ تكوينه كدولة حديثة، وذلك بسبب غياب الوعي بقيمة الحكم المدني، وسيطرة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة، بمساعدة، وللأسف، بعض المدنيين من القوى السياسية والمدنية.
هذه الظاهرة أقعدت السودان كثيرًا عن اللحاق بركب التقدم والتطور مثل باقي الدول الأخرى، لا سيما الدول المجاورة والمشابهة للمجتمع السوداني.
سنأخذ، على سبيل المثال، كينيا كدولة مدنية فدرالية تشبه السودان كثيرًا من حيث التعدد الإثني والثقافي، وغيرها من أوجه التشابه.
أيضًا، كينيا واحدة من الدول التي استعمرتها بريطانيا، مثل السودان، وورثت خدمة مدنية ووعيًا مجتمعيًا أقل من السودان، لكنها حافظت عليهما، بل طوّرتهما دستوريًا، مما انعكس بردًا وسلامًا على شعوبها. والجدير بالذكر أن التجربة الكينية تحتاج إلى مزيد من الدراسة والاستفادة منها في الحالة السودانية، خاصة فيما يتعلق بأزمة الحكم والإدارة.
القوى السياسية في كينيا، الحاكمة منها والمعارضة، على مستوى عالٍ جدًا من الوعي السياسي فيما يتعلق بعملية الحكم والإدارة والثوابت الوطنية العامة.
هذا الوعي، للأسف، تم تشويهه في السودان نتيجة فشل القوى السياسية التي ورثت الدولة السودانية بعد الاستقلال، ثم جاءت الإنقاذ بحماقاتها وجهلها، فأكملت الناقص. لذلك نرى هذا الانحطاط والتراجع في كل شيء، وبشهادة من كانوا في قيادة الإنقاذ أنفسهم!!
ما يجري في السودان الآن هو نتيجة لفشل النخب السودانية، التي فشلت في إدارة حد أدنى من التوافق فيما بينها، أولًا: (يمين/يسار) و(هامش/مركز). وهنا أعني بالنخب حزب الأمة القومي، والاتحادي الديمقراطي، والحزب الشيوعي، وأخيرًا الإسلاميين برئاسة الترابي وأتباعه، وبعض المثقفاتية ووجهاء المجتمع، أو ما يُعرف مجازًا بـ«دولة 56».
هذا الفشل أنتج مجموعة من الانتهازيين، عسكريين ومدنيين، ظلوا يشكلون هذا الوضع المأزوم، والذي يجب أن يتغير إذا أردنا الحفاظ على السودان ككيان، واللحاق بركب التنمية على الصعيد الإقليمي فقط!!
السودان، قبل هذه الحرب، فقد الكثير من بنيته التحتية الأساسية، من سكك حديدية، وناقل جوي وبحري ونهري، وخدمة مدنية، وتخطيط عمراني، وغابات، وثقافة، وصحافة، وأخلاق… فقد كان النموذج الذي يباهي به الإنجليز في العالم بعد الهند.
أين نحن الآن؟!
هذه الحرب قضت على ما تبقى، وأصبح السودان دون مستوى غيره من دول الجوار، حتى الدول التي نالت استقلالها حديثًا.
الأمر أكبر من البرهان وحميدتي، وكامل إدريس، وندى القلعة، وكاشا النيل، وبابوية جرجرة، والبراء بن مالك، ومحمد السر مساعد، والجهاد في سبيل الله، والتكايا، وشيخ الزين!!
عليه، لكي نخرج من هذا الفشل والانحطاط، لا بد من وقف الحرب أولًا، من دون أي شروط مسبقة، ومن ثم إجراء حوار وطني شامل يفضي إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية فدرالية، وفق دستور يتوافق عليه الشعب السوداني.
أيضًا، لا بد من وضع أسس وضوابط فيما يتعلق بإدارة التنوع والحكم الفدرالي، وفق دستور صارم يتوافق عليه القوى السياسية والمدنية والعقلاء، دون مجاملة.
وللحديث بقية….



