حين انحازت الدولة للتعليم: شهادة للتاريخ من عهد الحكومة المدنية

في زحام الدم والدخان، وفي قلب العواصف التي أحاطت بالحكومة المدنية نتاج ثورة ديسمبر المجيدة، كثيرًا ما تُطمس الإنجازات الصغيرة في ظاهرها، العميقة في دلالتها. غير أن التاريخ لا يُكتب بالضجيج وحده، بل يُكتب كذلك بتلك اللحظات النادرة التي تستعيد فيها الدولة معناها الأخلاقي، وتنحاز فيها للناس لا عليهم.
لأول مرة – على الأقل – منذ أكثر من خمسين عامًا، جلس التلاميذ في ولاية الخرطوم لامتحاناتهم بلا رسوم. نعم، بلا جبايات، بلا إذلال للأسر الفقيرة، بلا استجداء أو مساومات في مكاتب المدارس. حدث ذلك في عهد الحكومة المدنية التي جاءت بها ثورة ديسمبر، في لحظة فارقة كسرت تقليدًا جائرًا رسّخه الاستبداد طويلًا، حين حوّل التعليم من حقٍ أصيل إلى سلعة، ومن واجب الدولة إلى عبء على المواطن.
لم يكن القرار إداريًا محضًا، بل كان موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا في جوهره: أن التعليم حق لا يُشترى، وأن الدولة وُجدت لتخدم لا لتجبي. وفي السياق نفسه، وللمرة الأولى منذ عقود، جرى تحفيز المعلمين من خزينة الدولة، اعترافًا – ولو متأخرًا – بدورهم المحوري في بناء المجتمع، بعد سنوات طويلة من التهميش والإفقار والإهانة الممنهجة.
هذه الخطوات لم تكن معزولة، ولم تهبط من فراغ. فقد كانت ثمرة نضال صبور وعنيد خاضته لجنة المعلمين السودانيين، ذلك الكيان العملاق الذي لم يساوم، ولم يبدل بوصلته، وظل منحازًا للتلميذ والمعلم معًا، في وجه دولة عميقة اعتادت كسر الظهر التربوي للمجتمع.
والتحية، في هذا المقام، واجبة وموثقة للتاريخ:
التحية للأستاذ محمد إبراهيم، مدير عام التعليم، الذي تحمّل مسؤولية ثقيلة في ظرف بالغ التعقيد، وانحاز للعدالة التربوية رغم شح الموارد وكثرة العراقيل.
والتحية للمناضل الجسور الأستاذ حمزة الفحل، مدير تعليم الأساس بوزارة التربية والتعليم – ولاية الخرطوم، الذي جسّد معنى المسؤول العام المرتبط بقضايا الناس، لا المحتمي بالكرسي ولا الخائف من اتخاذ الموقف الصحيح.
لقد كانت تلك الفترة القصيرة، رغم هشاشتها السياسية ومحاصرتها من قوى الردة، شاهدًا على ما يمكن أن يكون عليه السودان حين تُدار شؤونه بعقل الثورة وروحها. وحين يُرفع الظلم عن التعليم، ولو جزئيًا، تتكشف إمكانيات الوطن الكامنة.
إن استدعاء هذه التجربة اليوم ليس حنينًا رومانسيًا، بل فعل مقاومة للنسيان، وتأكيد على أن ثورة ديسمبر لم تكن وهمًا، وأن الحكومة المدنية – رغم كل ما شابها – أنجزت ما عجزت عنه أنظمة عسكرية ومدنية متحالفة مع الفساد طوال نصف قرن.
سيكتب التاريخ أن هناك لحظة قصيرة في السودان، انحازت فيها الدولة للتلميذ، واحترمت المعلم، وأعادت للتعليم بعض كرامته. وتلك، في حد ذاتها، إنجازات لا تُمحى، مهما طال ليل الردة والانقلاب الذي يحارب النجاح.



