مقالات وآراء

تسلا اختلال جميل في قلب الوجود التقني

ماجد عرمان

لم تعد الحداثة، كما اعتدنا وصفها، عبارة عن طور تاريخي، بل غدت بتعبير هايدغر مصيرا للوجود نفسه، تنقلب فيه التقنية من وسيلة إلى أفق شامل يحدد ما يمكن للإنسان أن يكونه. نحن نعيش اليوم داخل الانكشاف التقني، عالم يقدم لنا كـمورد مستعد للاستعمال، ويعاد فيه تعريف الإنسان بوصفه وظيفة داخل آلة كونية صماء لا ترى فيه إلا قابليته للتشغيل. وفي هذا الضجيج التغني الذي يُشيّئ كل شيء، يطل اسم نيكولا تسلا كعلامة على حداثة أخرى ممكنة، حداثة تصغي لما يكشفه الوجود بدل أن تخضعه.

وُلد تسلا عام 1856 في قرية سميلجان، ضمن إقليم البلقان (كرواتيا الحالية) لكن هدوء الجغرافيا لم يكن يشبه العاصفة الكونية التي حملته إلى العالم. لم ير الطاقة بوصفها مادة تستثمر، بل بوصفها رعشة في نسيج الوجود، تموجا يذكر بالطبقات الوجودية عند هارتمان حيث تتجاور المادة والحياة والروح والقيمة. كان يتعامل مع الكون كما لو أنه ذبذبة كبرى، وكل ما نراه ليس سوى صدى لها. لم يكن عبارة عن مخترع، بل صاحب نظرة تُدرك أن التقنية ليست حلولا تُنتج، بل إمكانات وجود تُفتح، وأن السؤال الجوهري لا يبدأ بما نصنعه، بل بما نصبحه نحن أثناء صنعه.

وفي عالم يتماسك على مستوى البُنى ويتفكك على مستوى المعنى، كما يجمع بارسونز وباومان، حاول تسلا أن يعيد للتقنية روحها الأخلاقية. بارسونز يرى المجتمع شبكة وظائف متناسقة تتوسع بالحداثة، بينما يرى باومان حداثة سائلة تُذيّب الروابط وتترك الفرد عائما بلا جذور. وقف تسلا بين الاثنين، رأى قوة النظام التقني، وخشي سيولته اللامتناهية. أراد حداثة تنظم الحياة دون أن تفرغها، وتسرع العالم دون أن تخيف الإنسان من فقدان نفسه.

ومثل ميرلو بونتي، الذي أعاد الاعتبار للجسد بوصفه التماسا حيا مع العالم، كان تسلا ينظر إلى الطاقة كجسد آخر للكون، كوسيط يتجلى الوجود من خلاله بحسّية مدهشة. لم يكن عقلا تجريدي هائما في سماء الرياضيات، بل رجلا يرى الضوء تجربة قبل أن يكون تيارا كهربائيا، والذبذبة إحساسا قبل أن تكون معادلة. التقنية عنده لم تكن نفيا للحس، بل لغة جديدة له.

غير أن الحداثة التي نعيشها اليوم انزلقت إلى ما كان يتوجس منه، انفصال القدرة عن القيمة، وانكسار الرابط بين التجربة ومعناها، وانزلاق الصوت بعيدا عن الوجود الذي ينطقه. لقد تحققت أحلامه التقنية، الطاقة، الاتصالات اللاسلكية، المحركات الكهربائية، غير أن روحه لم تتحقق. إن العالم حول صلابة أحلام تسلا إلى سيولة استهلاكية عابرة، وإن التقنية قد تحررت من جذورها الأخلاقية وصارت قدرة بلا ضمير.

وحين اختارت شركة Tesla اسمه، كان ذلك تكريما منقوصا، وتقديرا للقدرة دون الوعي. أخذت الحداثة منه ما يجعل العالم أسرع، وتركت ما كان سيجعله أعمق. إن العالم لم يصغِ لنداء الوجود الذي تردد في رؤاه، وأننا جعلنا التقنية قدرا لا فكاك منه بدل أن نجعلها فسحة لحرية جديدة.

مات تسلا في غرفة فندق متواضعة في نيويورك، وفي غرفة تحمل الرقم 3327، أنهى تسلا رحلته عام 1943. مات بصمت، لكن المدن التي أضاءتها أفكاره لم تتوقف عن اللمعان. مات وحيدا، لكن أثره يتردد اليوم في كل شاشة ومصباح وبوصلة كهربائية. رحل بصمت يليق برجل كان الضوء أقرب أصدقائه. وحين التفت العالم إليه كان الزمن قد تجاوزه، لكن أثره ظل يتردد في تفاصيل حاضرنا كل يوم.

كان تسلا مشروعا فلسفيا يرتدي معطف عالم. كان يبحث عن حداثة لا تُقصي الروح ولا تقطع الجسر بين الإنسان وكونه. لم يكن معاديا للتقنية، بل باحثا عن موضع للإنسان داخلها، كائن قادر على الحس، على الحضور، على أن يمنح المعنى لما يصنعه. وفي عالم يتسارع دون مقصد، كان يذكرنا بأن المعرفة التي لا تحمي ضعف الإنسان ليست معرفة، وأن الطاقة التي لا تُضيء القيم ليست تقدما، وأن الحداثة في نهاية المطاف ليست نظاما ولا سوقا ولا قدرة، بل سؤالا مفتوحا على الوجود: ماذا نفعل بهذا العالم، وماذا نفعل بأنفسنا ونحن نصنعه؟

تعليق واحد

  1. شكرا ابننا استاذ عبد الماجد مقال جميل وشيق يطوف بنا في عوالم فلسفية رائعة … نتطلع للمزيد من التبحر في عوالم النوابغ من البشرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..