مقالات وآراء

في ذكراه ال ٨٠ ماهي أبرز معالم مسيرة الحزب الشيوعي؟ (1/2)

بقلم / تاج السر عثمان
1
يصادف هذا العام مرور ٨٠ عاما علي تأسيس الحزب الشيوعي الذي تأسس في ١٦ أغسطس ١٩٤٦ ، وهي مناسبة عزيزة علي الشيوعيين والديمقراطيين وأصدقاء الحزب ، تتطلب الذكرى التأمل في المسيرة المفعمة بالنضال والتضحية ونكران الذات التي خطاها الشيوعيون السودانيون دفاعا عن الإستقلال والسيادة الوطنية ، والديمقراطية والتنمية المستقلة، فماهي أبرز معالم تلك المسيرة؟.
النشأة والتطور:
تأسست “الحركة السودانية للتحرر الوطني” – حستو – ( الحزب الشيوعي فيما بعد) في 16 اغسطس 1946م من عمال ومثقفين وطلبة. منذ تأسيسه اهتدي الحزب بالماركسية كمنهج وفق ظروف وخصائص السودان، وجاء تأسيس الحزب امتدادا لتقاليد الحركة الوطنية السودانية الحديثة التي إنبلج فجرها بتأسيس جمعيتي الاتحاد السوداني واللواء الابيض واندلاع ثورة 1924م، ونهوض الحركة الثقافية والأدبية والرياضية، وخروج المرأة للعمل والتعليم، وتطور التعليم المدني الحديث، وظهور الصحافة الوطنية (الحضارة السودانية، النهضة، الفجر) التي اسهمت في رفع درجة الوعي الثقافي والفكري والسياسي. وبالتالي جاء ميلاد الحزب الشيوعي تطورا طبيعيا ومنطقيا للفكر السوداني.
وكانت الحركة حاجة ماسة فرضتها ظروف البلاد، وكما أشار عبد الخالق محجوب في كتابه “لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني” أن الحركة: ” ارتبطت منذ تأسيسها بالنضال والمظاهرات ضد الاستعمار ( المظاهرات التي قام بها الطلبة في عام 1946م)، وقدمت الحركة عموميات الماركسية باللغة العربية، وجذبت عددا من المثقفين الوطنيين والعمال لصفوفها، وارتبطت بالحركة الوطنية التحررية منذ نشأتها.
٢
وعندما تأسست الحركة السودانية للتحرر الوطني كان الشعاران المطروحين في الساحة السياسية: “وحدة وادي النيل تحت التاج المصري” ، و”السودان للسودانيين تحت التاج البريطاني” . باستخدام المنهج الماركسي تمت دراسة الواقع ، وتوصلت “الحركة السودانية… ” الي الشعار البديل المناسب وهو: “جلاء الاستعمار عن السودان ومصر وحق تقرير المصير للشعب السوداني” ، والكفاح المشترك بين الشعبين المصري والسوداني ضد الاستعمار ، وكان هذا هو الشعار الذي التفت حوله الحركة الوطنية فيما بعد وكان استقلال السودان عام 1956م بعيدا عن الاحلاف العسكرية، كما لاينسي شعب السودان تضامن الاتحاد السوفيتي معه عام 1947 م عندما وقف في الجمعية العامة للامم المتحدة مطالبا باستقلال السودان.كما رفض الحزب الشيوعي صيغة النقل الاعمي لتجربة الكفاح المسلح علي نمط التجربة الصينية ، والتي طرحت عام 1952م، وقدر ايجابيا خصوصية نضال شعب السودان الديمقراطي الجماهيري الذي افضي الي الاستقلال بدون الكفاح المسلح.
وفي عام 1947م، دار في الحزب صراع فكري حول: هل يظل الحزب الشيوعي مستقلا سياسيا وفكريا وتنظيميا ام يكون جناحا يساريا داخل الأحزاب الاتحادية (كما عبرت مجموعة عبد الوهاب زين العابدين سكرتير الحزب آنذاك)؟، وكان من نتائج هذا الصراع أن ساد اتجاه الوجود المستقل للحزب، وتأكدت الراية والهويّة المستقلة للحزب، وبعد ذلك انطلق الحزب واسهم في تأسيس “هيئة شئون العمال في عطبرة”، و تنظيمات “رابطة الطلبة الشيوعيين” و”مؤتمر الطلبة” و”الجبهة الديمقراطية للطلاب”، و”رابطة النساء الشيوعيات” و”الاتحاد النسائي”، و”اتحاد الشباب”، واتحادات العمال والمزارعين والموظفين والمعلمين..الخ. واصدر صحفه المستقلة مثل: مجلة “الكادر”(الشيوعي فيما بعد) والتي كانت وحتي اليوم داخلية، ومجلة “الوعي”، وصحيفة “اللواء الأحمر” التي كانت جماهيرية و صحيفة “الميدان” التي تأسست عام 1954م، وتم وضع دستور للحزب، بعد أن كانت تحكمه العلاقات الشخصية وغير المبدئية، وتم تصعيد النضال ضد الجمعية التشريعية عام 1948م، وقدم الحزب شهداء في ذلك مثل: الشهيد قرشي الطيب في عطبرة.
٣
*وبعد اتفاقية 1953م، رفض الحزب الشيوعي شعار الاتحاديين ” تحرير لاتعمير”، وطرح شعار ” لاتحرير بلا تعمير”، باعتبار أن الاستقلال السياسي وحده لايكفي، بل يجب استكماله بالاستقلال الاقتصادي والثقافي، وانجاز مهام الثورة الوطنية اليمقراطية، وطور الحزب هذا الخط في برامجه المجازة في المؤتمرات: الثالث والرابع والخامس.
ورغم أن الحزب الشيوعي كان الوحيد الذي نظر لاتفاقية فبراير 1953م نظرة ناقدة وكشف عيوبها مثل: السلطات المطلقة للحاكم العام ، وتأجيل الاستقلال لمدة ثلاث سنوات، ولكنه انتقد موقفه الخاطئ منها من زاوية أنه لم ينظر لجوانبها الايجابية باعتبارها كانت نتاجا لنضال الشعب السوداني، وأن المستعمرين تحت ضغط الحركة الجماهيرية تراجعوا
النضال من أجل الحقوق والحريات الديمقراطية:
*وكانت مسألة الحقوق والحريات الديمقراطية والنقابية من المحاور المهمة في نضال الحزب السياسي الجماهيري، وكان هناك اضراب الحريات المشهور عام 1952م، واصل الحزب دفاعه عن الحقوق والحربات السياسية والنقابية ، وطور موقفه من الديمقراطية في وثيقة اللجنة المركزية ” جبهة للديمقراطية وانقاذ الوطن 1977م”، ووثائق المؤتمر الخامس( التقرير السياسي والبرنامج والدستور)، ورفض نظام الحزب الواحد والشمولية والتاكتيك الانقلابي للوصول للسلطة، ورفض استغلال الدين في السياسية لخدمة مصالح طبقية دنيوية ضيّقة، وطرح الدولة المدنية الديمقراطية في وجه دعاوي الدولة الدينية التي تصادر الحقوق والحريات الديمقراطية باسم الدين والدستور الاسلامي.
٤
موقف الحزب من مشكلة الجنوب:
* في اوائل الخمسينيات من القرن الماضي ، كون الحزب الشيوعي لجنة لدراسة مشكلة الجنوب ، ونتيجة لدراسة واقع المشكلة ، وبعيدا عن المنقول من الكتب الماركسية، توصل الحزب الي شعار “الحكم الذاتي الاقليمي” ، والاعتراف بالفوارق الثقافية بين الشمال والجنوب ، وحق الجنوبيين في استخدام لغاتهم المحلية في التعليم ، وقد طور الحزب ذلك لاحقا في عام 1994م، بطرح حق تقرير المصير كحق ديمقراطي انساني ، مع بذل اقصى الجهد في الدفاع عن وحدة الوطن وقيام دولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو اللغة أو العرق أو الثقافة.
٥
الصراع من أجل وجود الحزب الشيوعي المستقل:
*أما علي مستوي تنظيم الحزب، كما أشرنا سابقا، فقد بدأ الصراع ضد اسلوب عمل أول لجنة مركزية للحركة السودانية للتحرر الوطني كما جاء في كتاب عبد الخالق محجوب “لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني” ، تلك القيادة التي لم تبرز وجه الحزب المستقل ، واختزلت التعليم الماركسي في بعض النصوص الجامدة – ولم تدرس أوضاع البلاد أو تحاول دراسة واقع البلاد من زاوية الماركسية ، ولم تتجه لبناء الحزب وسط الطبقة العاملة ، بل الأخطر من ذلك كله أن الحزب لم تتوطد فيه لائحة ، بل ظلت العلاقات بين أعضائه وهيئاته تسودها الاتجاهات الشخصية اكثر من الروابط التنظيمية، وهذا الصراع كان خطوة هامة في مواجهة الجمود الستاليني. أشار عبد الخالق الي أن الصراع والنقد بدأ يبرز ضد هذا الاتجاه، وتوصل الصراع والنقد عام 1947م الي حل المسائل التالية: بناء فروع وسط الطبقة العاملة وترقية كادر عمالي وسط القيادة، وضع لائحة للحزب، اصدار مجلة الكادر(الشيوعي فيما بعد)، اصدار منشورات مستقلة باسم الحزب، تصعيد النشاط السياسي الجماهيري المستقل ضد الاستعمار عام 1948م، حل مشكلة التحالف مع الرأسمالية الوطنية علي أساس التحالف والصراع، الدخول في جبهة الكفاح ضد الجمعية التشريعية وتصعيد النضال ضدها.
٦
وبعد معارك الجمعية التشريعية (1948) ، تواصل الصراع من أجل ترسيخ الديمقراطية في الحزب، وضد اسلوب ومنهج عمل اللجنة المركزية بقيادة عوض عبد الرازق ، واستمر الصراع ضد هذه القيادة والتي قيدت نشاط الحزب المستقل ، هذا اضافة لضيق العمل القيادي وغياب الديمقراطية في الحزب ككل، وكانت العلاقات بين اللجنة المركزية والمستويات التنظيمية الأولي تنحصر في اصدار القرارات وتنفيذها ، ولم يكن في الحسبان مناقشة قرارات ل.م ناهيك عن انتقادها( التجاني الطيب، مجلة الشيوعي، العدد 150). وكان من نتائج هذا الصراع أن انبثقت فكرة المؤتمر التداولي الذي انعقد عام 1949م، وجاء كشكل أرقي لتوسيع الديمقراطية ومشاركة الحزب ومحاسبة اللجنة المركزية عن أدائها. انجز المؤتمر التداولي تعديلات في لائحة الحزب لتتلائم مع تطور الحزب وجرى كفاح ضد الانحلال التنظيمي والعلاقات الفردية ليحل محلها الضبط التنظيمي والعلاقات المبدئية. كما عملت اللجنة المركزية لدعم الديمقراطية في الحزب فاجرت انتخابات القادة (بعد المؤتمر التداولي)، وعقد أول مؤتمر للحزب عام 1950م، كما تم نشر قرارات المؤتمر التداولي لأعضاء الحزب في مجلة الكادرلابداء الرأى حولها.
المؤتمر الأول اكتوبر 1950: طرحت اللجنة المركزية في ذلك المؤتمر قضايا سياسية وفكرية وتنظيمية أمام المؤتمر لاتخاذ قرارات بشأنها ، كانت تلك أول مرة يحدث فيها ذلك في تاريخ الحزب ، كما أجاز المؤتمر الدستور الذي ساهم في الاستقرار التنظيمي، والذي تطور في مؤتمرات الحزب اللاحقة: الثاني 1951م والثالث 1956 والرابع 1967، والخامس2009 م ، وكان من نتائج المؤتمر ايضا انتخاب اللجنة المركزية والتي قبل ذلك كانت عضويتها تكتسب بالتصعيد ( أى بقرار منها بضم اعضاء لها)، وتلك كانت ايضا خطوة حاسمة في ترسيخ الديمقراطية داخل الحزب. كما أشار المؤتمر الي ضرورة ربط العمل الفكري بالعمل الجماهيري واستقلال الحزب في نشاطه بين الجماهير واعلان موقفه المستقل في كل المسائل من منابره المختلفة، أى رفض المؤتمر اتجاه عوض عبد الرازق الذي كان يقول بدراسة النظرية أولا ، ثم العمل الجماهيري ، علي أن يتواصل نشاط الحزب الشيوعي من داخل الأحزاب الاتحادية.
بعد المؤتمر الأول وقع الصراع الداخلي ، وكان الرد بفتح المناقشة العامة علي صفحات مجلة الكادر(الشيوعي فيما بعد).طارحا على الأعضاء القضايا مدار الصراع. وكان اتجاه عوض عبد الرازق يرى أن وجود الطبقة العاملة الصناعية ضعيف في السودان ، وبالتالي لاداعي للتسرع بتكوين حزب شيوعي مستقل، وأن يتواصل نشاط الحزب من داخل الاحزاب الاتحادية، كما كان يرى ضرورة دراسة النظرية أولا قبل التوجه لبناء الحزب وسط العمال والمزارعين، ولاداعي لاغراق قيادة الحزب بكوادر عمالية مستواها النظري ضعيف.
٧
وانعقد المؤتمر الثاني في اكتوبر 1951م، وحسم المؤتمر الصراع الداخلي لمصلحة وجود الحزب المستقل ، وان النظرية ترشد الممارسة والممارسة تغني وتطور النظرية، واقر المؤتمر أول دستور لتنظيم حياة الحزب الداخلية وتحديد هويته كحزب ماركسي ، وبعد المؤتمر وقع انقسام مجموعة عوض عبد الرازق ، وقررت اللجنة المركزية طرد المنشقين.
واضح أن اتجاه مجموعة عوض عبد الرازق كان اتجاه عزلة وجمود( دراسة النظرية بمعزل عن الواقع ، اخفاء هوية الحزب ، العمل فقط من داخل الأحزاب الاتحادية ).
هكذا من خلال صراع الأفكار، بدأت تكون هناك حيوية داخل الحزب ، ومن خلال الصراع ضد الجمود بدأت تتسع الديمقراطية داخل الحزب ( المجلة الداخلية، المؤتمرات ، الاجتماعات الموسعة، انتخاب اللجنة المركزية، فتح المناقشة العامة..حسم الصراع ديمقراطيا بالتصويت ،..الخ)، ولكن مجموعة عوض عبد الرازق لم تقبل رأى الأغلبية بروح ديمقراطية، ومواصلة ابداء وجهة نظرها من داخل الحزب ، ولجأت الي التآمر والانقسام، وفشلت في تكوين تنظيم جديد.
٨
بناء الحزب في كل الظروف: مدها وجزرها:
وفي عملية بناء الحزب ، كانت ابرز الخطوات هى التي جاءت في اجتماع اللجنة المركزية في مارس 1953م، الذي أشار الي ضرورة بناء الحزب كعملية ثابتة وفي كل الظروف مدها وجزرها ، كما طرح ضرورة بناء الحزب علي النطاق الوطني ليصبح حزبا شعبيا وتحويل الحزب الي قوى اجتماعية كبري . وكذلك طرحت وثيقة “خطتنا في الظروف الجديدة”، الصادرة في يناير 1954م، السؤال: كيف يتم تحويل الحزب الي قوة اجتماعية كبري؟.كما أشارت الي ضرورة تقوية الحزب سياسيا وفكريا وتنظيميا، كما أشارت الي أن عملية بناء الحزب تتم في كل الظروف جزرها ومدها، وتعميق جذور الحزب وسط الطبقة العاملة .
كما أشارت وثائق تلك الفترة الي الاهتمام بالمرشحين وفترة الترشيح، والارتباط بالجماهير وفهم مشاكلها وقيادتها قيادة يومية، اضافة الي تأمين الحزب ومحاربة روح الغفلة ، وضرورة الاهتمام بالعمل الاصلاحي: الجمعيات التعاونية، محو الأمية، الأندية الرياضية والثقافية .. الخ. ونجح الحزب في استنهاض حركة جماهيرية واسعة ( بناء الحركة النقابية وحركة المزارعين، والحركة الطلابية، حركة الشباب والنساء،..الخ)، وقيام الجبهة المعادية للاستعمار ، التي لخص عبد الخالق تجربتها في كتاب “لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني “.
٩
المؤتمر الثالث للحزب : فبراير 1956م:
وعلي ضوء حصيلة المناقشة العامة التي استمرت منذ بداية اتفاقية الحكم الذاتي في فبراير 1953م، تم عقد المؤتمر الثالث للحزب في فبراير 1956م، واجاز المؤتمر برنامج الحزب الجديد بعنوان” سبيل السودان للديمقراطية والاستقلال والسلم”، واجاز التعديلات علي دستور الحزب، واجاز تغيير اسم “الحركة السودانية للتحرر الوطني” الي ” الحزب الشيوعي السوداني”، وطرح المؤتمر شعار ” اجعلوا من الحزب الشيوعي قوة اجتماعية كبري”.
لقد تركت لحظة التأسيس والصراع السياسي والفكري الذي خاضه الحزب من اجل استقلاله بصماتها علي تطور الحزب اللاحق ومواصلة الصراع من اجل تأكيد وجوده المستقل، وقدم الشهداء في سبيل ذلك، اضافة لتحمل اعضائه السجون والتشريد والتعذيب والقمع والنفي وصموده ضد الانظمة الديكتاتورية المدنية والعسكرية حتي يومنا هذا وحتي انعقاد ونجاح مؤتمره الخامس في يناير 2009م، ومواصلة الصراع من اجل التحول الديمقراطي وتحسين الاحوال المعيشية، والحل العادل والشامل لقضية دارفور وترسيخ السلام ووحدة البلاد.
كيف واجه الحزب مشاكل مابعد الاستقلال؟:
عشية الاستقلال 1955م، واجهت البلاد انفجار التمرد في جنوب السودان، ودعا الحزب الشيوعي الي الحل السلمي الديمقراطي لمشكلة الجنوب، وطرح الحزب شعار الحكم الذاتي الاقليمي لجنوب السودان، والاعتراف بالفوارق الثقافية بين الشمال والجنوب، والاعتراف بحق الجنوبيين والتجمعات القومية الأخري باستخدام لغاتها الخاصة في التعليم.
كما استنكر الحزب الشيوعي مجزرة “عنبر جودة” 1956م والتي مات فيها اكثر من عشرين مزارعا اختناقا في عملية اعتقال وحبس غير انسانية، كما استنكر ايضا محاولة ربط السودان بالاحلاف العسكرية والمعونة الامريكية التي تفتح الباب للتدخل في الشئون الداخلية، وتمسك بالسيادة الوطنية.
١٠
مقاومة انقلاب 17 نوفمبر 1958م:
وبعد انقلاب 17 نوفمبر 1958م، رفض الحزب الانقلاب وطالب بعودة الديمقراطية ، وبعد فشل اكثر من محاولة انقلابية لإسقاط النظام والتي انهكت المعارضة السياسية والعسكرية، طرح الحزب شعار” الاضراب السياسي العام” في اغسطس 1961م كأداة للاطاحة بالديكتاتورية، وقدم تلك الفكرة لقوي المعارضة التي رفضتها، وانسحب من جبهة احزاب المعارضة وشرع في التعبئة للاضراب السياسي وسط القوي الوطنية الديمقراطية.
وفي التكتيكات ايضا رفض الحزب الاتجاهات اليسارية المغامرة التي طرحت الكفاح المسلح، باعتبار ذلك نقل اعمي للتجربة الصينية. وأخيرا كانت ثورة اكتوبر 1964م والتي تمت فيها الاطاحة بالنظام عن طريق الاضراب السياسي العام، والتي اكدت سلامة خط الحزب السياسي وادارته للصراع.
وتمسك الحزب الشيوعي السوداني بموقفه المستقل والمستند علي دراسة الواقع حول طبيعة نظام عبود، ورفض الحزب الشيوعي السوداني تقدير السوفيت لنظام عبود، باعتباره نظام وطني ، كما رفض الحزب الشيوعي السوداني اتجاه الحزب الشيوعي الصيني لفرض نموذجه في السودان، اى رفض النقل الاعمى لتجربة الصين باعتماد الكفاح المسلح الذي كانت تنادي به العناصر اليسارية التي انشقت من الحزب، وكونت الحزب الشيوعي – القيادة الثورية – (مجموعة احمد شامى ويوسف عبد المجيد…). ونتيجة لدراسة الواقع توصل الحزب الشيوعي السوداني الي شعار “الاضراب السياسي العام في اغسطس 1961م”، وثابر الحزب في شرح وتوضيح هذا الشعار بتنشيط العمل الجماهيري ، حتى تمت الاطاحة بديكتاتورية عبود في ثورة اكتوبر 1964م عن طريق الاضراب السياسي والعصيان المدني ( راجع كتاب ثورة شعب الذي اصدره الحزب الشيوعي عام 1965م الذي حوي سردا رائعا للتراكم النضالي الذي خاضه الحزب مع جماهير شعبنا وقواه السياسية والنقابية حتي تمت الاطاحة بالنظام.
١١
رفض حل الحزب الشيوعي بعد ثورة اكتوبر 1964م:
كما رفض الحزب الشيوعي السوداني “الانحراف اليميني ” عام 1966م، بحل الحزب الشيوعي ودمجه مع قوى اشتراكية سودانية اخرى تحت إسم الحزب الإشتراكي، اى رفض النقل الاعمي لتجربة الحزب الشيوعي المصري، والذي حل نفسه عام 1966م، وذاب في تنظيم السلطة(الاتحاد الاشتراكي ).
رفض الحزب الشيوعي السوداني قرار تقسيم فلسطين عام 1947 ، وتمسك بصيغة ( قيام الدولة العربية الديمقراطية فوق أرض فلسطين يصحح الوضع الشاذ الذي نشأ منذ عام 1948م. داخل هذه الدولة الفلسطينية العربية سيجد المواطنون الاصليون عربا وأقلية يهودية حقوقهم الكاملة، وبكامل حقوقها المشروعة في السيادة تصفى آثار الاضطهاد الصهيوني الاستعماري وفي مقدمتها مشكلة اللاجئين العرب والهجرة اليهودية (الماركسية وقضايا الثورة السودانية، دار عزة، 2008، ص، 44).

نواصل

تعليق واحد

  1. التاريخ لا يُقرأ بالشعارات، وإنما بالمواقف.

    والحزب الذي يطالب الآخرين اليوم باحترام الديمقراطية مطالب أولًا بأن يواجه تاريخه بشجاعة، وأن يجيب عن الأسئلة الصعبة بدل الاحتماء دائمًا بشعارات الثورة والطبقة العاملة والمقاومة.

    من مقاومة عبود إلى المشاركة في مؤسساته

    بدأت المفارقة مبكرًا.

    فبعد انقلاب الفريق إبراهيم عبود في 1958، كان الحزب الشيوعي من القوى المناهضة للنظام العسكري. ومع ذلك شارك الحزب لاحقًا في انتخابات المجلس المركزي التي نظمها نظام عبود.

    قد يقول الحزب إن المشاركة كانت تكتيكًا سياسيًا، وإن الهدف كان استخدام المنبر لكشف النظام والعمل من داخله.

    لكن السؤال الذي لا يستطيع التاريخ تجاهله هو:

    هل يجوز لحزب يرفض شرعية الحكم العسكري أن يدخل مؤسساته السياسية ويشارك في عملية منحها مظهرًا تمثيليًا؟

    قد يكون ذلك تكتيكًا سياسيًا من وجهة نظر الحزب، ولكنه يكشف منذ وقت مبكر عن مشكلة ستتكرر لاحقًا:

    المبدأ الديمقراطي يتراجع عندما تفرض الحسابات السياسية نفسها.

    فالديمقراطية، إذا كانت مبدأً وليست مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، لا ينبغي أن تتغير أحكامها بحسب موقع الحزب من السلطة.

    مايو 1969: عندما أصبح الانقلاب «ثورة»

    ثم جاءت اللحظة الأكثر وضوحًا.

    في 25 مايو 1969 أطاح جعفر نميري وحلفاؤه العسكريون بالنظام البرلماني.

    وكان من المفترض، وفق المنطق الديمقراطي، أن يكون موقف أي حزب ديمقراطي واضحًا: لا شرعية للاستيلاء العسكري على السلطة.

    لكن العلاقة بين الحزب الشيوعي والسلطة الجديدة لم تكن علاقة مواجهة منذ اللحظة الأولى؛ بل شهدت تقاربًا وتحالفًا، وشارك شيوعيون في مؤسسات النظام الجديد، كما أصبح عدد من الشيوعيين جزءًا من جهاز الدولة.

    وهنا تبرز واحدة من أكبر مفارقات التاريخ السياسي السوداني:

    عندما يصل العسكر إلى السلطة في اتجاه يخدم مشروع الحزب، يصبح الانقلاب «ثورة» أو «تصحيحًا لمسار الثورة»، وعندما ينقلب العسكر على الحزب يصبح الانقلاب دكتاتورية يجب إسقاطها.

    هذه ليست قضية مصطلحات.

    إنها قضية مبدأ.

    فالانقلاب إما أن يكون خطأً سياسيًا ودستوريًا بصرف النظر عن هوية منفذه، أو أن يصبح مفهوم الشرعية خاضعًا للنتيجة التي يحققها الانقلاب للحزب.

    وهنا تحديدًا يجب أن يُسأل الحزب الشيوعي:

    لو كان انقلاب مايو قد قام به ضباط معادون للشيوعية، فهل كان الحزب سيعتبره ثورة؟

    ثم انقلب السحر على الساحر

    لم يستمر التحالف طويلًا.

    دخل الحزب الشيوعي في صراع متصاعد مع نميري، وانتهت العلاقة إلى مواجهة مفتوحة، ثم جاءت محاولة انقلاب 19 يوليو 1971 بقيادة هاشم العطا، المرتبطة بضباط شيوعيين أو محسوبين على الحزب.

    استولى الانقلابيون على السلطة لفترة قصيرة، قبل أن يستعيد نميري السيطرة.

    ثم جاءت واحدة من أكثر الصفحات دموية في التاريخ السوداني الحديث.

    مأساة بيت الضيافة.

    قُتل عدد من الضباط الذين كانوا محتجزين داخل بيت الضيافة، وأصبح الحادث منذ ذلك الوقت واحدًا من أكثر ملفات السودان السياسية والعسكرية إثارة للجدل.

    وهنا يجب أن يكون الموقف أخلاقيًا قبل أن يكون حزبيًا:

    قتل المحتجزين والأسرى لا يصبح مشروعًا لأنهم ينتمون إلى المعسكر الآخر.

    لا توجد أيديولوجيا تمنح الإنسان حق قتل خصمه خارج القانون.

    ولا توجد ثورة تبرر تصفية الأسرى.

    ولا يوجد حزب، مهما كانت شعاراته، فوق المحاسبة التاريخية.

    وإذا كانت هناك خلافات حول المسؤولية المباشرة عن تفاصيل مجزرة بيت الضيافة، فإن ذلك لا يبرر إغلاق الملف أو تحويله إلى مجرد مادة للدعاية السياسية.

    بل المطلوب هو فتح الوثائق، والتحقيق، وتحديد المسؤوليات، ورفض كل محاولات التبرير.

    الحزب الذي عادى الانقلابات… لكنه دخلها

    هنا تتضح المعضلة الأساسية في تجربة الحزب الشيوعي.

    فالحزب لم يكن مجرد ضحية للانقلابات العسكرية في السودان.

    في مراحل مختلفة من تاريخه، تعامل مع المؤسسة العسكرية باعتبارها أداة ممكنة لإعادة تشكيل السلطة.

    وهذا هو الخطأ الذي دفع السودان ثمنه غاليًا.

    فالعسكر عندما يدخلون السياسة لا يدخلونها ضيوفًا مؤقتين.

    إنهم يأتون بالمؤسسة العسكرية، وبالسلاح، وبالقوة القسرية للدولة.

    ومن يفتح لهم الباب اليوم بحجة أنهم سيحققون «أهداف الثورة» قد يجدهم غدًا وهم يدهسون الثورة نفسها.

    وهذا بالضبط ما حدث مرارًا في السودان.

    ديسمبر 2018: فرصة تاريخية ضائعة؟

    ثم جاءت ثورة ديسمبر.

    كانت لحظة نادرة في تاريخ السودان.

    ملايين السودانيين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بإسقاط نظام الإنقاذ وبناء دولة مدنية ديمقراطية.

    وكان من المفترض أن تكون الأولوية:

    توحيد القوى المدنية، تفكيك دولة الحزب الواحد، إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإبعاد القوات المسلحة عن السياسة.

    لكن الخلافات بين القوى المدنية بدأت مبكرًا.

    دخل الحزب الشيوعي في صدامات سياسية مع قوى أخرى، ثم رفض الشراكة التي انتهت إليها المفاوضات بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري.

    وقد يكون للحزب كل الحق في رفض تلك الشراكة.

    بل يمكن القول إن كثيرًا من مخاوفه بشأن استمرار نفوذ العسكريين أثبتت الأيام أن لها أساسًا.

    لكن المشكلة ليست هنا.

    المشكلة هي:

    هل ساهمت سياسة القطيعة والصدام بين القوى المدنية في إضعاف الجبهة التي كان يفترض أن تحمي الثورة؟

    وهل كان يمكن للحزب، بدل الاكتفاء برفض التسوية، أن يخوض معركة سياسية أكثر ذكاءً لبناء كتلة مدنية موحدة قادرة على فرض انتقال ديمقراطي حقيقي؟

    فالثورات لا تنتصر بالشعارات وحدها.

    تنتصر عندما تتحول إلى مؤسسات.

    المشكلة ليست في الشيوعية… بل في عقلية «الغاية تبرر الوسيلة»

    قد يقول قائل:

    «هذه أخطاء تاريخية، فلماذا العودة إليها؟»

    والجواب بسيط:

    لأن السودان لم يخرج بعد من الدائرة نفسها.

    دائرة:

    حزب سياسي → تحالف مع العسكر → انقلاب → صراع على السلطة → انقلاب مضاد → دماء → دكتاتورية → ثورة → تحالفات جديدة → ثم إعادة إنتاج الأزمة.

    هذه هي المأساة السودانية.

    ولهذا فإن المشكلة ليست في كون الحزب شيوعيًا.

    يمكن أن يكون الإنسان شيوعيًا أو ليبراليًا أو إسلاميًا أو قوميًّا أو مستقلًا.

    المشكلة تبدأ عندما يصبح الوصول إلى السلطة أهم من القواعد التي تحكم الوصول إليها.

    عندما يصبح الانقلاب مقبولًا إذا جاء بالحليف، ومرفوضًا إذا جاء بالخصم.

    عندما يصبح الجيش أداة ثورية عندما يخدم المشروع، ثم يصبح «فلولًا» أو «عسكرًا» عندما ينقلب على المشروع.

    هذه هي الازدواجية التي يجب أن تنتهي.

    والسؤال الأكبر: ماذا تعلم الحزب؟

    بعد كل هذه التجارب، ماذا تعلم الحزب الشيوعي السوداني؟

    هل وصل أخيرًا إلى قناعة نهائية بأن:

    الجيش يجب أن يكون جيشًا وطنيًا مهنيًا، لا حزبًا سياسيًا مسلحًا؟

    وأن:

    السلطة لا تأتي من فوهة البندقية، حتى لو كانت البندقية في يد من نعتقد أنهم حلفاؤنا؟

    وأن:

    الديمقراطية ليست مرحلة مؤقتة نستخدمها للوصول إلى السلطة ثم نستبدلها بنظام «ثوري»؟

    وأن:

    الدستور أهم من الحزب، والدولة أهم من الأيديولوجيا، والشعب أهم من التنظيم؟

    من يريد أن يقدم نفسه اليوم باعتباره ضمير الثورة والديمقراطية عليه أن يمتلك شجاعة مواجهة تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..