الخرطوم ‘الإستعمارية’ و مستعمرتها السودانية

محجوب حسين

في وقت ما زالت الحرب تدور رحاها ما بين دارفور السودانية و الخرطوم وفق أيدولوجيا صناعة الحروب التي تشنها عاصمة السودان ‘الخرطوم’ ضد السودان و شعوبه ماضيا و راهنا ، تستأنف الحرب مجددا ما بين الخرطوم و إقليم جنوب كردفان ، وفي ظلهما – أي الحربين معا – و بسرعة فائقة تندلع حرب الخرطوم ضد إقليم النيل الأزرق خلال الأسابيع الماضية ،ليبقى القاسم المشترك بين الخرطوم و حروبها الثلاث أنها تجري في وتيرة زمنية واحدة و في جبهات مختلفة ، أما وفق المصطلحات السياسية فالخرطوم – مركز صناعة الحروب السودانية- تصنف المناطق الثلاث دارفور و جنوب كردفان و النيل الأزرق – و على ثلاثتهم ‘بالأعدء’ ، فيما المناطق الثلاثة عدوها واحد وعلى سبيل الحصر ‘ الخرطوم’ ، إنها معادلة رياضية سياسية هامة و تاريخية و نقلة مهمة في تاريخ السودان بعد التقسيم ، معادلة الخرطوم ضد ثلاثة ، و الثلاثة ضد الخرطوم لتحرير الخرطوم قبل دخول الكبير ، و الكبير هنا دولة جنوب السودان ، حيث هناك مؤشرات أن تتورط الخرطوم في دعم مجموعات متمردة لحكومة دولة جنوب السودان بحجة أن الأخيرة تدعم تمردات المناطق الثلاثة هذا دون أن نسأل ما مدى صحة أن يوصف الشخص متمردا في الحالة السودانية و التي هي حالة نشاز ، لأن ليس هناك شيئا سودانيا واحدا متفقا حوله أو عليه .

الخرطوم الإستعمارية و مستعمراتها

إن أهم مافي معادلات الحروب السودانية تلك ، أنها عرفت الصراع البنيوي في السودان من جديد ، بل حددت محاوره و نطاقه و شرعيته و السيناريوهات لبلوغه ، كما أسقطت معها رهانات صانع قرار دولة غردون الحربية في الخرطوم في كون إستئصال الجنوب السوداني قد يحافظ على منظومة قيم دولة السودان الإستعمارية في منتجاتها و صادارتها و وارداتها ، و هكذا نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي و تاريخي جديدين بفعل عطب العفن السياسي السوداني القائم و الذي لم ينته بفصل الجنوب كما أراد منتجوه.
إن شكل الصراع بين ‘ الخرطوم الإستعمارية’ و المناطق الثلاثة ‘ المستعمرة’ ، هو بالدرجة الأولي صراع قيم ثقافية و حضارية و تاريخية و مجتمعية ، إنها صراع قيم الخير و الشر ، قيم اللاإنسانية التي تكرسها الخرطوم و قيم الإنسانية التي تود بلوغها إنسانية شعوب تلك المناطق و الحضارات ،و بالتالي معادلة الصراع السوداني / السوداني بالضرورة أن ترتقي اليوم إلى مستوي فعل الحدث التاريخي لغاية الحسم السوداني تحت عناوين و مطلوبات نراها مهمة و فاصلة في المسار الحياتي للشعوب السودانية بعدما بلغ بها منتجات الإنحطاط و الإضمحلال السودانيين محطات نحتاج فيها لنقد جذري لماهية الماضي السوداني و بعمق و تطرف شديدين .
إن أهم عناوين و معالم هذا الصراع ، و لتلافي الإنهيار نحو بلوغ الحسم و الخلاص النهائيين قصد تحرير الشعوب السودانية ، ينبغي تكييف أسسه و غاياته و مستحدثاته ، و بالتالي نعتقد أن نقلات هذا الصراع السوداني / السوداني ليس في الوصول إلى إتفاقات أو صفقات سياسية بين هذا و ذاك ، كما ليست لإستحقاقات جهوية أو محلية أو وظائفية لتكريس أيدولوجيا الإستعمار القائم على الغزو والغنيمة ،و إنما لابد من برنامج خلاص وطني لسودان ما بعد التقسيم ، ملتقاه الجمعي يجب أن يتمفصل تجاه إستحقاق تحرير السودان من حكم اللاهوت الإسلامي و محاكمته ضمن برنامج المحكمة الجنائية كمشروع وطني يشكل فيه العنوان الأول في خضم صراع المفارقة أو التقارب السودانيين، و هذا لا يتم إلا بإستدعاء مفهوم الكتلة التاريخية السودانية و التي بموجبها كما بدأت تتشكل اليوم و كأنها قائلة ‘ نحن عائدون ‘ لإعادة إنتاج التاريخ السوداني و الذي تم بتر تطوره و نموه تجاه الفعل الإيجابي ، حيث هذه القوى الثلاثة التي تحاربها الخرطوم هي نفس القوى التي دفعت إلى تحرير الخرطوم و قتل غردون الذي يمثل رمز للكولنيالية البريطانية في السودان وقتئذ ، و من ثم عملت على إهداء رمزيات و معاني الوطن المحرر من أيدي الخارج إلى كل الشعوب السودانية و من ثم تقاعدت عن الدور و حراسة قيم الإستقلال في فترات الحكم الوطني ، لتأتي نظم الحكم الوطنية فيما بعد الإستقلال إلى توظيف معاني الإستقلال و الحرية و السيادة و كل فوائض القيمة السياسية للإستقلال لفائدة نظم حكم أحادية ثقافية و أيدولوجية و دينية تتسم بسمات الإستعمار الداخلي ، و الذي هو مذهبي و عرقي و ديني، و بالتالي أنتجت نظم الحكم التي توصف بالوطنية درجة عالية من نظم الأبارتيد السودانية بمفهومي الفتح و الغزو الداخلي السوداني تحت عباءة ‘ الوطن و وحدته ‘ و الذي هو مؤسسة لإنتاج الإضطهاد الفكري و الثقافي و الديني و العرقي ، فكان طبيعيا أن تتقدم هذه القوى مجددا للتحرير الثاني قصد تصحيح مسار و حراك التاريخ السوداني تقسيما أو وحدة عقلانية جديدة بعدما سقطت مفاهيم ‘ الوطن’ و ‘ الدين ‘ و ‘ العرق’ و ‘ الوحدة’ ، كأيدولوجيا رباعية تدير بها الخرطوم الإستعمارية حروبها و سيطرتها في كل مرة. فالسودان اليوم أمام مشروع الخرطوم الإستعماري و مشروع قوى التحرير السوداني التي تحمل معها مفهوم إعادة ‘ تركيب و ترتيب’ السودان المحرر تحت قيم التحرر و الديمقراطية و المساواة و العدالة.

القصر الجمهوري آخر محطة

هكذا إذا ، تبقى مهمة ما بعد التحرير السوداني و التي إكملت شروطها و محدداتها ، هو بناء عقد إجتماعي سوداني جديد ، قوامه أركان الدولة الحديثة من حرية و حقوق إنسان و فق الشرعة الدولية ، و من ثم تكييف الواقع السوداني الجديد وفقا لواقع المحاصصة الديمقراطية في السلطة و الثروة و الثقافة و الإجتماع و الترتيبات الأمنية لحراسة واقع المحاصصة السياسية و التي بموجبها تتحد اقاليم أو قل حضارات أو ممالك السودان القديم من جديد إستنادا على ماكينزم المصلحة ما دامت الثقة سقطت بين الشعوب السودانية ، و بالتالي حراسة تلكم الإستحقاقات لا تأتي إلا عن طريق ترتيبات أمنية بين مكونات السودان ، رغم أن الخرطوم الإستعمارية تخوض حروبها ضد المناطق الثلاث بدافع القداسة و العرق و الجهة ، وقد تستدعي كتيبتها الأمنية الإستراتيجية – كما سميت و هي عبارة عن مليشيا حزبية / عرقية/ أيدولوجية – لحراسة القصر الجمهوري السوداني ، لأن صراع الخرطوم’ الإستعمارية ‘ و مستعمراتها لا ينتهي إلا بدخول القصر الجمهوري كمحطة حتمية في تطور الحراك الإجتماعي / التاريخي و من ثم إنهاء شرعنة دولة ‘ الهلال الخصيب’ السودانية التي تكونت بعد سرقة إستقلال السودان من صانعيه ، و التي تحولت اليوم إلى دولة ‘ الحجرين ‘ السودانية . و تلك هي جدلية المستقبل السوداني في الأمد المنظور و الذي لا يمكن تصحيح إنحرافاته إلا عبر تجريب آخر ألياته عبر نظرية الطوفان ، و فيها قد يحسن الجميع التركيب من دون سطوة .

‘ رئيس الكتلة السودانية لتحرير الجمهورية
القدس العربي

تعليق واحد

  1. يجب أن نتقسم السودان على اسسه الاثنية والثقافية القديمة حتى تعيش كل عرقية بسلام وهدوء وتتطور نفسها بما يلائم ثقافتعا دون تعكير الحياة على الآخرين

  2. لولى النوبى .. هل أنت سودانى؟ أسأل نفسك !
    هل أنت مسلم ؟ أسأل نفسك !
    يبدو أنك تمثل الطيب مصطفى وزمرته

  3. كنوبي سليل حضارات معترف بها من كل العالم (مش مهم من احباش السودان) أقول أنكم رضيتم وغصبا عنكم والأصح اجبرتم على انفصال الجنوب وهذا لتقسيم عرقي ودينى واضح لا نقاش فيه فلماذا الاعتراض على ان تنقسم باقي المختلفين عن الأخرين؟؟فلقد كان السودان اصلا دويلات مستقلة تعيش في هدوء وتنمية فالنوبين مثلااً كانت حضارتهم مزدهرة واسهموا في مد العالم بمنجزات بشرية ثم توقفت هذه، اسهاماتها عندما سقطت دولتهم الخاصة بيد عيزانا ملك الحبشة ومن ثم وجدهم في دولة واحدة مع الاحباش الذين يملكون روح حضارية محدودة جدا لم تسهم في تنمية البلد التى احتلوها وسكنوا واستوطنوا مع سكانها الاصلين ليصبح هذا السودان المتخلف حضاريا واقتصاديا ويعيش حروب مستمرة هو رد فعل طبيعي لعملية رفض وصراع الثقافات والحضارات والتى يشكل النوبيون دون منازع ارقاها في سودان اليوم وعلى ذلك كان للنوبيين الريادة العلمية والحضارية في سودان اليوم فأول رئيس لمؤتمر الخريجين وأول من نادى بخطاب موجه للحاكم العام الانجليزى بطلب الاستقلال هو ابراهيم احمد النوبي ومؤسس حزب الأمة واول رئيس وزراء عبد الله خليل هو ايضا نوبي وأول مدير لجامعة الخرطوم منتخب من سلكها المهنى هو ايضا نوبي بروفسر عثمان محجوب وأول عميد سودانى لكلية الصيدلة والهندسة ايضا نوبيين واول ..وأول …وحنحرس الابواب ايضا لأننا امناء بطبعنا وسنظل نكون في طليعة المتعلمين والذين يتشرفون بأن الاختلاسات وسوء استغلال المناصب لا تطالهم وفوق هذا نقول أن المهدي نوبي وجعفر نميري ايضا وأنا ايضا أخي عطوي وبصراحةباي باي سودان !!الدستور يمنح صلاحية باي باي لأي واحد زهج وقرف من الحروب المستمرة والتسلط وعايز أولادوا يعيشوا في هدوء ويسهموا في اسعاد البشرية مش نكد البشرية!!!باي باي عطوي (انت بصيلي وللا شنو؟؟!!)

  4. امريكا اختارت العلمانية منهجا لدستورها وحياتها حتى لا تعلو معتقدات وثقافات عرقية على اخري….فهل سيرضى سكان نهر النيل والجزيرة العلمانية وغير العربية دستورا ولغة للسودان الشمالى…وللا آيه يا عطوييي!!!! يا جماعة كفاية حروب وخلينا ننمى المتين العندنا ما دايرين مليون ميل من البارود ميل واحد في صحراء النوبة وعلى نيل بلادى يكفينا وباي باي عطوييي

  5. امريكا اختارت العلمانية منهجا لدستورها وحياتها حتى لا تعلو معتقدات وثقافات عرقية على اخري….فهل سيرضى سكان نهر النيل والجزيرة العلمانية وغير العربية دستورا ولغة للسودان الشمالى…وللا آيه يا عطوييي!!!! يا جماعة كفاية حروب وخلينا ننمى المتين العندنا ما دايرين مليون ميل من البارود ميل واحد في صحراء النوبة وعلى نيل بلادى يكفينا وباي باي عطوييي

  6. الخرطوم لم تحارب يوما جهة من الجهات وأختزال الحكومة في الخرطوم ليس بالفكرة النبيلة وفي الخرطوم جميع أطياف الشعب السوداني يعيشون في وئام وتوادد وتزاوج أيضا, الحكومات هي التي تحارب وفقا لايدولوجيات معينة صوابها أوخطأها يحكم فيها التاريخ ولكن ما يهمنا الان بقاء الدولة السودانية بكل مكوناتها وعقدها وأن نهيي المكان والزمان لصهر مكونات المجموعات السودانية في معية الدولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..