هدنة الإمارات.. مناورة سياسية أم إعادة لترتيب الأوراق؟

تحرك دولة الإمارات العربية المتحدة نحو الأزمة السودانية في ما يتعلق بوقف إطلاق النار وعقد قمة لتمويل الدعم الإنساني، هل هو مناورة عقب انقلاب الموازين بتقدم الجيش السوداني وتقهقر حلفائها من قوات الدعم السريع، أم محاولة لاستعادة العلاقات مع السلطة المتوقعة في السودان والتي على ما يبدو سيكون الدعم السريع خارج معادلتها؟.
دولة الإمارات دعت مؤخرا أطراف الصراع في السودان إلى هدنة إبان شهر رمضان لاسباب إنسانية ، وألحقتها بعزمها عقد قمة باديس ابابا بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي لتمويل الجهود الإنسانية بقيمة 200 مليون دولار.
مراقبون شككوا في نية دولة الإمارات مشيرين بأنها لا تخلو من المناورة لأهداف تصب في مصلحة حلفائها في قوات الدعم السريع لكسب الوقت لإعادة ترتيب البيت الداخلي بعد الخسائر التي منيت بها مؤخراً في الخرطوم والجزيرة، خاصة وأن قائدها محمد حمدان دقلو قد هدد وتوعد باستعادة المناطق التي افتقدها في الخرطوم.
الجيش بدوره على لسان أحد قياداته حسب (رويترز)، قابل الدعوة بالرفض مشترطاً فك الحصار عن كل المدن والمناطق التي يحاصرها الدعم السريع ، شمل الرفض ايضاً الدعوة إلى القمة على لسان نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار واصفاً الإمارات بأنها ارتكبت جرماً وعدواناً على دولة تحاول حماية أراضيها وسيادتها، الإمارات بدورها ردت بأسفها لتلك الإدعاءات مشيرة إلى أنها تهدف لتعزيز الاستقرار في السودان.
إتهامات موثقة
غير أن التشكك في نية الإمارات تدعمها تقارير دولية وصحفية موثوقة، حيث أشار تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة إلى شحنات من الأسلحة تفرغ من طائرات شحن بمطار ام جرس بتشاد ، تسلم إلى قوات الدعم السريع على الحدود السودانية، وأن الدعم السريع يستخدم منطقة ام دافوق على الحدود مع افريقيا الوسطى كخط إمداد ومركز لتجنيد المقاتلين الجدد .
ومع أن الإمارات قد نفت تلك الإدعاءات وأشارت أن الشحنات لمساعدات إنسانية، إلا أن أحد أفراد قوات الأمن التشادية أكد ل(رويترز) أن وحدته شاركت في حراسة صناديق من الشحنات إلى الحدود مع السودان وتم تسليمها لقوات الدعم السريع. كما أكد عمال إغاثة في المنطقة أن المساعدات المقدمة لا تتناسب مع ذلك الحجم من الشحنات . الإتهامات ظلت مسنودة في فترات مختلفة بتقارير صحفية موثقة ، فقد وثق تقرير لوكالة الأنباء (رويترز) 170 رحلة جوية من مطارات مختلفة في الإمارات إلى شرق تشاد، التي يقع مطار ام جرس بها، بواسطة شركات زيتافيا وفلاي سكاي آيرلاينز ومقرهما أوكرانيا، وفلاي سكاي قرغيز وسابسان آيرلاينز ومقرهما قرغيزستان. وعلى الرغم من أن تقرير رويترز أشار الى عدم تأكده من تحديد ما كانت تحمله الطائرات. إلا أنه بتطابق ما جاء في التقرير مع تقارير أخرى يمكن الاستدلال الى محصلة ، إذ ذكر تقرير لصحيفة (وول ستريت جورنال) أن الدعم السريع يحصل على أسلحة عبر مطار أم جرس مروراً بيوغندا . كما جاء في تقرير (المرصد الدولي للصراعات) ” يعتقد فريق البحث أن الإمارات العربية المتحدة سهلت وصول الأسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر مطار المارشال إدريس دبي الدولي في أم جرس بين يونيو 2023- مايو 2024 ” وأشار التقرير بأنها استخدمت جسر جوي باستخدام طائرات اليوشن 76 التي تديرها شركة (نيو واي كارغو آيرلاينز) ومقرها قرغستان ، و(فلاي سكاي آيرلاينز) القرغيزية .
ورغم أن الطائرتان مسجلتان في قرغستان إلا أنهما متمركزتان في دولة الإمارات . تلك الشركات سبق وأن اتهمتها لجنة خبراء من الأمم المتحدة بنقل دعم عسكري اماراتي إلى قوات خليفة حفتر قائد قوات شرق ليبيا في عامي 2019 و2020، وفقا لبيانات تتبع الرحلات الجوية. وتلك التقارير تفتح الاتهامات أيضا بالدعم غير المباشر، حيث ذكرت تقارير أن الدعم السريع يحصل على الإمداد العسكري عبر ليبيا من مناطق الصياح وجبال مدو والمالحة ومن ميناء دوالا في الكاميرون عبر افريقيا الوسطى باستخدام مهابط ترابية بدارفور ومطار نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور التي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع . كما نشرت صحيفة (الغارديان) جوازات سفر إماراتية تم العثور عليها في ساحات القتال في السودان، مما يشير إلى أن دولة الإمارات قد نشرت قوات سرية على الأرض في الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع .
ووفقًا لتحقيق أجرته صحيفة (نيويورك تايمز) ، فإن الإمارات تدعم سرا قوات الدعم السريع من خلال تزويدها بالأسلحة والطائرات بدون طيار وتقديم معلومات استخباراتية ومساعدات لوجستية . وكشف تحقيق لمنظمة العفو الدولية نشر في نوفمبر 2024، عن استخدام قوات الدعم السريع لأنظمة أسلحة فرنسية الصنع، مُدمج في ناقلات الجنود المدرعة المصنّعة في الإمارات العربية المتحدة.
بين المناورة وتحسين الصورة
أمام كل تلك المعطيات والتقارير الرسمية وغير الرسمية التي تحاصر دولة الإمارات، فمن الجائز الإعتقاد بأن دعوة الإمارات للهدنة في السودان قد تكون جزءًا من مناورة سياسية تهدف إلى تخفيف الضغوط الدولية مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في البلاد. في الوقت نفسه، فإن مطامعها في السودان التي تتركز في الموانئ والذهب والنفوذ الإقليمي، مما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في الصراع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. فدولة الإمارات تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب التقارير التي تتهمها بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، و قد تكون هذه الدعوة للهدنة وعقد قمة بغرض تمويل الدعم الإنساني محاولة لتحسين صورتها الدولية ودرء الانتقادات. وفي منحى آخر يرى البعض أنها أرادت بتلك الخطوة كسب الوقت وتثبيت مكاسب لقوات الدعم السريع، حيث أن وقف إطلاق النار في هذا التوقيت قد يكون لصالح قوات الدعم السريع، التي تواجه في بعض المناطق هجمات مضادة من الجيش السوداني، مما يسمح لها بإعادة تنظيم صفوفها، بدليل أن دولة الإمارات التي أرادت تقليل التصعيد دون تغيير الموقف لم تظهر الإمارات أي تراجع واضح عن سياساتها في السودان، ما يعزز الشكوك حول نواياها الحقيقية.
صراع السيطرة والمصالح
وتخشى الإمارات على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والجيوسياسية في السودان، مما جعلها لاعبًا نشطًا في الأزمة السودانية. حيث تسعى لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر والسيطرة على الموانئ السودانية القائمة وإقامة مشاريع موانئ جديدة مثل ميناء أبو عمامة الذي كان مقررًا إنشاؤه بشراكة مع مجموعة موانئ دبي العالمية . أما الذهب فذلك أمر حيوي للامارات ومطامعها في السودان، فالدعم السريع يسيطر على قطاع واسع من إنتاج الذهب ولديه خلفيات حافلة مع دولة الإمارات . فالإمارات تعد المستورد الرئيسي للذهب السوداني وتستحوذ على نسبة كبيرة من صادراته . ووفقًا لبيانات بنك السودان المركزي، بلغت عائدات الذهب في النصف الأول من عام 2022 حوالي 1.31 مليار دولار، حيث اشترت الإمارات كل الذهب السوداني الذي تم تصديره خلال تلك الفترة، بكمية بلغت حوالي 21.832 كيلوغرامًا. وأشارت تقارير إلى أن بورصة دبي استوردت 1.8 طن من الذهب السوداني من إجمالي 2 طن تم تصديرها خلال فترة الحرب في عام 2023، من 15 أبريل حتى نهاية أغسطس.
ومن جهة أخرى تسعى الإمارات إلى تحقيق توازن إقليمي في المنطقة ويسهل عليها ذلك بسيطرة الدعم السريع على السلطة في السودان . فضلاً عن ربطها بتحالفات عسكرية مع الدعم السريع واستخدام قواته في حرب اليمن ضد الحوثيين.
فمن الأفضل لها استمرار العلاقة مع الدعم السريع كجزء من استراتيجية طويلة الأمد للحفاظ على قوات يمكن استخدامها في مناطق نزاع أخرى. كما أنها في الغالب لا تحبذ سلطة في الخرطوم تحت إمرة الجيش الذي يسيطر عليه الإسلاميين . وعليه بالرغم من ميل كفة دولة الإمارات تجاه الدعم السريع إلا أنها ربما أرادت في هذا التوقيت مسك العصا من الوسط، أمام تراجع قوات الدعم السريع وتقدم قوات الجيش في عدة محاور. ففي كل الأحوال فهي تريد علاقات جيدة مع السلطة في السودان يمكن من خلالها تحقيق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية .
صحيفة مداميك




ود الغشيم اضربو واعتذر لابوه هذا ما تفعله الامارات بالشعب السوداني
دويلة المغارز تسعى لكسب الوقت حتى يتسنى لها الاعداد لحكومة موازية بقيادة الدعم السريع تكون امنة من قذف طيران الجيش حتى يشتد عودها