حين يُخترق الصف… سلسلة في خيانة الزمالة وانهيار أخلاق المهنة (٣ – ٥)

بقلم: حسن عبد الرضي
الصمت المهني… حين يصبح الخوف نظامًا غير مكتوب
في كثير من المدارس، لا يحتاج المعلم إلى أمرٍ مباشر بالصمت… لأنه تعلّم الصمت مسبقًا. صار الخوف هو اللائحة غير المعلنة، والرقابة هي الهواء الذي يتنفسه الجميع، حتى أصبحت الكلمات تُوزن بميزان الرعب، وأصبح المعلم يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه أحد.
لا أحد يقول له صراحة: “اصمت”… لكن كل شيء حوله يقول ذلك. نظرات الإدارة، تقارير المتسلقين، همسات المتجسسين، العقوبات الانتقائية، والاستهداف الخفي لكل صاحب رأي… كلها تصنع بيئة خانقة يتراجع فيها الصوت الحر خطوةً بعد أخرى، حتى يتحول الصمت إلى غريزة مهنية.
وهكذا تموت المدارس ببطء.
المعلم الذي كان يفترض أن يكون صاحب رسالة، وصوت وعي، وحارسًا للقيم، يتحول إلى موظف خائف، يراقب كلماته، ويتجنب النقاش، ويبتعد عن أي موقف قد يُساء تفسيره أو يُنقل مبتورًا إلى أصحاب السلطة داخل المؤسسة. لا نقد. لا مبادرة. لا شجاعة. لا روح حقيقية داخل البيئة التعليمية. مجرد أجساد تتحرك داخل مدارس فقدت نبضها المهني والإنساني. والأخطر أن هذا الصمت لا يأتي دائمًا من خوف طبيعي، بل من تجارب مريرة شاهدها المعلمون بأعينهم. رأوا كيف يُستهدف صاحب الموقف، وكيف يُعاقب الجريء، وكيف تُفتح أبواب الامتيازات أمام المنافقين والمتسلقين وأصحاب التقارير السرية. رأوا كيف يُكافأ من ينقل الكلام، بينما يُحاصر من يقول الحقيقة. لهذا اختار كثيرون السلامة… أو ما ظنوه سلامة.
لكن هل الصمت يحمي فعلًا؟ أم أنه مجرد استسلام تدريجي يُسلم المهنة إلى أسوأ العناصر؟ وحين يصمت الشرفاء، يرتفع صوت الوصوليين. وحين يختفي أصحاب الضمير، تتصدر الوجوه التي تتقن التملق والتجسس والانحناء للسلطة. وحين يخاف المعلم من التعبير عن رأيه، تتحول المدرسة إلى مؤسسة ميتة تُدار بالخوف لا بالقيم.
والسؤال الحقيقي: من المستفيد من هذا الصمت؟ المستفيد هو كل إدارة لا تريد مساءلة. وكل فاسد يخشى النقد. وكل انتهازي يعيش على كتم الأصوات الحرة. وكل متسلق يعلم أن وجود المعلمين الأحرار يفضح تفاهته وضحالته.
الصمت المهني ليس حيادًا كما يروج البعض، بل فراغ خطير يُملأ بما لا يخدم المعلم ولا التعليم. وحين يغيب الصوت المهني الحر، تُمرر السياسات الظالمة بسهولة، وتُدفن المطالب العادلة، وتُهمَّش القضايا الحقيقية، ويصبح المعلم مجرد رقم بلا قيمة ولا تأثير. وهنا تتحول المؤسسات التعليمية إلى بيئات طاردة للكفاءة والشرف. فالإنسان الحر لا يستطيع العيش طويلًا داخل مكان يُعاقب فيه الصدق ويُكافأ فيه النفاق.
لقد أصبح بعض المعلمين يعيشون داخل المدارس وكأنهم داخل مناطق أمنية لا مؤسسات تربوية. كل كلمة محسوبة، وكل رأي مراقب، وكل اعتراض قد يتحول إلى تقرير، أو وشاية، أو حملة تشويه يقودها أولئك الذين باعوا ضمائرهم مقابل رضا الإدارة أو فتات النفوذ.
والمؤلم أن هذا المناخ السام لا يقتل المعلم وحده، بل ينعكس على الطلاب أيضًا. فالطالب الذي يرى معلمه خائفًا، مترددًا، عاجزًا عن قول الحقيقة، يتعلم عمليًا أن النجاة أهم من الكرامة، وأن الصمت أكثر أمانًا من الموقف. وهكذا تُنتج المدارس أجيالًا تخاف أكثر مما تفكر. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مهنة هو أن يتحول الخوف فيها إلى “سلوك طبيعي”، وأن يصبح الصمت فضيلة، بينما يُنظر إلى الشجاعة باعتبارها تهورًا أو خطرًا. والمهنة التي يصمت فيها الشرفاء… يعلو فيها صوت الرداءة. والمؤسسة التي تخاف من الكلمة الحرة… لا يمكن أن تصنع تعليمًا حرًا ولا إنسانًا حرًا.
إن المعلم الذي لا يستطيع الدفاع عن كرامته داخل المدرسة، كيف سيُعلّم طلابه معنى الكرامة؟ والمعلم الذي يخشى التعبير عن رأيه، كيف سيُربي جيلًا قادرًا على التفكير والنقد والشجاعة؟ والصمت الطويل لا يحفظ المهنة… بل يدفنها ببطء.



