حين يتحوّل الامتحان إلى عقوبة تربوية: قراءة موضوعية في امتحان اللغة الإنجليزية للشهادة الابتدائية بولاية الجزيرة ٢٠٢٦

بقلم: حسن عبد الرضي
موجه لغة انجليزية بالمرحلتين، الابتدائية والمتوسطة
وقع على بصري، عبر وسائط التواصل الاجتماعي، نموذجٌ مصوَّر لامتحان جلس له تلاميذ المرحلة الابتدائية اليوم الاثنين ٢٧ ابريل ٢٠٢٦. وبعد التحقق من الأمر، تبيّن أن النسخة المتداولة حقيقية، وقد جرى تصويرها وتسريبها من جهةٍ ما، وهو أمرٌ يستحق التحقيق الجاد والمحاسبة الصارمة على هذا التساهل الذي يمسّ نزاهة العملية الامتحانية.
غير أن قضية التسريب، على خطورتها، ليست وحدها محل النقاش. فجوهر المسألة يكمن في طبيعة الامتحان نفسه، وفي الرسالة التربوية التي يحملها.
فالامتحان، في فلسفته الصحيحة، ليس أداة لإرباك التلميذ، ولا ميدانًا لاستعراض قدرات واضعي الأسئلة، ولا مناسبة لإثبات أن اللجنة قادرة على التعقيد. الامتحان، في جوهره، وسيلة لقياس ما اكتسبه المتعلم من مهارات ومعارف خلال عام دراسي كامل، وفقًا للأهداف المحددة في المنهج، وبما يتناسب مع مرحلته العمرية والعقلية.
لكن حين نطالع امتحان اللغة الإنجليزية الذي جلس له تلاميذ الصف السادس الابتدائي بولاية الجزيرة وتلاميذ المراكز الخارجية لعام ٢٠٢٦، يتولد انطباع قوي بأن الأمر تجاوز حدود القياس التربوي إلى ما يشبه العقوبة الجماعية.
من حيث الشكل العام، يبدو الامتحان متماسكًا في تقسيماته: لغة، فهم، تعبير، ومطالعة إضافية. غير أن المشكلة ليست في الهيكل، بل في طبيعة المحتوى، ومستوى الصعوبة، والحمولة المعرفية غير المتوازنة.
أول ما يلفت النظر أن قسم الفهم القرائي بُني على نص تاريخي-حضاري كثيف عن ممالك كوش وأهرامات مروي. ومن حيث المبدأ، لا مشكلة في تناول موضوع ثقافي أو تاريخي، لكن الإشكال يكمن في أن النص محمّل بمعلومات دقيقة وأرقام وأسماء وأحداث، ما يجعل التلميذ مطالبًا بفهم مادة أقرب إلى درس تاريخ مكتوب باللغة الإنجليزية، لا نصًا لغويًا بسيطًا يقيس مهارة القراءة.
يكفي أن نطالع بعض الأسئلة الواردة في هذا القسم:
“When did Kush kingdom start?”
“What are the pyramids of Meroë made of?”
“Giuseppe Ferlini damaged about … pyramids.”
هذه الأسئلة، وإن كانت لغويًا صحيحة، إلا أنها تقيس استيعابًا معرفيًا تاريخيًا يتجاوز حدود المتوقع من تلميذ في هذه المرحلة، خاصة في امتحان لغة أجنبية.
وهنا يظهر الخلل الجوهري: هل المطلوب من تلميذ في الصف السادس أن يُظهر كفاءته في اللغة، أم أن يثبت قدرته على استيعاب محتوى معرفي معقد تحت ضغط الزمن؟
التمييز بين قياس اللغة وقياس الثقافة العامة أمر أساسي في بناء الاختبارات، وقد اختلط الأمر في هذا الامتحان بشكل واضح.
ثم تأتي الأسئلة نفسها لتؤكد هذا الارتباك. بعضها غير معتاد في صيغته مقارنة بالنماذج التجريبية والامتحانات السابقة، وبعضها يتطلب درجة عالية من التركيب الذهني والمرونة اللغوية لا تتناسب مع المرحلة العمرية المستهدفة.
في سؤال إعادة الترتيب، مثلًا، طُلب من التلميذ تكوين جمل من شظايا لغوية، منها:
“What is that amazing box made of?”
“What days have we got history?”
“What is the emblem of Sudan?”
ورغم أن بعضها يبدو مباشرًا، فإن بعض الصياغات نفسها غير مألوفة في السياق التعليمي المعتاد، بل إن جملة مثل “What days have we got history?” تفتقر إلى السلاسة الطبيعية في الإنجليزية المدرسية، وكان يمكن صياغتها بشكل أبسط وأكثر تداولًا.
وفي قسم القواعد، تظهر أمثلة دقيقة نسبيًا مثل:
“He couldn’t play football because he was watching TV.”
“A plane is faster than a car.”
وهذه أسئلة ليست معقدة في ذاتها، لكنها تأتي ضمن سلسلة طويلة من المهام المتنوعة التي تتطلب تركيزًا مستمرًا، ما يزيد العبء الذهني على التلميذ.
المشكلة ليست في وجود أسئلة صعبة؛ فكل امتحان يحتاج إلى تدرج يميز بين مستويات التلاميذ. لكن حين تكون الصعوبة ممتدة عبر معظم الأقسام، وعندما يغيب التوازن بين السهل والمتوسط والصعب، فإن الامتحان يفقد عدالته.
التقدير القائل إن ٩٥٪ من التلاميذ سيعانون في هذا الامتحان ليس مبالغة إذا أخذنا في الاعتبار واقع التعليم نفسه: تفاوت البيئات الدراسية، اضطراب العام الدراسي في بعض المناطق، محدودية التدريب العملي، والاعتماد الكبير على النماذج السابقة في التهيئة. وعندما يأتي الامتحان بعيدًا عن هذا السياق، فإنه لا يقيس التحصيل بقدر ما يكشف فجوة بين ما دُرّس وما طُلب.
التلميذ في هذه المرحلة يحتاج إلى امتحان يمنحه فرصة لإظهار ما يعرفه، لا امتحانًا يشعره بالعجز منذ الصفحات الأولى. لأن الأثر النفسي هنا بالغ الخطورة؛ إذ يمكن لتجربة امتحانية قاسية أن تزرع في ذهن الطفل شعورًا مبكرًا بالفشل، وربما تنفّره من المادة نفسها.
العدالة التربوية لا تعني تسهيلًا مفرطًا، لكنها تعني مواءمة دقيقة بين المنهج والاختبار، بين العمر العقلي والمستوى المطلوب، وبين الغاية التعليمية وأداة القياس.
والسؤال المشروع هنا: لماذا كل هذا التعقيد؟
إذا كان الهدف رفع مستوى التعليم، فذلك لا يتم عبر امتحانات صادمة، بل عبر تطوير المنهج، وتدريب المعلمين، وتحسين البيئة التعليمية. أما الامتحان، فيجب أن يظل مرآة عادلة لما تعلّمه التلميذ، لا أداة انتقامية تُحمّل الطفل ما لا يحتمل.
إن أي نظام تعليمي يُربك صغاره بدل أن يُنصفهم، يحتاج إلى مراجعة عاجلة. لأن بناء الأجيال لا يتم بالتعجيز، بل بالفهم، والعدل، والرحمة التربوية



