مقالات وآراء

السودان ومفاوضات الرباعية: مسؤولية وطنية قبل أن تكون سياسية

حامد عثمان محمد

تتواصل مساعي الآلية الرباعية الدولية لدفع الأطراف السودانية نحو اتفاق يوقف نزيف الحرب التي أنهكت البلاد واستنزفت الإنسان قبل الدولة. ورغم الجهود المكثفة، لا تزال المفاوضات تصطدم بعقبات جوهرية، أهمها تعنّت قيادة الجيش التي تبدو عاجزة عن اتخاذ قرار مستقل، أو — بالأصح — أصبحت جزءًا من منظومة منقسمة تتقاسم النفوذ ولا تمتلك إرادة موحّدة لوقف الحرب أو الدخول في تسوية حقيقية.
وفي المقابل، تواصل قوات الدعم السريع ارتكاب انتهاكات واسعة بحق السكان في مناطق سيطرتها، مما يزيد من حجم المأساة الإنسانية، ويعقّد أي محاولة لبناء مسار سياسي مستقر. وهكذا يجد الشعب نفسه بين طرفين يتنازعان الشرعية، بينما يدفع المدنيون الثمن الكامل: قصف بالطائرات من جهة، وانتهاكات ممنهجة من جهة أخرى.
الرباعية — رغم ما يُؤخذ عليها — تبقى اليوم الإطار الوحيد القادر على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، لكن نجاحها مرهون بإدراك قادة النزاع أن السودان لم يعُد يحتمل المزيد من المساومات. فالتاريخ لن يعفي طرفًا يرى الخراب ثم يتقاعس عن وقفه، ولن يبرر لأي جهة سياسية أو عسكرية ترك المواطن يواجه الجوع والخوف والموت وحده.
إنّ مسؤولية الجيش والدعم السريع، مهما اختلفت مواقفهما، تبدأ من وقف العمليات العسكرية فورًا، واحترام حياة المدنيين، والقبول بمفاوضات ملزمة تُعيد الدولة إلى مسارها الطبيعي، بعيدًا عن الحسابات الشخصية أو الولاءات المتشابكة. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى خطاب القوة، بل إلى قرار وطني شجاع يقدّم مصلحة الشعب على أي اعتبار آخر.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:إلى متى سيظل طرفا النزاع يتصارعان على سلطة تتهاوى، بينما ينهار الوطن الذي يسعون لحكمه؟
ولن يجيب عن هذا السؤال سوى أفعالهم — لا بياناتهم — أمام شعب أنهكته الحرب، وينتظر سلامًا حقيقيًا لا مزيدًا من الوعود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..