مقالات وآراء

تائه في “ضجيج المعارك” المواطن السوداني بين فكي إعلام الحرب ومنصات التضليل

محمد صالح محمد
بينما يشتد أزيز الرصاص في شوارع كردفان والنيل الأزرق، يخوض المواطن البسيط معركة من نوع آخر؛ معركة تدور رحاها في عقله ووجدانه، وقودها سيل لا ينقطع من المعلومات المتضاربة.
ففي ظل الحرب الدائرة، لم تعد الحقيقة هي الضحية الأولى فحسب، بل أصبح المواطن هو الرهينة الأكبر لآلة إعلامية منقسمة، تتراوح ما بين إرث الإذاعة والتلفزيون التقليدي، وبين “غابة” السوشيال ميديا الجامحة.
الإذاعة والتلفزيون: صراع الشرعية والهوية
تاريخياً ارتبط السوداني بمذياعه؛ كان “راديو أم درمان” هو المصدر اليقيني للخبر.
لكن في هذه الحرب تحولت المنصات القومية إلى جبهات قتال رمزية.
التشخيص: يعاني المشاهد من حالة “انفصام إعلامي”. فبينما يبحث عن الدولة في إعلامها الرسمي، يجد نفسه أمام خطاب تعبوي يغلب عليه الطابع العسكري المباشر، مما يقلص مساحة التحليل المدني الذي يمس حياته اليومية (الخبز، الدواء، والنزوح).
الأثر: هذا الاستقطاب جعل التلفزيون الرسمي في نظر البعض “صوت طرف واحد”، مما دفع المواطن للبحث عن البديل ليقع في فخ أكبر.
السوشيال ميديا: الغابة الرقمية المفتوحة
دخلت منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، إكس، وتليغرام وغيرها) كلاعب أساسي، لكنها تحولت سريعاً إلى منصات “لصناعة الذعر”.
غرف العمليات الإلكترونية: برزت ظاهرة “الذباب الإلكتروني” و”الناشطين الحربيين” الذين يمارسون التضليل الممنهج. المواطن البسيط الذي لا يملك أدوات التحقق يجد نفسه أمام فيديوهات مفبركة أو قديمة تُقدم كأخبار عاجلة.
الخطر السيكولوجي: يعيش المواطن حالة من “الضغط العصبي المستمر” نتيجة الشائعات التي تتحدث عن سقوط مناطق أو ارتكاب انتهاكات، وهي أخبار غالباً ما تهدف لكسر الروح المعنوية أو التحريض الجهوي والمناطقي.
“التوهان” كحالة وجودية: لماذا يضل المواطن الطريق؟
التشخيص التحليلي يشير إلى أن المواطن السوداني يعاني من “تخمة المعلومات مع جوع للحقيقة”.
فكثرة المصادر لا تعني بالضرورة وضوح الرؤية.
غياب المهنية: معظم المحتوى المتداول حالياً يفتقر إلى المعايير الصحفية (الدقة، المصدر، والموضوعية).
الاستقطاب العاطفي: يعمد إعلام الطرفين إلى مخاطبة “العاطفة” لا “العقل”، مما يجعل المواطن طرفاً في الصراع رغماً عنه، ويحرمه من حقه في تقييم موقفه الإنساني بشكل مستقل.
التداعيات الاجتماعية والسياسية
هذا التوهان الإعلامي ليس مجرد حيرة عابرة، بل له آثار مدمرة على النسيج الاجتماعي:
خطاب الكراهية: ساهمت وسائل التواصل في تأجيج النعرات القبلية عبر نشر معلومات كاذبة تستهدف مكونات اجتماعية بعينها.
تعقيد الحلول: عندما يغيب الوعي بالواقع نتيجة التضليل، يصبح من الصعب بناء رأي عام ضاغط من أجل السلام.
المخرج من المتاهة
إن خروج المواطن السوداني من حالة التوهان الإعلامي يتطلب “وعياً نقدياً” يبدأ بالشك في كل ما يقرأ على السوشيال ميديا، والعودة إلى البحث عن المصادر المستقلة والميدانية التي تنقل معاناة الناس لا انتصارات المدافع.
إن الحرب الإعلامية الموازية لا تقل ضراوة عن حرب الميدان، والمواطن البسيط هو الذي يدفع الثمن من استقراره النفسي وقدرته على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بحياته وأمنه.
سيبقى التحدي الأكبر هو كيف نستعيد “الحقيقة” من براثن الدعاية الحربية؟
استرداد الوعي من براثن “العدسة الضيقة”
إن مأساة التوهان التي يعيشها المواطن السوداني اليوم وسط ضجيج الترسانة الإعلامية ليست مجرد عجزٍ عن ملاحقة الخبر، بل هي تجسيدٌ لحالة “الاغتراب المعرفي”؛ حيث يُراد للمواطن أن يرى بعيون الآخرين ويسمع بآذان الأجندات المتصارعة، ليتحول في نهاية المطاف من “فاعل سياسي” يطالب بحقوقه وسلامه إلى “مستهلكٍ مذعور” لوجبات من التضليل اليومي.
إن تشخيص هذه الحالة يكشف عن هوة سحيقة بين إعلامٍ يسعى “للسيطرة” وواقعٍ يصرخ من أجل “النجاة”.
فبين صرامة الخطاب الرسمي في الإذاعة والتلفزيون التي تتجاوز أحياناً مأساة الفرد، وفوضى الفضاء الرقمي التي تقتات على غرائزه وخوفه، يظل السوداني البسيط يبحث عن “سودانٍ” يشبهه لا يشبه جبهات القتال.
إن المعركة الحقيقية التي يجب أن تُخاض اليوم هي معركة “تحرير الوعي”.
فالحقيقة في السودان لم تعد ترفاً معرفياً، بل هي طوق نجاةٍ وجودي، ولن يخرج المواطن من تيهِ هذه المتاهة إلا بامتلاك أدوات النقد واستعادة صوته الخاص بعيداً عن صدى المدافع الافتراضية؛ فالحرب قد تنتهي بهدنة أو اتفاق، ولكن أثر التضليل في تمزيق الوجدان الجمعي قد يحتاج لعقود من التئام الذاكرة.
يبقى الأمل معلقاً على وعيٍ جماعي يدرك أن أولى خطوات السلام تبدأ من كسر أغلال “إعلام الحرب” والعودة إلى رحاب “إنسان السودان” وقضيته العادلة في الحياة والحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..