المقالات والآراء

ثورة ديسمبر المجيدة هي الأعظم في تاريخ البشريّة

بالأمس حثني حديثي مع سارا، طالبة ألمانية بجامعة كونستانس (ألمانيا)، على تسجيل مجموعة من الملاحظات فيما يتعلق بالثورة السودانيّة. تدرس سارا معي اللغة الفارسيّة بالجامعة في مدينة تقع في أقصي جنوبيّ ألمانيا، بالضبط على حدود سويسرا الخضراء. وهذه المدينة تدعى يا سادتي درّة الجنوب إذ أنها تطلّ بسندسها المستبرق على جبال الألب بجليدها الأبيض السرمدي، وترقد على بحيرتها كالهمزة على سطرها. أومأت إليّ سارا قبل أن تدخل معلّمتنا خانم فاطمي إلى غرفة الدرس قائلة:

– أستاذ بدوي! سيكون موضوع رسالتي بالبكالوريوس عن الثورة السودانية.

بادرتها وقد شدتني مباغتها لي سائلا:

– لماذا؟

– لكثير من الأسباب، لا يمكنني أن أبسطها جُلّها هاهنا وقبل بداية المحاضرة، لكن منها على سبيل المثال لا الحصر، أنها ثورة خارقة للعادة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ.

تسترسل قائلة:

من العجب العجاب أننا بدأنا ولأول مرّة في كلية العلوم السياسية نتحدث عن السودان، هذا العملاق المنسيّ، وذلك منذ عقود. وأنا والله أحمد الرّب أن ثورة ديسمبر جاءت للأوربيين لتصحح المسار وتنصف شعب السودان الذي أجحفت بلاد العالم بأسرها في حقه، لا سيما إعلامها، إذ لم يغطوا هذا الحراك العارم والفريد في نوعه كما كان ينبغي لهم أن يفعلوا.

تضيف قائلة:

سيد بدوي! إنني أحب بلدكم السودان فهو يذكرني، من على البعد، بمدينتنا كونستانس، إذ يتربع هو الآخر على ضفاف نيليه، الأبيض والأزرق، كما تتربع ملكات السودان على عروشهنّ في شموخ وكبرياء (تقصد الكنداكات، ذاكرة الاسم، مما أبهرني).

إن حياة الإنسان يا سادتي يحكمها في هذا وذاك العديد من القوانين والمساطر منها الاجتماعية والتي تُدَوزِنُ بدقة متناهية تقدّم أو تأخُّر أي شعب من شعوب العالم. فالتقدم تحركه ثورات فجائيّة عبر الأزمان فتولّد عصور ال”ما قبل” وال”ما بعد” على حدّ اصطلاح الأدب الثوريّ. بيد أن لغة الاصطلاح هذي لم يخطر لها ما يحدث الآن بالسودان ببال؛ ففوران ثورة ديسمبر في نهاية العام المنصرم وتأجج نيراها المضطرمة التي ازدادت اشتعالا في مطلع أبريل من هذه السنة، شيء مستجد على معجمات الثورات. يمكننا أن نستعير مصطلح علم الأحياء “طفرة” لنتمكن من أن نسمى هذه الظاهرة. نعم، إن ثورة ديسمبر المجيدة هي طفرة، أي وثبة أو قفزة لا مثيل لها في تاريخ نضال الشعوب.

لذلك فأنا أدعي أن ثورة السودان الجديدة تحتاج إلى “سيزموغراف” لرصد حركة فورانها وتموّرِها فهي كالزلازل والبراكين، إذ لا ينبغي أن تُختزل بمقاييس تنبثق عن انطباع شخصي غير علميّ مبنيٌ على اعتقاد شعبيّ. نرى الآن يا سادتي وبأمّ أعيننا أن هذا البركان بدأ يأتي أكله أو بالأحرى حِمَمَه ولظاه، وسوف يأتي على الأخضر واليابس من حكم الإنقاذ الفاسد.

حقيقة يا سادتي كلنا متفائل – إذا توخينا الحذر –فسوف يحالف هذه الثورة النجاح. وكلما يتلهف له المواطن السودانيّ هو الحريّة والتغيير لا سيما في إطار دولة ديموقراطية عادلة في فترة ال”ما بعد” حتى يغدو إنسان السودان البسيط عزيزا كريما، بعد أن لَحِق بحقوقه أضرارا فادحة من قبل مجرميّ الدين والتدين الزائف من حفنة الإنقاذيين. لقد طال صبر الشعب العقود الطوال وكل مواطن يتأجج نارا وعلى أحرّ من الجمر للقمة العيش الكريمة ولأن ينقشع هذا الكابوس المريع من دنياه إلى الأبد. يرى في الآفاق القريبة اسم بلده وعلمه سامقا بين أعلام الأمم التي لم تنفكّ تنظر إليه بدونية واحتقار.

ومن أولئك النسوة والرجال حاجة فاطنة وحاج بشير فهم صبروا صبر أيوب الأبيّ. لكنهم يا سادتي رغم صبرهم وتجلدهم فهم يمثلون أغلب الظن كل شرائح هذا الشعب الكريم، الذي صمت عن الظلم في دولة الزيف والتمكين العميقة، لكنه عندما انتفض ثار كالبراكين. أهلنا يا سادتي وديعين وداعة الحمل اليافع وكرماء كرم النيل الزاخر والبحر الوافر، لكنهم وإذ بلغ بهم السيل الزبى تجدهم كالطوفان يقضي على أخضر الظلم ويابسه. لا ولن تستطيع أن تقف أمامه قوّة أيّاً كانت. وها هو العالم ذا يرى ملئ عينيه ما صنعه هؤلاء الشباب في بضع أشهر عجاف وأن هؤلاء الشباب قادرون على تحمل كل الصعاب بعزيمة ونكران ذات حاملين بين أيديهم سلاحهم “الاعتصام” و”السلميّة” حتى تخرج الثورة إلى برّ الأمان. كل العالم يتنبأ أن تكون هذه الثورة نبراسا يُتقدى به بين الأمم، و”سوف يكون كذلك” على حد آيات إنجيل العهد القديم في سفر التكوين.

سبق حديثي مع الابنة سارا حديثان هامان. الأول مع صديقي الدكتور على كوبا والثاني مع رفيق الدرب بمدرسة المؤتمر الثانوية الأستاذ عبد السلام صلاح. وكانا كلاهما حماس وتفاؤل مما حفزني أن أشرع دون لأي في كتابة هذا المقال. نعم، إن الثورة السودانية غيّرت مفهوم الثورات في العالم. والجدير بالذكر أن مفهوم الثورات في تاريخ البشريّة ارتبط ارتباطا وثيقا بمصطلح “العنف الثوريّ”. وحتى يومنا هذا لم تنجح ثورة أيّا كانت في قلب موازين حكم ما إلا بالعنف. لذا فالرابط بين الكلمتين في المصطلح المذكور أعلاه راسخ ومنقوش على هذه الشاكلة في ذاكرة البشريّة جمعا. مما يعني أنه ليس من الممكن فكّ رباط الكلمتين أو بمعنى آخر أن وجود كلمة ثورة يحتمه تداخل كلمة “عنف”، لذا لا تأتي كلمة “ثورة” وإلا تقدمتها كلمة “عنف”. وساد هذا المفهوم حتى إشراقة ثورة ديسمبر المجيدة والتي قلبت كل الموازين. إذ أنها جعلت كلمة “سلميّة” تتقدم كلمة “ثورة” مما لم يعهده القاموس العالمي من قبل. أو بعبارة أخرى، أنها أدخلت مفهوم جديد في فلسفة الثورات مهرمنة ومناغمة بذلك التضاد بين كلمتيّ “سلميّة” و”ثورة” اللتان لم تلتقيا في سياق واحد في تاريخ البشريّة من قبل.

فنحن نجد في علم اللسانيات كلمتيّ “ثورة” و”سلم” نقيضتين، مثلهما مثل كلمتيّ “إنقاذ” و”أمانة” أو “كوز” و”تقوى” أو “بشير” و”أمين”! نحن نقف يا سادتي على مولد فلسفة جديدة ونهج غير مسبوق، فالشعب السوداني استطاع بنضاله وبسالته تغيير كل المعايير ودكّ كل الموازين السيمائية (تلك التي تُعنى بعلم المعاني) للقواميس. فصرنا نعلّم العالم أن كلمة “ثورة” يمكن لها أن تلتحم بلحام ثابت بكلمة “سلميّة”.

وكما استطاع الشعب الفلسطيني أن يدخل في القاموس العالمي كلمة “انتفاضة” أستطاع ثوار السودان أن يدخلوا في دفته مفهومين: الأول: “السلم الثوريّ”، والثاني: “كنداكة”. أما فيما يخص الأخيرة نجد أن إذاعات وتلفزيونات العالم تتهافت على هذا المفهوم. فالكنداكة صارت قدوة لنساء العالم أجمعين، حتى نساء إسرائيل أقسمنا بمثاليتها ونضالها المنقطع النظير. فكلمة “كنداكة” غدت فلسفة لأنها أتت بوعي عصريّ وقيم جديدة بين الشباب تتلخص في كلمة “نبراس” أي طريق وسراط لكل للأمم التي ننتمي إليها، إفريقية كانت أم عربيّة. والأهم من ذلك يا سادتي أن الثوار استمدوا هذا الإلهام من تاريخ السودان العريق من مُثُلٍ عليا تعكس رقي وشموخ هذه الأمّة، التي انداست ووطئت عزتها وكرامتها “بالمركوب”. فكلمة “كنداكة” ملهمة لنا ولكل العالم ومن خلالها انبعثت رسالة لكل الشعوب سيما العربية والاسلاميّة منها تتلخص في أهمية الحراك النسويّ في قيام وقيادة الثورات، مما أسفر عن اتخاذ الكنداكة السودانية كأيقونة لثورة ديسمبر المجيدة وبهذا غدت أنثى سودانية “الكنداكة” قدوة لثورات الشعوب الأخرى، لا سيما في بعض الدول المجاورة التي بدأت تمور براكينها النائمة وتغلي.

إن ثورة ديسمبر يا سادتي، ودون مغالاة، هي الأعظم في تاريخ البشريّة، ولقد تعدت وفاقت الثورة الفرنسيّة بمراحل وبكل المعايير والمقاييس وذلك للأسباب المذكورة أعلاه وأدناه:

١) لقد أشاد العالم بأسره بسلميتها وذلك منذ أن اندلعت. إنها ورغم الخسائر الفادحة في الأنفس، التي تكبدها الشعب من قبل كتائب الظل وقوات الأمن الغاشمة، ظلت ثورة ديسمبر أمينة على خطها الأحمر الذي أعلن مناج ال”سلميّة دون سلاح”.

٢) إن مليونيات الاعتصام المتواصل وتصعيده في كل مدن السودان، التي انتفضت واتحدت أمام القيادة العامة وصار الميدان مسكنها ومأواها، لم يره العالم أبدأ.

٣) في سياق ثورة ديسمبر المجيدة اجتمعت أكثر من أربع وعشرين نقابة تحت سقف واحد تحت اسم “قوى الحريّة والتغيير”، دون أي لون أو رائحة سياسية، أيضا دون سابق في تاريخ الأمم.

٤) تمثل قوى الحرية والتغيير الثوار دونما حزب وهذا مستجد على الفضاءات السياسية العالمية ولم يحدث لا في الثورة الفرنسية ولا في أي ثورات أخرى. بيد أنه يشابه بعض الشيء ما حدث أثناء الانتخابات الرئاسية السابقة بفرنسا. حيث تجمعت في غضونها قوة من الشعب كحركة انتظمت فيما بعد في شكل حزب حتى تتمكن من خوض الانتخابات. وكان الرئيس ماكرون هو المؤسس الرئيسي لها.

٥) انتظم الثوار بشكل يبحث عن مثيل سيما في تفعيل مراكز خدميّة داخل ميدان القيادة؛ فقاموا بإنشاء صيدليات، مراكز صحيّة، وانتظموا كعمال نظافة، دون تفرقة بين العامل وأستاذ الجامعة، جهزوا مراكز طهي، تجهيز وتوزيع الطعام بمشاركة ربّات المنازل، ناهيك عن الهبات الكثيرة من قبل الشرفاء وحتى “أكياس الكيف” وتحويل أرصدة الجوال لم تغب عن فناءات الاعتصام!

٧) انتشر الخلق الثوريّ والاحترام المتبادل في التعامل أمام القيادة، سيما مع الكنداكات. تبدّى ذلك في التأدب والتعامل الحضاري على عكس الثورات الأخرى قديما وحديثا والتي ارتكبت فيها أبشع الجرائم. فعلى سبيل المثال، فالثورة المصرية التي جعلت من ميدان التحرير مكانا لحراكها، عانت العديد من التجاوزات والانتهاكات تجاه المرأة. وهذا ما لم تشهده ثورة ديسمبر المجيدة فحتى الآن حافظت على نظافتها دون رقيب.

٨) إن ثورة ديسمبر المجيدة هي الوحيدة في تاريخ البشرية التي لم يقدها حزب أو تحزب أو طبقة (كالطبقة البرجوازية التي اتحدت مع الفلاحين في غضون الثورة الفرنسية والتي وعدت الفلاحين ببعض فتات العيش، والتي انبعث في الأصل لتشبع أطماعها وأطماع رجال الدين المسيحيّ. والسبب في ذلك أن الكتلتين المذكورتين سلفا قد اختلفتا والملك. لذلك اضطرتا على الاتحاد مع طبقة الفلاحين لترجيح الكفّة ضد السلطان، مما دعا إلى جمع الفقراء من الفلاحيين لكي يكوّنوا أرضية بإمكانها دكّ عرش الملك لويس السادس عشر.

٩) إن عظمة ثورة ديسمبر المجيدة أتت بثمار يانعة وفريدة على شاكلة التلاحم الاجتماعي والثوري بين فئات المجتمع المختلفة لم يعرفها العالم ولا حتى السودان بهذه الكثافة وبهذا المد والجزر. وما كان لهذا التلاحم إلا أن اتخذ مقعده بين الشعب كدينامو، ينبعث منه النور وكان للشباب فيه نصيب الأسد. لذا فنحن نرى أنها هي الفئة الطاغية على ملامح النضال ضد النظام البائد، مما يدعو أن يُسمع صوتها وتُسمِعُهُ هي عبر حركة الحرية والتغيير. إن تلاحم كل طبقات الشعب السوداني أمام القيادة بعضها البعض هو خير مثال لخلق الدين القويم وتعاضد الناس كأسنان المشط وكأعضاء الجسد الواحد: لا فرق بين غني أو فقير، أو بين مسلم أو مسيحيّ أو وثني أو ملحد. تجاوز الثوار كل الفروقات الطبقيّة، الإثنيّة والدينيّة والقبليّة تحت سقف سودان معاف يحمل أنبل شعار في تاريخ البشريّة: “حرية، سلام وعدالة” فكانت الثورة “خيارا للشعب.

١٠) تحتفي فرنسا بثورتها وهذا شيء طبيعي لأنها رفعت ونشرت شعار “الحريّة والمساواة والأُخوّة” في كل العالم. بيد أن صحائف التاريخ قد أسمتها “الثورة التي أكلت بنيها (عيالها)”. فثورة ديسمبر لم تأكل بنيها بل أمنّتهم ومن ورائها الجيش، على عكس ما حدث في فرنسا؛ إذ أن المجالس الثوريّة آنذاك حكمت بسطوة المقصلة وبسفك الدماء، حتى أجهضت من رَحِم التخبط ومهبل الصدفة ثورةً جديدةً قامت على أساسها الجمهورية وانطلقت بعدها موجة من التغيير الديموقراطيّ التي اجتاحت العالم أجمع. والأحداث سوف تعيد نفسها في ثوب جديد لا التاريخ – كما تعلمنا من أستاذنا السّراج – فثورة ديسمبر المجيدة سطّرت اسمها سلفا على صحائف التاريخ المجيدة بمداد من نورٍ لؤلؤيّ.

١١) لم تبن ثورة ديسمبر المجيدة حراكها وقوتها انطلاقا من اشاعات وأكاذيب عن الرئيس السارق وحفنة الإنقاذ المخلوعة كما كانت الحال عند اندلاع الثورة الفرنسية حيث كرس الإقطاع ورجال الدين جهودهم جلّها في تشويه صورة الملك وحاشيته لينفردوا بالسلطة. فضلا عن أن الانطلاقة الأولى لم تكن بسبب انعدام الخبز كما هي الحال بالسودان أو بسبب تفشى الجوع لدى الفلاحيين الفرنسيين ولكن عن نزغة استمدت أطماعها من روح الإقطاعيين وتسلط رجال الدين. لقد كان شعارهم يشابه شعار لحس الكوع عند نافع على نافع وعوض الجاز: “هل من مزيد”؟!

١٢) إن ثورة ديسمبر المجيدة، وعلى عكس الثورة الفرنسيّة التي لعبت في بلورتها، فيما بعد، أفكار عصر الأنوار، رسخ ميثاقها مفكرون كديدرو وجان جاك رسو وفولتير بينما استطاعت ثورة الكنداكات رسم طريقا جديدة من خلال قوى الحريّة والتغيير التي تبنته أكثر من ٢٤ نقابة مهنية ولم تكن فقط حفنة من الانتلِجنسيا والمفكرين التي انفردت بوضع لبناتها. فلمفكريّ فرنسا دور فعّال في إرساء قوائم الديمقراطية والعدالة في السنوات والعقود التي تلت اقتحام سجن الباستيل، حيث نجدهم فكروا، رسموا ومن ثمّة قرروا. بينما نجد بالسودان إن قوى الحرية والتغيير سندت ثورة الشباب في الضغط على الحكومة العسكرية لتلبية مطالبها كاملة دون استثناء بعد أن فوضها الثوار بذلك وكان الميثاق هي ثمرة الحوار والضغط على العسكر.

١٣) إن سقوط سجن الباستيل في الرابع عشر من يوليو من عام ١٧٨٩ كان بداية لثورة دموية عارمة غيّرت مسار المجتمعات الأوروبية عن بكرة أبيها. وكان السبب الأساسيّ لاقتحام هذا السجن هو الحصول على العتاد الحربيّ والسلاح من أجل سفك الدماء لا من أجل تحرير السجناء الذين عارضوا الملك آنذاك. أما فيما يخص ثورة السودان فكانت من أول انطلاقة لها تنادي بالسلمية، فانبثقت هذه الثورة المجيدة عن اعتصام سلمي أمام قيادة الجيش ولم تسفك في ساحة الاعتصام دماء الأبرياء كما شاع آنذاك في فرنسا. إن سلمية ثورة أكتوبر مثال يتنافى ودموية الثورة الفرنسية التي توّجت حراكها بقطع رأس الملك لويس السادس عشر ورؤوس أفراد أسرته. فشباب الثورة يُأوّل شأن عقاب المجرمين لدولة القانون، فقد اكتفوا أولّه بإلقاء الخونة في براثن سجن كوبر ليدخلوا إليه صاغرين جزاء بما اقتاتوه، سفّوه وطفحوه من قوت الشعب الكريم ونكالا بما عاسوا في بلدنا من فساد لم يشهده تاريخ البشريّة على الإطلاق. تمكّن الثوّار الأحرار من اخراج الكثير من الشرفاء الذين تصدوا لحكم الإنقاذ من السجون لا سيما سجن كوبر. أخرجوا أبناء الوطن الذين حكمت عليهم محاكم طوارئ البشير ظلما وبهتانا ولم يخرجوا ذخيرة أو بنادق، كما في سجن الباستيل، بل أخرجوا سلاح البشر السلميّ ضد الظلم وذلك يعني أنهم أخرجوا الحق ورفعوا كلمته عالية ليكون ظاهرا على كلمة الباطل، فإن الباطل كان زهوقا.

١٤) لم تحافظ الثورة الفرنسية على وعودها في إرساء دعائم العدل والمساواة لكل طبقات الشعب الفرنسيّ من أول وهلة كما هي الحال في ثورة ديسمبر المجيدة التي كانت صوت كل مواطن دون تفرقة أو عنصرية. يمكننا أن نقول بأن الثورة السودانية وَلّدَت ثقافة وفلسفة سامية وفريدة في نوعها مما أجبر العالم أن ينظر إليها بعين الاعتبار، فحتى رئيس فرنسا، خاطب أصحاب البدل الصفراء قائلا: اقتدوا بثوار السودان وبسلميتهم، ألا ترون أن أعدادهم قد فاقت الخمسة ملايين، وهم لا يزالون يحافظون على السلم”. يا سادتي، لديّ الثقة التامة أن ثورة ديسمبر المجيدة سوف تغيير، ليس مسار الثورات فحسب، بل منهاج كل الأنظمة المستبدة في العالم وتجبرها أن تتوخى الحذر في التعامل مع شعوبها التي انتخبتها لتسهر على كرامتها ورقيّها.

١٥) إن نجاح ثورة ديسمبر المجيدة يعزى لصمودها من أوّل وهلة ضد الطغيان وأدوات القهر والتعذيب إذ أنها انطلقت من مبدأ السلميّة من قبل كل تجمعات الشباب. ومن ثمّة يعزى هذا النصر لأنها ساقت الكل في اتجاه هدف سام استمدت منه إيمانها وعزيمتها: #تسقط بس! ذلك عكس كل الثورات الأخرى، سيما ثورات الربيع العربي التي لم تنجح في هز سياج السلطة القائمة، اللهم إلا في تونس. فثورة تونس تشابه في مسارها ثورة ديسمبر المجيدة في أنها اعتمدت على القيادات المؤطرة في النقابات. لذا ينبغي علينا وانطلاقا من دقّة التعابير اللغويّة أن نعدل تسمية ثورات الربيع العربي في مصر وليبيا واليمن من “ثورة” إلى “انتفاضة” لإنها لم تغير المسار التوتاليتاري لحكومتها تغييرا جذريا. وهذا هو المعيار في التسمية.

١٦) على الصعيد العالمي فقد فشلت ثورتا الصين وروسيا اليساريتان حيث تأججتا بوازع “العنف الثوريّ” ورغم ذلك لم توفقا كما هي الحال في ثورة ديسمبر لأنهما تمخضتا عن أنظمة توتاليتارية.

١٧) أجمع الكل بأن التكافل والالتحام الشبه عائلي بين الثوّار في ساحات الاعتصام لم يعرفه تاريخ البشريّة من قبل. فالإمدادات التي تقدّم بها الشعب أولا وتبعها رجال الأعمال السودانيين من بعد كانت خارقة للعادة. فقد قاموا بتوفير كل مستلزمات المعتصمين في ميدان القيادة وهذه شيمة سودانية بحتة ينبغي للأمم أن تتعلم منها. فنحن أثبتنا للعالم كيف تقوم الثورات وكيف يمكن أن تؤسس مبادئا راسخة لبنائها ومن ثمّة كيفيّة حفظها، الزود عنها، حمايتها وتنظيفها من الأدران العالقة بها من جاهلية الحكم المخلوع.

١٨) إن حراك المدن باتجاه العاصمة لم يسبق له مثيل في أي بلد من بلدان العالم. لقد تحرك من كل محافظات السودان كم هائل من البشر وتنقلّوا بالشاحنات، بالحافلات وحتى بالقطارات. وقطار عطبرة الأخير دخل التاريخ من أوسع أبوابه وهو خير شاهد على استثنائية ثورة ديسمبر المجيد. وفي خضم الحديث الالتحام الأُسريّ لأهل السودان داخله وخارجه، ينبغي علينا أن نُذكّر بالحراك السلميّ الذي خاضه سودانيّو المهجر. فقد تحركوا هم أيضا بقوة جأش منقطة النظير في كل بقاع الأرض، مشارقها ومغاربها، ليسندوا ظهر الثورة بكل جهودهم. فمنهم من جاد بالمال، الوقت، التقنيات، القلم ولولا ذلك لم تحركت الحكومات التي هم في بلادها ولما جرت الأمور على علاتها كما نرى.

ورغم ذلك يا سادتي فالثورات تحتاج إلى قيادة محنكة. عزا بعض الكتاب فشل ثورات الربيع العربي في مصر واليمن وليبيا لكثرة القيادات وتناقضها وتنافسها وعجزها التام في الحوار الوطني فيما بينها. وهذه الظاهرة الخطيرة تبدّت هذه الأيام في ظهور أهل السلف والأحزاب على رأسهم الإمام المزعوم د. عبد الحي يوسف الذي ينادي برفع شعائر الإسلام التي دنسها هو وقادة الإنقاذ ولطخوها بدماء الأبرياء على مدى ثلاثين عاما. أين كان هؤلاء؟ لماذا لم يحركوا ساكنا؟ كان أبناء الوطن يموتون في الحواري بينما كان هؤلاء الفضلاء يجتمعون مع الرئيس المخلوع في قصره المشؤوم، يطبلون له ويغنون له أغاني السلطان: أنت الأكبر والأجمل والأكرم من بين الكائنات! كيف يتصافقون على شباب الأمّة؟ فهذه الجماعات لم تشارك بالأصل في الحراك الشبابي والاعتصام أمام القيادة فضلا عن أن بعضها شارك الرئيس المخلوع في قيادة دولة الإنقاذ العميقة والآثمة. لذلك نرى أن الجهة الرئيسة التي تمثل الشباب لها الحق في تكوين حكومة مدنية انتقالية. وكل شخص أو حزب شارك وتشارك وأشرك نفسه في الحكومة السابقة ولم يحرك ساكنا عندما كان خيرة شباب الأمّة تقتل وتعذب ويهتك عرضها “عينك يا تاجر” لنرفضنّه رفضا باتا لا رجعة فيه. فشباب الثورة اليانع قد أخذ موقفه منهم جميعا وبصق على مزابلهم لأنهم شاركوا عمر في فسقه وظلمه الكبير. لقد فقدوا بذلك مصداقيتهم أمام الشعب طوال الثلاثين عاما. وفي ختام المقال نقول إن الكرة الآن في ملعب الشباب. وقضي الأمر الذي فيه يستفتي عبد الحي وغازي صلاح الدين وغيرهم. فالعزة للسودان والرفعة للوطن.

(نشر يوم السبت الموافق ٢٧ أبريل ٢٠١٩ بصحيفة “أخبار اليوم”)

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق