أخبار السودان لحظة بلحظة

إنشاء “وزارة تكنولوجيا معلومات واتصالات” مستقلة في السودان

شرط أساسي لنهضة السودان المستدامة ولنجاح مهام الوزارات الأخرى

0

حأخش في الموضوع طوالي ودون مقدمات، هذا المقال (الذي أبى إلا أن يكون مطولا) هو دعوة ملحة وعاجلة لمن يهمهم الأمر في “تجمع المهنيين السودانيين” ككل و”تجمع مهنيي التقنية والاتصالات” و”تجمع المهندسين السودانيين” على وجه الخصوص، لتبني مبادرة واسعة النطاق تدعو رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك لوضع خطة إنشاء “وزارة تكنولوجيا معلومات واتصالات” من الآن، قائمة بذاتها بصلاحيات تشريعية وتنفيذية ورقابية مستقلة ومدعومة بميزانية مستقلة. وذلك لأن نهضة السودان وتقدمه في كافة المجالات وتحديدا في المجال التعليمي والصحي والمالي والتجاري والصناعي يعتمدان بشدة على وجود مؤسسة حكومية قوية وضليعة ومتفرغة ومقتدرة ماليا (على شكل وزارة) قائمة على إرساء البنية التحتية اللازمة لنهضة تكنولوجية نوعية وكمية وشاملة وعاجلة في مجال المعلومات والاتصالات والذي لا غنى لأي وزارة من الوزارات عنه سواء في الفترة الانتقالية أو في الفترة ما بعد الانتقالية، وليطلق عليها إسم Ministry of Information and Communication Technology.

تعريف المشكلة: خلفية تقنية تاريخية

ولأن تعريف المشكلة هو نصف الحل (وفي رأي، ثلاثة أرباع الحل)، دعونا نستعرض حال السودان الآن في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، ولن يطول الشرح. يمكن تلخيص جغرافية عالم الاتصالات في السودان في ثلاث شركات كبرى (وواحدة صغيرة) متحكمة في تواصل الناس (الإتصالات) وفي مصادر معلوماتهم الاسفيرية (المعلومات)، وهي شركات سوداني أو سوداتيل Sudatel السودانية, وشركة إم. تي. إن. MTN الجنوب إفريقية، وشركة زين Zain الكويتية، وبجانبهم شركة كنار Canar الصغيرة نسبيا.

دون الدخول في تفاصيل تقنية متعلقة بنوعية الخدمات المختلفة التي تقدمها هذه الشركات سواء لزبائنها من الأشخاص أو الشركات، لن يختلف إثنان (ولا ألفان) على أن الخدمة التي تسمى “خدمة توفير الإنترنت Internet Service Provision” أو ISP هي دون المستوى الدولي والإقليمي حتى بالمقارنة مع أقرب الدول لنا جوارا، وأضعفها إقتصادا وبالتالي أقلها إمكانية تطويرية.

كبداية، توفير خدمة الانترنت في السودان حدث فيما يشبه “القفزات التقنية” ولكنها ليست قفزات بل “فجوات”. فتاريخ تطور هذه الخدمة في معظم دول العالم المتقدم (المنتج والمطور لها) تم في مراحل نمو منطقية وطبيعة دون فجوات تقنية، بدأت بتوفيرها عن طريق خطوط الهاتف، ثم انتقلت الى توفيرها عن طريق شبكة كابل معينة تم ارساؤها cable network، ثم تم تطوير تلك الشبكة مرارا وتكرارا لتحسين جودة سرعة نقل المعلومات Internet Speed، ثم تم توفير خدمة الانترنت الإسفيرية للهواتف شبه الذكية WiFi إلى منتصف الألفينيات، ثم للهواتف الذكية ابتداء من إنزال اول هاتف ذكي smartphone منذ منتصف الالفينيات (ثورة الأيفون)، ثم تم توفير خدمة الوايفاي للكمبيوترات عن طريق ال Connector أو ما يسمى في السودان ب “الكونيكت”. وأصبحت هذه الخدمة الأخيرة هي المعيار الثابت لتوفير خدمة الانترنت لأجهزة الكمبيوتر لسنين طويلة ظن فيها الشعب السوداني بأنها قمة التطور. والواقع هو أن هذه الخدمة بتصميمها هي ليست خدمة قوية ولا سريعة بل تستخدم في الدول المتقدمة كخدمة ثانوية لرجال الأعمال والمحترفين كثيري السفر والترحال حتى يتسنى لهم الدخول إلى “الشبكة العنكبوتية www” وهم على متن طائرة مثلا لمجرد تصفح أخبار أو إرسال ايميل أو بريد إلكتروني. أي.. نشاطات اسفيرية لا تتطلب قوة أو سرعة أو ثبات في الشبكة.

وحتى استخدام البريد الإلكتروني في السودان لم يتبلور إلى نشاط مكثف في مجالات التعليم أو التجارة مثلا أو حتى التواصل الإجتماعي البسيط social networking (كأول وسيلة تواصل اجتماعي في الحقيقة)، بل إن إنشاء بريد إلكتروني في السودان لا يخدم المجال التعليمي أو الصحي أو القانوني أو التجاري أو الحكومي في السودان، بل هو بالدرجة الأولى لإنشاء صفحات وبروفايلات في وسائط التواصل الاجتماعي. وهذه فجوة تقنية كبرى يجب “ردمها” وبسرعة، فالبريد الإلكتروني electronic mail أو e-mail استبدل البريد التقليدي منذ ما يقرب على ال ٢٠ عاما أو أكثر في الدول المتقدمة (باستثناء إرسال الطرود والوثائق الرسمية وكروت المعايدة التقليدية والمنتجات التجارية). وبالتالي فإن حتى مسمى “البريد” في الوزارة الجديدة، ليس له معنى أو داع عملي.

تعريف المشكلة: حالة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في السودان الآن

بعض من شركات الاتصال العاملة في السودان هي شركات حاصلة على علامات جودة دولية، مثل شركة زين الكويتية الحاصلة على معيار “منظمة المعايير الدولية International Standards Organization” والذي يتم اختصاره بي “أيسو ISO” ويضمن التزام الشركة الحاملة له بمعايير معينة في جودة المنتجات (أو الخدمات) وفي توفير الخدمات بمعايير معينة لزبائنها “خدمة العملاء”. ومع ذلك ما تزال الخدمات الموفرة من قبل هذه الشركات دون المستوى الدولي بسنين ضوئية. لماذا؟ سوف تتعذر مثل هذه الشركات بعدد من الأعذار بعضها واقعي وبعضها شكلي وبعضها تجاري بحت، منها:

١. عدم وجود البنية التحتية الهيكلية والتقنية الموفرة من قبل حكومة السودان لتوفير خدمات مماثلة للخدمات التي توفرها في الدول الأخرى (كالكويت مثلا) والمتمثلة في شبكة كابل cable network حديثة ومواكبة تضمن سرعة مرضية لخدمات الإنترنت والاتصالات. وهذا صحيح جزئيا. ففي العديد من الدول الأوروبية حتى، تستخدم الشركات الأجنبية التي تعرض خدماتها على زبائن هذه الدولة المضيفة الشبكة المحلية للشركة المحلية الكبرى (والتي غالبا ما تكون حكومية الإنشاء وان تم خصختها لاحقا). ففي بلد مثل هولندا مثلا، الشركة الأم هي KPN وهي أولى شركات الاتصال في المملكة الهولندية وهي التي قامت (وتقوم) بارساء وتجديد الشبكة الرئيسية للكابل. فإذا ما أرادت الشركة البريطانية Vodafone أو الألمانية T-mobile أو السويدية Tele-2 عرض خدماتها في السوق الهولندي، فإنها (وإن كانت منافسة للشركة المحلية) في الكثير من الأحيان تلجأ إلى توفير “مصروفاتها التطويرية” باستئجار الشبكة الموجودة أصلا من الشركة المحلية الكبرى بشرط أن تكون حديثة ومواكبة. وبذلك تستفيد “الشركة الأم في الدولة” استفادة مادية إضافية من تطوير البنية التحتية، تنعكس على شكل مزيد من الدخل للبحث والتطوير. ولهذا ليس عبثا تعتبر شركة KPN الهولندية من أغلى (وأغنى) الشركات في الدولة لجودتها العالية جدا. (فهمتو يا سوداتيل؟)

٢. عدم وجود صلاحيات حكومية ممنوحة لها من قبل الحكومة المحلية للقيام بتغييرات جذرية في البنية التحتية الهيكلية (شبكة الكابل) للارتفاع بجودة منتجاتها وخدماتها بما بتناسب ورؤية الشركة وأهدافها ومعاييرها. وهذا عذر غالبا ما يكون ضعيف ويختبيء خلف العذر الأكبر وهو تكلفة التطوير مقارنة مع القوة الشرائية لشعب الدولة والمردود المادي، أو ما يسمى بال ROI Retrun on Investment. فالقوة الشرائية لشعب السودان ضعيفة نظرا للوضع الاقتصادي السيء والذي دام عقودا طوال تحت حكم الانقاذ، وتكلفة خدمات الإنترنت العالية الجودة في الخارج هي وبلا شك أعلى من نظيرتها في السودان لأن الدخول في الخارج أعلى.. فلكل شيء ثمنه.

٣. التكلفة الباهضة لتطوير البنية التحتية في بلد مضيف غير مستقر سياسيا ولا اقتصاديا، وقد لا يصبح مضيفا في الأمد الطويل بل طاردا. فمن المعروف بأن أكبر المعوقات للاستثمار الخارجي في بلد معين هو ارتباطه بالاستقرار السياسي لذلك البلد بالإضافة للاستقرار (أو النمو) الإقتصادي. ومن حق شركات أجنبية تجارية بحتة كزين الكويت أو إم. تي. إن جنوب إفريقيا بأن تبحث عما يضمن لها الربحية والاستمرارية في بلد معين، بحسب القوانين التجارية والاقتصادية التي أصبحت تسود في (وتحكم) عالمنا.

فإذا ما الحل؟ الحل هنا ما في “البل”. لأنو بصراحة مافي شي غير المطر والبلل الجاب لينا تردي خدمات الاتصال (وذلك لتردي البنية التحتية). ومن ناحية سياسية، من المثلج للصدر أن “تجمع العاملين في شركة سوداتيل” كان من أوائل المعارضين لأيلولة نظام البريد والإتصالات لوزارة الدفاع. وبقرار إتباعها للمجلس السيادي، تنفس البعض الصعداء نفسيا وليس فعليا (مقارنة بالقرار الأول الصادم). فهم وبلا شك يدركون كما لا يدرك غيرهم، بأن مستقبل تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في السودان لا بد أن يكون في يد وزارة مستقلة وغنية ومتفانية، لكي ينهض ويتطور.

فالحل من وجهة نظري ومن وجهة نظر العديد من المختصين هو عدم محاولة إعادة اختراع العجلة من جديد (أو الآلة الحاسبة)، بل الركوب على متن عجلة التطور من حيث وقفت بدعوات دولية ثقيلة الوزن منها الأمم المتحدة والبنك الدولي للتعامل مع تقنية المعلومات والاتصالات كأهم مجال تعتمدان عليه نهضة الدول وتطورها في جميع المجالات.

ففيما يسمى ب “أهداف التنمية المستدامة SDGs” مثلا، وهي عبارة عن ١٧ هدفًا وضعت من قبل منظمة الأمم المتحدة في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٢٥ سبتمبر ٢٠١٥ وفي ١ يناير ٢٠١٦، وتغطي مجموعة واسعة من قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية مثل الفقر، والجوع، والصحة، والتعليم، وتغير المناخ، والمياه، الصرف الصحي، والطاقة، والعدالة الاجتماعية، والصناعة والتطوير والبنية التحتية إلخ بهدف تطويرها بحلول العام ٢٠٣٠، تذكر “تقنية المعلومات والاتصالات” أيضا كأحد الأعمدة التي يستند عليها النجاح في بقية المجالات.

وإذا تحدثنا عن تقنية المعلومات والاتصالات، فلا بد من ذكر شركة هواوي Huawei الصينية التي كانت واعدة قبل ١٠ سنين وأصبحت الآن رائدة، بتطويرها لتقنية “الجيل الخامس 5G” اللاحقة لتقنية الجيل الرابع 4G والأسرع منها ٢٠ مرة على الأقل والفريدة من نوعها كالشركة الأولى والوحيدة في العالم. شركة هواوي قامت بإجراء بحث في ١٥ دولة نامية ومتقدمة في “العلاقة بين تطور تقنية المعلومات والاتصالات، وبين تحقيق أهداف التنمية المستدامة”، ونفذته شركة “ساستينابيليتي SustainAbility”، وذلك باستخدام ٤ مؤشرات لكل “هدف تنمية مستدامة SDG” و ١١ “مؤشر تقنية اتصالات ومعلومات ICT” مدرجة لدى الاتحاد الدولي للإتصالات (ITU).

وكانت من نتائج ذلك البحث الرئيسية، ما يلي:

١. ترتبط تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ارتباطًا وثيقًا بأداء أهداف التنمية المستدامة على مستوى الدولة (بنسبة ٨٩٪)، مما يشير إلى أن الدول التي تحقق أداءً جيدًا في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تعمل بشكل متساوي على أهداف التنمية المستدامة. وتلك المتأخرة في أداء تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تتأخر في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

٢. من المرجح أن يرتبط التقدم في بعض أهداف التنمية المستدامة بتطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وتشمل الأهداف ذات الارتباط العالي بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الهدف ٩ من أهداف التنمية المستدامة: وهو “البنية التحتية والتصنيع والابتكار” ، وهدف التنمية المستدامة رقم ٤: وهو “جودة التعليم” و الهدف رقم ٣: وهو “الصحة الجيدة والرفاهية”.

وأظهرت بحوث أخرى في نفس المجال أيضا زيادة أهمية وجود وزارة مستقلة لتقنية المعلومات والاتصالات في الدول النامية مقارنة بالدول المتقدمة (كدول غرب أوروبا والدول الاسكندنافية مثلا) والتي تم فيها الوصول إلى مرحلة متقدمة ومواكبة في هذه المجال تحت ظل وزارات أخرى أو منذ زمن طويل أو التي تنعم بتوزيع متزن ومتكافيء للمصروفات.

في الختام تنويه بسيط إلى ما يجمع بين دول الاقتصادات القوية مثل روسيا، واليابان، وأستراليا، وكوريا الجنوبية، والصين, والهند، وجنوب أفريقيا، والبرازيل.. بدول نامية اقتصاديا مثل بورما، والمغرب، وكينيا، والعراق، وإيران، ومصر، وكوبا، وأفغانستان..

وزارة اتصالات ومعلومات مستقلة (وإن اختلفت التسمية)!

لعنايتكم وتقديركم، سعادة الدكتور. عبد الله حمدوك، رئيس وزراء السودان.

#وزارة_معلومات_واتصالات_مستقلة
#تنظيف_مفاصل_الدولة
#تحديات_الفترة_الانتقالية

الخاتم عباس
عامل سابق في قوقل وتويتر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.