أخبار السودان لحظة بلحظة

حماية حكومة حمدوك واجب وطني

علي ترايو

0

أثبتت التجارب انه ليس بالدعم وحده يقوى عود حكومة الثورة. بل من واجب الثوار الاستعداد للدفاع عنها من شر كل غاسق إذا وقب ومن شر كل النفاثات في العقد.
في هذا المنعطف الحاد من تاريخ السودان يستوجب على قوى التغيير ذات المصلحة الحقيقية ان تسترجع الذاكرة الجماعية. ليس لتجاوز عدم تكرار تجاربها المأساوية فحسب، وبل لتجارب القوى الثورية المثيلة لها حول العالم.

لولا افراط الثوار واغراقهم في معارك جانبية ثانوية (غير تناحرية) لما ذهبت إلى إدراج الرياح حكومة رئيس الوزراء المنتخب باتريس لوممبا في الكونغو (زائير) وتدخل بعدها “الكنغو الخضراء” في دوامة متاهه أبدية لا نهاية لها، ولولا ذات الافراط نفسه لما ذهبت حكومة برنامج “الثورة الديمقراطية” للمناضل سلفادور الليندي في تشيلي ليعبث من بعدها السفاح “بينوشيه’ بمصير الشعب الشيلي.
ولولا الافراط وسوء تقدير الثوار في “إيران الثورة” لما ذهبت حكومة الليبرالي ابي الحسن بني صدر (أول رئيس وزراء منتخب بعد الثورة) ليتحول من بعدها مصير إيران إلى ملكية في ايدي الملالي وفتاوى آيات الله وتصبح وكرا لتهديد الأمن الدولي.
ولولا تقاعس الثوار لما انتهت حكومة البروفيسور نامدي ازيكوي في نيجيريا إلى ايدي حفنة من العسكر المشعوذين الذين يؤمنون بالسحر. لذلك يجب على قوي التغيير في السودان ان تتعظ من كل هذه التجارب الانسانية.
من ابجديات منطق التاريخ ان الفرص لا تتكرر (و ان حدثت فهي نادرة) خاصة تلك التي تمسك بتلابيب مصائر الشعوب في منعطفاتها ومنعرجاتها التاريخية الحادة. لذلك فان واجب الدفاع عن الانجازات التاريخية الضخمة التي تأتي عبر الدق بالمدقاق وسيل من الدماء وعلى فوق جماجم الثوار (على شاكلة بركان ديسمبر 2019 السودانية) يصبح الدفاع عنها واجبا ضروريا، وهو جهد قد يكلف الثوار مقدارا أكبر من تلك التضحيات التي بذلت في سبيل إنجاز الثورة نفسها ولهذا السبب سيظل أمر الدفاع عن حكومة الدكتور حمدوك واجبا وطنيًا.

ان ثمرة ثورة ديسمبر المجيدة (التي استغرق انجازها ستون عامًا من السنوات العجاف وكلّفت أكثر من خمسة مليون من الأرواح البريئة وشردت عشرات الملايين) قد قلبت راسًا على عقب كل الترتيب القديم للاوضاع السودانية وفتحت “صندوق الديدان” السياسة السودانية على مصراعيه وليكشف كل ما في داخله من القذارة السياسية وقذفت بروائح الحمم الكريهة وفتحت بها أكبر نافذة لامكانية تقدم المجتمع السوداني حيث افسحت المجال واسعا لمخاطبة كل “التابوهات” ويخضع كل المحرمات لاعادة تعريفها من جديد وفقا لاملاءات الشعار المركزي (حرية، سلام، عدالة) واتاحت فرصة الفرص لامكانية انتشال البلاد من الهوة السحيقة التي دفعته به قوي الظلام الملعونة. يجب اذن على الثوار وجموع قوي التغيير اغتنام هذه الفرصة النادرة لدعم الثورة ومساندة وحماية الية تنفيذها التي تمثلها حكومة رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك. فهل الثوار على قدر من الجرأة والاستعداد والقدرة على فعل الحماية؟
مخطئ من ظن ان بامكانه وقف انهيار خزان الثورة الجائع وسد جرفه وإيقاف طوفانه من دون تحقيق شروط مصفوفة الثورة في ممارسة الحريات بكامل طقوسها في مناخ ديمقراطي حقيقي والتمتع بسلام شامل مستدام وعدالة ناجزة
يستحيل إقامة العدالة الناجزة الا بتصحيح اعوجاج الجهاز القضائي، كما يستحيل معالجة أمر “امن المواطن” الا باجراء ترتيبات أمنية عبر سلام شامل ومستدام الذي يتطلب (من ضمن مقومات أخرى) الارادة الحقيقية والوعي التام والاستعداد الكافي. وكذا لا يمكن تثبيت الحريات الا بتكريس المزيد من الحرية عبر لجم افواه السدنة وأقلام هتيفة نظام الابادة الجماعية. هذا هو المهام المرجو من الحكومة المدنية وان الالتزام بها هو ما يحفز ويدفع الثوار للدفاع عنها.
قوة أو ضعف حكومة حمدوك تتوقف اولا على يقظة الثوار وتعبئتهم للشارع للدعم عند الحاجة، كما تتوقف في استعداد الحكومة لتحقيق السلام وعلى الثوار تقع مسؤولية حمايتها من عبث العابثين.
لا نرى عيبا ان يمارس الثوار وقوى التغيير نقدا بناءً يهدف إلى تقوية حكومة الثورة ولكن ليس على نمط الذين أساءوا التقدير واضاعوا الفرصة كما في نموذج إيران وانزلقوا في ممارسة النقد الهدام وتحولوا إلى مغفلين نافعين يخدمون أجندة أعداء الثورة وساهموا في ضربها من حيث لا يدرون إلى ان داهمهم طوفان الملالي ورجال الدين.
الدكتور عبدالله حمدوك بمؤهلاته الأكاديمية الرفيعة وبخبراته العملية الطويلة وبمعرفته على تفاصيل ونواميس واقع المجتمع السوداني واحتياجاته وتعقيداته الأمنية وطموحاته وانه هو الذي خرج من رحمه وانه يتمتع بقبول شعبي عريض منقطع النظير وانه يتمتع بسند دولي معلن. كل هذا ما يجعله ملح ملاح الثورة وذوق الثوار ويصبح جديرا بقيادة سفينة السودان المعطوبة إلى بر الامان ولا يحتاج شيئا غير دعم وحماية الثوار وعموم قوي التغيير. انه شخص مناسب في المكان المناسب
تبًا للانتهازيين من خفافيش بقايا المنظومة البائدة للابادة الجماعية الذين يدفعهم الحنين إلى رائحة الدم وشهوة المال، فهم ثقيلي الدم وعديمي الإحساس بقضايا الوطن والمواطن وفاقدي الذمة ولا يستهويهم غير إغواء القاصرات لممارسة الاغتصاب. فحزارا من جماعات العهر السياسي الذين وصفهم الشاعر نزار قباني بقوله ((ان عفافهم عهر وطهاراهم قذارة ولا فرق عندهم بين السياسة والدعارة)). هؤلاء هم أعداء الثورة واعداء السلام ويجب مواجهتهم ومقاومتهم وحماية الثورة من خطرهم.
في كنس اوكار الكهنة ووعاظ وحراس بلاعة الفساد والإفساد وكهنة تبرير الابادة الجماعية والاغتصاب. يقتضي وجوب وضرورة توجيه الخطاب الديني ليتسق مع ضرورات ارشاد المجتمع وانتشاله من دجل المرتزقة الاسلامويون وتوليه أمر الوعظ الديني لحكماء واتقياء صالحين الذين تعج بهم المجتمع السوداني. هذا هو الدور المطلوب من رجال الدين لحماية الثورة من خطر المهووسين.
ان هزيمة قوي الشر ودك حصونها وتفكيك قاعدتها ليس بالامر الساهل ولكنها هي المقدمة الأساسية لحماية الثورة. يجب ضرب رؤوس كل الذين يشكلون قوي الثورة المضادة ويهددون بقاء الثورة من الافاعي والثعابين والعقارب (سواء مصاصي الدماء من تجار السوق الأسود أو شتات عناصر كتائب الظل ومجاهدي الأمن الشعبي الذين لا هم ولا حيلة لهم غير السطو لاغتصاب السلطة.
وظيفة الحكومة المدنية تتلخص في عبارة واحدة “رفاهية المواطن” بما تعني (1) توفير ودعم الخدمات من خبز ومواصلات والصحة والتعليم (2) توفير الأمن والسلام الشامل (3) توفير العدالة الناجزة (4) تأمين الحريات العامة والخاصة. بهذه المعادلة يمكن سحب البساط من تحت اقدام لصوص دولة الفساد والافساد والقمع والاستبداد والتي هي كل أساس وقوام منظومة الانقاذ الاسلاموي. انتهاج سياسة رفاهية الشعب هو سر تأهب الثوار للدفاع عن حكومة الثورة.
على جميع الثوار في عموم مشارق السودان ومغاربه من عشاق الحرية وكل المتضررين من ماساة الفصل التعسفي ومن جبروت نظام الابادة الجماعية من الذين شردوا أو نزحوا قهرا من ديارهم أو اغتصبوا أو تركوا ثكالي أو ارامل أو يتامي عليهم الاصطفاف من خلف حكومة الدكتور حمدوك ودعمها ومساعدتها والزامها لتحقيق مصفوفة شعار الثورة (حرية، سلام وعدالة) وعندها تستحق كل الحماية، ليس بالحناجر ولكن بالدم والروح.
دعونا نعزف على مزامير السلام ونردد سويا ترانيم شاعر الشعب، الراحل ((المقيم)) الأستاذ محجوب شريف:
يا والدا احبنا ويا من منحت قلبنا ثباتك الاصيلة.
إليك الحب والسلام والتحية.
على ترايو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.