أخبار السودان لحظة بلحظة

رغيفاااو

1

جلسنا علي مائدة الأفطار وصينية الألومنيوم بقطر يقارب المائة وعشرين سنتيمتراً تزين أطرافها حبات خبز بدت لصغرها كخنافس بنية اللون أو أصداف بحر صغيرة متعددة الألوان وغير منتظمة الاستدارة..

أغمضت عينيّ وبي ضيق خفيف وغصت في أعماق التاريخ لأربعة أو خمسة عقود خلت – عدت إلي ود العجوز في قلب شارع الأربعين بسنار ولاندروفر عمنا حسين الفكي يوزع الرغيف علي أكشاك السوق – خبزة فاتنة طرية الملمس بارزة البثور مُقَمَّرة بعض بثورها إسوَدّت أطرافه وانفتحت أوساطه تكشف عن لِبَّةٍ بيضاء تتكون من حلقات رفيعة ذات تجاويف كالفقاقيع ..
وكانت الرغيفة لبدانتها وجسامتها تسمّي طارة .. وهي من أسماء الميكانيكا … ولست متأكداً أيقصدون بذلك طارة الدركسون أم طارة الكلتش ..؟ وعلي كلٍّ فكلاهما جسيم فخيم ..

يبدأ عمنا حسين الفكي – رحمه الله – يبدأ رحلته من مخبزه في الفجر الباكر .. فيُنزل هنا مائة رغيفة وهنالك مائتين الخ … وكان سعر الرغيفة قرشين …

والقرش لمن لا يعرفه هو وحدة من مائة وحدة من الجنيه … ويحوي القرش الواحد 10 وحدات .. الواحدة منها تسمّي مليماً ، ونصف القرش اسمه تعريفة أما نصف المليم فلم نعاصره وكان يسمي بالفرطاقة ..

وأذكر أننا كنّا ندندن في صغرنا ببعض الأراجيز من شاكلة :

يا ربِّ يا كريم ..
ترخّص العوين ..
السمحة بقرشين ..
والشينة بملّين …

العوين هنا هنّ النساء وأصلها في الأثر “هنّ عونٌ لكم”
والملّين هي ذات الملّيم .. وذلك من باب قلب حروف الغنّة فلا يضرّ الميم أن تنطق نوناً ..

وهذه الأرجوزة فحواها أن يكون مهر العروسة الماهرة الفاتنة قرشين – أي بثمن الرغيفة المقمَّرة من رغيف عمنا حسين ود الفكي …
وهي رغيفة ملحمة لينة اللبة طريّتها سمحة ولونها قمحة ورائحتها أخاذة تُنَشِّط غدد لعاب الشامّين ..
وكنّا نشتهي – إن حقّ لنا في ذلك الصبا الباكر – أن تكون عروستنا بتلك المواصفات الرغيفية كذلك …

ورغيف الخبز كان من نعيم الدنيا في ذلك الزمان فالصينية ذات المائة وعشرين سنتميتراً في قطرها كانت تزيّنها لفات كسرة خبز الذرة وتحيط بأطباق الإدام إحاطة السوار بمعصم العروسة السمحة أو كإحاطة تروس متظاهرين في شارع الأربعين ..

ويتفاوت لون الكسرة ومذاقها فالموسرون كسرتهم بيضاء من الذرة البيضاء مثل ذرة المايو وأصلها هجين المايلو وكذلك الدبر وقدم الحمام الخ .. من أنواع الذرة الرفيعة ..
وأما غمار الناس وفقراؤهم فكسرتهم من ذرة الفتريتة ولونها بنفسجي علي بمبي وطعمها به لسعة حموضة لا أحبّه

أما خبز الرغيف المصنوع من القمح فكان لا يوضع علي المائدة عادة أو يوضع منه شيءٌ قليل إذا كان بالبيت ضيف أو بالصينية لحمٌ محمَّر فنتحايل نحن الصغار وندَّعي الإصابة بالدوسنتاريا حتي ننعم بقطعة من الخبز المقمّر وكنت أستسيغ طعمه الفطير الهنيء ..

ونعود لود العجوز وما زالت فترينة الخبز مليئة بخبز اليوم في واجهة المتجر والوقت يقترب من المغيب – فيصيب الوالد شيء من القلق فإن بات الخبز في الدكان فسد طعمه وخسرت تجارته ..
فيرسلني الوالد إلي جارنا ذلك الممرض من حواريي الشيخ المكاشفي ولحيته السوداء الخفيفة تزين وجهه المبتسم الوضيء وبإحدي عينيه حول خفيف وله شعره متموج طويل

“أبوي قال ليك تعال أقرا لينا ورد المكاشفي .. العيش ما عايز يكمل”

فيأتي موسي ود المكاشفي بأوراده فما يمضي غير قليل فيشتري هذا خبزة وذاك خبزتين وطارات العيش تتناقص عبر زجاج فترينة الخبز كتناقص خطوط بطارية موبايل به لايفات تُبَثُّ … فتهدأ النّفوس ..

تلك الطارة المُشْحِمة المُلْحِمة لا يمكن حشوها فجوفها عميق يستوعب طلب الفول المصلّح بأجبانه وأبصاله وزيته الذي يكاد يضيء ويزيد …
وكان نصف العيشة يكفي لساندوتش مُشْبع … ولا يزيد عليه معظم الناس..

وأما أطفال المدارس فيكفيهم ربع عيشة محشية بسلطة باذنجان من أم البها أو طعمية من حاجة سعاد بحوش المدرسة الجنوبية بسنار وسعره قرش أو قرش ونصف لا أذكر…

بعض الطلاب لا يملكون ثمن ربع العيشة فيحملون غداءاً يتكون من لفة كسرة عليها ملاح بائت داخل علبة من الألمونيوم ذات يد وغطاء محكم وتسمّي بستلة وأحياناً تحذف تاؤها تخفيفاً فتصير بِسلّة – ولم تكن أواني البلاستيك مستعملة في ذلك الزمن الجميل.

أذكر عندما كان متجرنا بشارع الأربعين كان من زبائننا عمال البناء ومعظمهم من جنوب السودان فكان إفطار بعضهم نصف رغيفة بقرش عليه زيت بقرش أو نصفه وشيء من سكر وكان رطل السكر بسبعة قروش .. وجبة عامرة بالسعرات الحرارية التي تمكِّنهم من حمل أقداح المونة ومكنات الطوب .. (المكنة بها اثنا عشرة طوبة أو عشرين لا أذكر .. ترص بعضها فوق بعض – خلف خلاف)

حدثني صديق إعلامي أرتيري يعمل بأحدي الفضائيات العربية اللندنية وهو عاشق للسودان وأهله وأقام به بعضاً من عمره قال أن أحد شبابهم زار الخرطوم لفترة قصيرة فهاله أن يري رغيف الخبز يرمي علي الطاولات المتسخة للآكلين في مطاعم الخرطوم الشعبية … في أسمرا يقدِّمون الخبز في أطباق جميلة نظيفة عليها أغطية من القماش النظيف المشغول ويوضع أمام الزبائن باحترام وتبجيل فللخبز قدسية عند الشعب الأريتري … فأقسم ذلك الشابُّ ألا يأكل في مطعم سوداني بعدها ..

وحدثنا ذلكم البروفيسور في علم الفيزيولوجيا الطبية في قاعات الدرس أن كسرة الذرة هي مصدر معظم البروتينات التي يتناولها السودانيون وليس اللحوم والألبان فعشر وزن ذرة الخبز بروتين … ونصف كيلو من الذرة به خمسون جراماً من البروتين
واحتياج الشخص الطبيعي من البروتين في اليوم قي حدود بيضة واحدة أي حوالي سبعين جراماً..

كانت هنالك أبحاث لخلط القمح بالذرة لتقليل فاتورة الاستيراد … وللاكتفاء من القمح حتي نأكل مما نزرع ولكنّها باءت بالفشل شبه الذريع ..

القمح والذرة سلعتان استراتيجيتان ويمكن أن تستعبد بهما الشعوب ..
ففي ثمانينات القرن الماضي اجتاحت موجة من الجفاف سوداننا الغربي وأوسطه .. فأغاثتنا أمريكا بذرة أسموها عيش ريجان وهو رئيس أمريكا آنئذٍ ..

وحدّثني من أثق فيهم أن منظمات الإغاثة الغربية كانت توزع العيش في شمال كردفان وكل الذي تطلبه من السكان وهم مسلمون أن يرسموا علامة الصليب للتعبير عن الشكر والامتنان

فأنشد البرعي أنشودة يقول فيها

” وأغننا بفضلك من عيوش ريجان”

والدول في محيط السودان تقتات من ذرتتا فهل تتحول فتريتتنا نفوذاً وخيراً يحمي السودان من شرور المعتدين ..؟ أرجو ذلك ..

عدت من شرفة التاريخ لصينية طعام الإفطار أمامنا ونظرت للطفلة ذات العامين التي لم تر الطارة .. فقلت لأبيها إننا نزيف التاريخ فهولاء الأطفال يظنون أن هذه هي الرغيفة فهذه ليست رغيفة بل رغيفااو …

ونرجو أن تعود طارتنا الحافلة .. فما زال الأفغاني يأكل التميس وهي خبزة تنقص قليلاً عن نصف المتر في قطرها ..
ونان الباكستاني يزيد قليلاً عن حجم طارتنا ولكنه أسمك وأنعم موطئاً .. وبه شيئ من الزيت فيشبع من غير إدام..

وإذا تعذّر خبز القمح عندنا فلم لا نعود إلي قواعدنا الأقدم – وهي العصيدة … ؟
التي قال عنها ود بدر أن بها سرُّ الله الأعظم ..
فلنجنّد شبابنا يسيّروا مليونية العودة للعصيدة .. أو مليونية عصيدااو؟

فإن تعذّرت العودة إلي سنّار – فالعودة إلي العصيدة هي أول خطوات التحرير من عبودية القمح والشعير

بابكر إسماعيل

[email protected]

تعليق 1
  1. السنجاوي يقول

    يا سلاااام عليك يا مبدع لكن تبدل الزمن وهذا الجيل مختلف عنا تماما نحن كنا قنوعين لدرجة تأتي من المدرسة لوجبة الفطور وقد لا تجدها وترجع بالمدرسة وبإصرار لتغيير ذلك الواقع لكن هذا الجيل متمرد ولا يأكل الكسرة والعصيدة ولابد من العودة للكسرة والعصيدة وإن طال الزمن ومن لا يملك قوته لا يملك قراره

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.