أخبار السودان

تقرير أممي يلاحق مصادر تسليح الجيش السوداني ويوصي بحظر شامل للسلاح

تقرير أممي جديد يوثق انتهاكات قد ترقى إلى “جرائم حرب” في السودان، ويدعو إلى حظر شامل للأسلحة على هذا البلد

هذا ما جاء في تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، والمقرر تقديمه إلى الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الفترة من 7 سبتمبر الجاري إلى 9 أكتوبر المقبل.

وتسببت الحرب في السودان، التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع، في أبريل 2023، في تشريد أكثر من 14 مليون شخص وخلقت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وفي تقريرها، قالت البعثة إن “أكثر من ألف شخص قتلوا في هجمات بطائرات مسيرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، فيما استُهدفت مستشفيات ومدارس وأسواقا ومواقع للنازحين ومنشآت تقدم خدمات أساسية للمدنيين”.

واتهمت طرفي الصراع الجيش والدعم السريع، بـ”ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في عمليات الطائرات المسيرة”، مشيرة إلى أن بعض هذه الأفعال “قد ترقى إلى جرائم حرب من بينها مهاجمة المدنيين والأعيان المدنية والقتل والاعتقال والتعذيب، إضافة إلى شن غارات جوية وعمليات قصف على مناطق مأهولة”.

انتهاكات الجيش

وتتضح خطورة هذه الانتهاكات بشكل أكبر في الهجمات التي طالت منشآت مدنية، إذ وثقت البعثة الأممية عددا من الضربات المنسوبة إلى القوات المسلحة السودانية، من بينها هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت أو أصابت مستشفى الضعين التعليمي وسوق أبو زعيمة وسوق يابوس ومواقع مدنية أخرى.

ومن أبرز هذه الهجمات، أشار التقرير إلى مقتل ما لا يقل عن 70 شخصا وإصابة 146 آخرين، في الهجوم على مستشفى الضعين بولاية شرق دارفور، فضلا عن خروج المستشفى عن الخدمة.

وفي هذا الصدد، أكدت البعثة أنها لم تجد معلومات تثبت استخدام المستشفى لتخزين الأسلحة أو شن هجمات منه، معتبرة أن تقديم العلاج لجرحى من قوات الدعم السريع “لا يسقط الحماية القانونية المقررة للمستشفيات والمرضى والعاملين في المجال الطبي”.

وبناء على ذلك، خلصت البعثة في تقريرها إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن أفرادا من القوات المسلحة السودانية ارتكبوا انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وأن تعمد استهداف الأعيان المدنية “قد يشكل جريمة حرب”.

ولم تقتصر ملاحظات البعثة على طبيعة الهجمات، إذ وجدت أن الجيش استخدم أيضا طائرات مسيّرة أجنبية التوريد في هجمات أصابت مواقع مدنية، من بينها سوق يابوس في إقليم النيل الأزرق.

ولفت التقرير إلى أن بعض الأنظمة المستخدمة تحمل خصائص تتسق مع طائرات قتالية وذخائر جوالة أجنبية الصنع، ما يفتح الباب أمام مزيد من التحقيق في مصادر هذه المعدات ومسارات وصولها إلى السودان.

مصادر تسليح الجيش

وبالتوازي مع توثيق الهجمات، تطرقت البعثة الأممية لمصادر تسليح طرفي النزاع في السودان.

وأكدت أنها ستوسع هذا المسار خلال الفترة المقبلة لتحديد مصادر الأسلحة والطائرات المسيرة والذخائر التي وصلت إلى الجيش، إلى جانب طبيعة الدعم وحجمه ومسارات نقله وكيفية استخدامه.

يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التقارير بشأن حصول الجيش على طائرات مسيّرة وأسلحة وذخائر وتكنولوجيا عسكرية من مصادر خارجية لاسيما من إيران، واستخدام بعضها في هجمات أوقعت خسائر بين المدنيين.

وفي دراسة حديثة نشرتها مؤسسة “ذا سنتشري فاونديشن” الأمريكية تحت عنوان “من حلقة هامشية إلى مركز: الحوثيون في أفريقيا” الأسبوع الماضي، قالت فيها إن الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في السودان، فتحت المجال أمام عودة النفوذ الإيراني إلى هذا البلد.

ولفتت المؤسسة إلى أنه مع حاجة الجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان إلى الأسلحة والطائرات المسيّرة في حربه الدامية، أعادت بورتسودان علاقاتها مع إيران عام 2023، لتبدأ طهران، وفق الدراسة، بتزويد الجيش بطائرات مسيّرة من طراز «مهاجر-6»، إضافة إلى الذخائر وأنظمة الرادار.

كما أفادت مصادر الدراسة بأن عناصر من الحرس الثوري الإيراني انتشروا إلى جانب فصائل متحالفة مع الجيش لتقديم التدريب وتشغيل بعض الأنظمة.

وأشارت الدراسة إلى أن الطائرات المسيّرة لعبت دورا مهما في استعادة الجيش أجزاء واسعة من الخرطوم في أوائل عام 2025.

لكن اللافت في الدراسة هو أن الدعم الإيراني، جرى توجيهه بصورة أساسية عبر فصيل داخل الجيش السوداني مرتبط بالحركة الإسلامية (إخوان السودان) وهي المنظومة السياسية والأمنية التي حكمت البلاد في عهد الرئيس السابق عمر البشير الذي تمت الإطاحة بحكمه عام 2019.

واستفاد هذا الفصيل من وجود شخصيات إخوانية احتفظت بمناصب عليا داخل القوات المسلحة السودانية، ومن بينها ميرغني إدريس سليمان، الذي يرأس الآن شركة الصناعات الدفاعية الحكومية لتصنيع الأسلحة.

كما تقول الدراسة إن هذا الفصيل وجّه الدعم إلى عدد من الألوية المتطوعة التي تقاتل إلى جانب الجيش، ومن أبرزها لواء البراء بن مالك «سيء السمعة».

وفي أكتوبر عام 2024، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ميرغني سليمان، لدوره في مشتريات الجيش من الأسلحة، بما في ذلك من إيران. كما فرضت واشنطن عقوبات على «لواء البراء بن مالك» في سبتمبر 2025، مشيرة مجددا إلى صلاته بإيران.

ماذا عن الدعم السريع؟

في المقابل، تحدث التقرير الأممي عن شبكة واسعة تعمل لصالح قوات الدعم السريع، تضم أفرادا وشركات ووسطاء وكيانات خاصة، وتوفر أسلحة ومعدات وخدمات لوجستية وتدريبا ومقاتلين أجانب.

تعاون دولي في التحقيق

وفي ما يتعلق بتعاون الدول مع البعثة، أشادت بتعاون دولة الإمارات العربية المتحدة في الرد على استفساراتها ومعلومات متعلقة بالمسائل التي تناولها التحقيق.

وأوضحت أن التعاون الإماراتي شمل ردودا مكتوبة وشفوية، وعقد اجتماعين مع ممثلي الدولة في 26 فبراير و19 يونيو الماضيين.

وفي هذا السياق، أعربت عن تقديرها لهذا التعاون، ورحبت بالتزام الإمارات بالامتثال للقانون الدولي وتنظيم أنشطة الجهات الخاصة ومحاسبة المسؤولين عن أي سلوك غير قانوني، داعية في الوقت نفسه إلى مواصلة التحقيق في المزاعم المتعلقة بأشخاص أو كيانات خاصة، واتخاذ الإجراءات المناسبة إذا ثبتت صحتها.

كما نوّه بالإجراءات التي اتخذتها السلطات الإماراتية للتحقيق في عمليات نقل أسلحة ومواد عسكرية مرتبطة بدعم القوات المسلحة السودانية، في إشارة إلى الشبكة التي ضبطتها أجهزة الأمن الإماراتية في أبريل 2025، والتي كانت تحاول تهريب عتاد عسكري وأسلحة غير مشروعة على متن طائرة خاصة لصالح الجيش السوداني.

واعتبر تقرير البعثة أن هذه الحادثة دليل على وجود آليات محلية وقدرة مؤسسية على التحقيق في الأنشطة التي قد تنفذ من أراضي الدولة، بصرف النظر عن الطرف السوداني المستفيد منها.

وفي الجانب الإنساني، أشار التقرير كذلك إلى المساعدات التي قدمتها الإمارات إلى المدنيين المتضررين من الحرب داخل السودان واللاجئين في دول الجوار.

ويبرز هذا التعاون في مقابل موقف سلطة بورتسودان، التي قالت البعثة إنها لم تتعاون معها، ولم تستجب لطلبات عقد اجتماعات، كما لم تسمح لأعضائها بزيارة السودان، ولم تقدم ردا على المسودة النهائية للتقرير.

حظر السلاح

وبناء على ما وثقته من انتهاكات، وما كشفه التحقيق من دور متزايد لشبكات التسليح والدعم الخارجي، دعت بعثة تقصي الحقائق مجلس الأمن الدولي إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض حاليا على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية.

ومن شأن تعميم الحظر، وفقا لمسار التقرير، إخضاع جميع تدفقات السلاح إلى طرفي الحرب للرقابة الدولية، ومنع استمرار دخول الأسلحة تحت أي غطاء سياسي أو قانوني.

وفي وقت سابق من الشهر الماضي، تقدمت واشنطن بمقترح أمام الأمم المتحدة لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور السوداني ليشمل كامل البلاد، مشيرة إلى أن الصراع في السودان قد يتوسع إقليميا.

ومن المقرر أن ينتهي حظر توريد الأسلحة إلى دارفور، والمفروض منذ أكثر من عقدين، في 12 سبتمبر الجاري، إذا لم يتم التوصل إلى قرار جديد بشأنه.

ويتطلب توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل السودان بأكمله تصويتا في مجلس الأمن الدولي.

وخلال الاجتماع، قال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس إن على المجلس أن “يتخذ خطوات للحد من تأجيج الصراع، خصوصا أن الدعم الخارجي يهدد أيضا بجر مزيد من الأطراف الإقليمية والدول المجاورة إلى الصراع في السودان”.

ويشمل المقترح أيضا إضافة الطائرات المسيّرة الى قرار حظر توريد الأسلحة، وزيادة عدد الخبراء المراقبين لقرار الحظر القائم.

المصدر: صحيفة العين الإخبارية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..