أخبار السودان لحظة بلحظة

إنشاء مفوضية مكافحة الفساد من أجل سودان نزيه وديمقراطية مستدامة ٣/٣

0

عبد الرحيم خلف الله محمد علي

مواصلة لما تم نشره سابقاً تحت العنوان أعلاه عن مفوضية مكافحة الفساد وإسترداد الأموال العامة التي نصت على إنشائها الوثيقة الدستورية ، حيث أشتمل المقال السابق على إستعراض عن مدى تنفيذ النظام البائد للفصل الثالث criminalization and law enforcement”التجريم وإنفاذ القانون” من إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والتي صادق عليها السودان بتاريخ 5 سبتمبر 2014م، وفي هذا المقال أتناول إسترداد الأموال المتأتية عن جرائم الفساد ( العائدات الأجرامية) ، ولكن قبل ذلك أود الإشارة إلى أن إسم المفوضية الوارد بالوثيقة الدستورية يشير الى أن إسترداد الأموال العامة سيكون من ضمن مهام تلك المفوضية ما يقتضي أن يراعي قانون المفوضية عدم التعارض مع سلطات النيابة العامة التي تتولى حالياً وفق قانون النيابة العامة لسنة 2017م مسؤولية مباشرة التحقيقات والملاحقة وتمثيل الإتهام في قضايا الفساد والتي يترتب عليها في حال الإدانة إسترداد متحصلات الفساد عن طريق أوامر المصادرة التي تصدرها المحاكم المختصة.

من حيث التكييف القانوني فإن إسترداد العائدات الإجرامية فضلاً عن طبيعته الجنائية فهو ينطوي أيضاً على الفصل في الحقوق ، لذلك تقضي إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد أن يتم الإسترداد وفق الأصول القانونية التي تحكم الإجراءات الجنائية أو المدنية أو الإدارية المتعلقة بالفصل في حقوق الملكية ، وبالتالي فإن إسترداد العائدات الإجرامية وفقاً للإتفاقية المذكورة يجب أن يتم بأمر قضائي سواء من محكمة مدنية أو جنائية مختصة أو بأمر إداري ( المصادرة بدون أدانة) من جهة مختصة ، ولكن بما أن العائدات الإجرامية محل الإسترداد بطبيعتها تكون متأتية جراء إرتكاب جريمة من جرائم الفساد ، فإن المسار القانوني الأنسب للإسترداد يكون عن طريق إقامة دعوى جنائية يترتب عليها صدور أمر بمصادرة العائدات الإجرامية محل الدعوى بعد إدانة المتهم في تلك المحاكمة . وبناءاً على هذه الأفضلية في إتخاذ الإجراءات الجنائية فقد تضمنت إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد مواداً مقتضبة فيما يلي الدعاوى المدنية و التي يتعين أقامتها في الدولة التي توجد بها العائدات الأجرامية ، و كذلك تضمنت الأتفاقية موادا مقتضبة في شأن الأوامر الإدارية التي تقضي بمصادرة عائدات الفساد دون أدانة ، بينما أفردت الأتفاقية مواداً تفصيلية عديدة فيما يتعلق بالتحريات والملاحقات الجنائية وأوامر المصادرة الناتجة عن المحاكمات الجنائية وسيأتي إستعراض تلك المواد لاحقاً في هذا المقال.

كما هو معلوم فإن هناك إعتقاد سائد على نطاق واسع بأن كبار مسؤولي النظام البائد قد تحصلوا على عائدات إجرامية ضخمة جراء جرائم الفساد التي إرتكبوها إبان توليهم الحكم و قد رسّخ ذلك الأعتقاد الحملة التي أطلقها المخلوع في الأشهر الأخيرة من حكمه ضد ما أسماه “القطط السمان” بعد أنكار متطاول للفساد ، و للمفارقة فإن الثورة بعد انتصارها لم تجد قطة واحدة حبيسة فقد كانت كل القطط بدينها و هزيلها حرة طليقة لا تأكل من خشاش الأرض بل تستأثر و تتمرغ في حصائل فسادها ، و لا يقولن أحد أنها تحللت من فسادها فتلك بدعة إنقاذية خالصة !!!

رغم الإعتقاد الراسخ عن تفشي الفساد ألا أنه في السياق القانوني مجرد أتهام يعوزه الدليل، عليه وتحقيقاً لأهداف الثورة في ردع المفسدين وإسترداد الأموال العامة المسروقة ، فإنه لا مناص من فتح دعاوى جنائية في مواجهة كل من تطاله شبهة فساد وقد أكدت الحكومة الإنتقالية عزمها إجراء التحريات والملاحقات والمقاضاة بهدف ردع المفسدين و إسترداد العائدات الإجرامية.

مما لا شك فيه أن تلك التحريات والملاحقات تكتنفها الكثير من التحديات المتمثلة في كيفية الحصول على الأدلة التي تفي بمعيار الإثبات المقرر قانوناً لتأسيس الإدانة الجنائية ، ذلك أن النظام البائد إتسم بعدم الشفافية فيما يلي الشؤون التعاقدية والمالية المرتبطة بمشاريع ضخمة مثل مشاريع السدود ومصانع السكر والتعاقدات المتعلقة بإنتاج النفط والذهب وعائداتها المالية ، وزاد التعتيم سوءاً الحظر التجاري والمالي الذي فرض على النظام البائد ، حيث حٌرِم السودان من التعامل مع النظام المصرفي العالمي كما حرم من التعامل بالدولار مما إضطر النظام البائد في سبيل التحايل على ذلك الحظر اللجوء إلى أساليب تتعارض تماماً مع الإدارة الرشيدة للمال العام من حيث الشفافية والمراقبة والمراجعة ، وبالنتيجة فقد أدى ذلك كله إلى تفشي الفساد بصورة هيكلية مع صعوبة في الرصد و التوثيق ، لكن كما قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – “أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها” ، وبالتالي فإنه في حال تعذُّر الحصول على أدلة تكفي لإدانة أي مسؤول سابق متهم بالفساد ، فإنه يمكن قلب عبء الإثبات جزئياً عن كاهل الإتهام وإلقائه على عاتق ذلك المسؤول بأن يتم توجيه الإتهام له تحت طائلة قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م بحيث يطلب منه تبرير أية زيادة كبيرة في ممتلكاته تكون غير متناسبة مع دخله ، ورغم تحول عبء الإثبات في هذه الحالة إلى المتهم إلا أن الإتهام يظل ملتزماً ابتداء بتقديم الأدلة الكافية على إمتلاك ذلك المتهم للأموال محل الإتهام .

لأهمية كشف و ردع الفساد و إسترداد عائداته فقد نصت إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على أن تتعاون الدول الأطراف في تلك الإتفاقية في المسائل الجنائية بما يشمل تقديم المساعدة القانونية المتبادلة mutual legal assistance بغرض الحصول على أدلة بما في ذلك تقديم المعلومات وتقديم أصول المستندات والسجلات ذات الصلة بما فيها السجلات الحكومية أو المصرفية أو المالية أو سجلات الشركات وتحديد العائدات الإجرامية وإقتفاء أثرها ، وبالتالي فإنه بإمكان السلطات المختصة السودانية طلب مثل هذه المساعدة من الدول الأطراف في إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد متى توفرت لدى السلطات السودانية قرائن على وجود تلك الأدلة بالدولة المعنية . كذلك يشمل التعاون الدولي المنصوص عليه في إتفاقية الأمم المتحدة تسليم المجرمين بغرض إجراء محاكمات جنائية حضورية لأهمية ذلك في حال كانت العائدات الإجرامية قد تم تحويلها إلى خارج السودان .

بعد أن يصبح الحكم الصادر بالإدانة والمصادرة نهائياً ، فإن تنفيذ المصادرة في حال كانت العائدات الإجرامية توجد بالسودان يتم بسهولة ويسر من خلال الجهة القضائية المختصة ، أما في حال كانت العائدات الإجرامية تقع في دولة/ ولاية قضائية أخرى different jurisdiction، فإنه يتعيَّن إستيفاء المتطلبات التي ينص عليها الإطار القانوني الذي يحكم عملية الإسترداد في تلك الدولة ، وفي هذا الصدد فإن إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تنص على أن تتخذ كل دولة طرف ما يلزم من تدابير للسماح لسلطاتها المختصة بإنفاذ أمر المصادرة الصادر عن محكمة في دولة طرف أخرى ، وتحديداً فإن تلك الإتفاقية تنص على أنه عندما تنفذ المصادرة بشأن حالة إختلاس أموال عامة أو غسل أموال عامة مختلسة فإن على الدولة متلقية طلب المصادرة أن ترجع الممتلكات المصادرة إلى الدولة الطرف التي طلبت المصادرة .

مما ورد أعلاه نخلص إلى أن إسترداد العائدات الإجرامية عن طريق الإجراءات الجنائية سواء أكانت تلك العائدات داخل السودان أو خارجه يقتضي صدور حكم بالإدانة من محكمة جنائية سودانية مختصة يكون مشتملاً على أمر بمصادرة عائدات الفساد ، وبالتالي فإنه ، إتساقاً مع مبدأَيْ تساوي الدول في السيادة وسلامة أراضيها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ، فإن أقصى مساعدة يمكن أن يقدمها المجتمع الدولي أو الهيئات الدولية المعنية بمكافحة الفساد للسودان بخصوص إسترداد الأموال المسروقة لن تتجاوز تقديم المساعدة التقنية وتبادل المعلومات والخبرات والتدريب بما يشمل تدريب السلطات السودانية المختصة على إعداد طلبات بشأن المساعدة القانونية المتبادلة ، وقد أفصح وزير المالية الدكتور / إبراهيم البدوي عن هذه الحقيقة في لقاء صحفي حيث صرح بعقده إجتماعين في زيارته الأخيرة لواشنطن مع مكتب تابع للبنك الدولي بغرض تقديم الخبرات وتدريب فرق العمل الوطنية المناط بها إستعادة الأموال المسروقة .

تجدر الإشارة إلى أن هناك مبادرة مشتركة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والذي يتولى أمانة مؤتمر الدول الأطراف في إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وتعرف تلك المبادرة بمبادرة إسترداد الأموال المسروقة Stolen Asset Recovery Initiative (STAR) ، وقد عقدت تلك المبادرة المنتدى العالمي الأول لإسترداد الأموال المسروقة Global Forum on Asset Recovery “GFAR” في واشنطن في الفترة 4-6 ديسمبر 2017م ، و كانت الدول التي تم التركيز عليهاspotlighted في ذلك المنتدى هي نيجيريا وسريلانكا وتونس وأوكرانيا ، وتم توقيع مذكرة تفاهم بين نيجيريا وسويسرا والبنك الدولي تنص على إعادة 312 مليون دولار من الأموال المستردة الخاصة بنيجيريا ، وقد شدد هذا المؤتمر ضمن توصياته بأن يبدأ الحوار بين البلدان المحوّلة منها الأموال المسروقة والبلدان المتلقية لتلك الأموال في أقرب فرصة ممكنة في العملية ، وأن يستمر الحوار طوال مدة العملية . جدير بالذكر أن جهود تونس في إسترداد أموالها المسروقة عقب سقوط نظام زين العابدين بن علي قد أفلحت في حوالي تاريخ 12 إبريل2013م في إسترداد أموال مسروقة لأول مرة بالنسبة لتونس ولأول مرة داخل الوطن العربي بمبلغ 28.8 مليون دولار إستحوذ عليها الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي عن طريق الفساد وتم إيداعها في حساب بنكي بلبنان باسم زوجته.

إستعرض فيما يلي تنفيذ دولة ماليزيا للمواد المتعلقة بإسترداد الأموال / الموجودات من اتفاقية الأمم المتحدة و التي صادقت عليها ماليزيا بتاريخ 24 سبتمبر 2008م ، ذلك أنه يعتقد على نطاق واسع داخل السودان أن عائدات الفساد أبان النظام البائد تم تحويلها إلى تلك الدولة ، و لكن قبل أستعراض تلك المواد أتعرض الى مسألة هامة وردت في تقرير مجموعة العمل المالي FATF و هي هيئة حكومية دولية تأسست في 1989 و معنية بمكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب و إنتشار التسلح ، حيث تضمن ذلك التقرير الصادر بتاريخ 25 نوفمبر 2014 أن ماليزيا في مكافحتها لغسل الأموال لا تستهدف بصورة فاعلة مخاطر غسل الأموال ذات المصادر الأجنبية بما في ذلك الأعلان النقدي عبر الحدودcross-border cash declaration ويتجلى ذلك وفقا للتقرير في أن طلبات المساعدة القانونية التي ترد الى ماليزيا من الخارج في شأن غسل الأموال تفوق تلك التي تصدر عن ماليزيا موجهة الى الخارج ، و يبدو أن هذا ما أغرى عائدات الفساد السودانية أن تيمم شرقا صوب ماليزيا.

بمطالعة خلاصة التقرير الخاص بماليزيا المعد في نوفمبر 2017 من أمانة الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بشأن تنفيذ ماليزيا لمواد الإتفاقية فيما يلي “إسترداد الأموال” يتضح أنه لم يحدث قط أن رفضت ماليزيا أي طلبات مساعدة قانونية متبادلة متى إستوفت تلك الطلبات جميع الشروط المنصوص عليها في قانون المساعدة المتبادلة الماليزي.

كذلك إتساقاً مع إتفاقية الأمم المتحدة فإن السرية المصرفية Bank Secrecy لا تمنع وفقا للقوانين الماليزية من تقديم بيانات عن الحسابات المصرفية بالبنوك الماليزية ، وفي هذا الصدد أشير إلى أن المركز الصحفي السوداني SMC نشر خبراً بتاريخ 19 يوليو 2018م يفيد بأنه بطلب من السلطات السودانية تم تدقيق حسابات بنكية بماليزيا وكشف ذلك التدقيق عن وجود مخالفات دون مزيد من التفاصيل .
كذلك أشير إلى أن القانون الماليزي يشترط لتقديم المساعدة القانونية “إزدواجية التجريم “dual criminality ولكن لا تأثير سلبي لهذا الشرط في حالة السودان ذلك أن كافة جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين السودانية يوجد ما يقابلها في القوانين الماليزية بما في ذلك جريمة الثراء الحرام illicit enrichment ، كذلك أشير إلى أن الجرائم الجنائية في ماليزيا لا تسقط بالتقادم ، إلا أن مدة الإحتفاظ بالسجلات وفقاً للقانون الماليزي يجب ألا تقل عن ست سنوات، وفيما يلي المؤسسات المالية فإن مدة الإحتفاظ بالسجلات يجب ألا تقل عن سبع سنوات ، ومن هنا يأتي الحذر خشية أن تكون السجلات الماليزية المتعلقة بعائدات فساد سودانية قد تجاوزت تلك المدد. كذلك وفقاً للتقرير فأن ماليزيا تعترف بأوامر المصادرة الأجنبية و أنها قدمت إحصاءات بشأن الإعتراف بأوامر المصادرة الأجنبية ، كما تلتزم ماليزيا بإعادة الأموال المصادرة إلى ملاكها الشرعيين و رغم أنه لا يوجد حكم صريح في القانون الماليزي يقضي بأن تعاد الممتلكات إلى الدولة الطالبة عندما تكون الجريمة متعلقة بإختلاس أموال عامة أو غسل أموال عامة مختلسة ، ولكن يمكن تجاوز هذا القصور إستناداً إلى المادة 18 من قانون المساعدة المتبادلة الماليزي التي تجيز لماليزيا إبرام إتفاقيات أو ترتيبات ، على أساس كل حالة على حدة ، من أجل التصرف النهائي في الممتلكات المصادرة . تجدر الإشارة الى أن مكتب النائب العام الماليزي Attorney General’s Chambers له موقع إلكتروني يحوي وصفاً لإجراءات تسليم المطلوبين والمساعدة القانونية المتبادلة ومعلومات الإتصال ونموذج إستمارة خاصة بطلب المساعدة القانونية.

ختاماً أشير إلى أنه في ظل المرحلة الإنتقالية التي يمر بها السودان حالياً و كثافة الحديث عن وقوع فساد ضخم grand corruption وأن عائداته قد تم تحويلها الى خارج السودان وفق ما رشح في بعض الصحف العالمية و المحلية من أحاديث rumors، فإن ذلك يمكن أن يشكل مسوّغاً للحكومة الإنتقالية بأن تطلب من مبادرة STAR أن تعقد مؤتمرا لحشد الجهود الدولية لمساعدة السودان في استرداد أمواله المسروقة.

عبد الرحيم خلف الله محمد علي
مستشار قانوني
[email protected]


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.