أخبار السودان

المفاهيم المؤسِسة لظاهرة التطرف الإسلامي

بابكر فيصل

يتفق المختصون بدراسة ظاهرة التطرف الإسلامي على أنها متعددة الأوجه ولا يمكن أن تعزى لسبب واحد، حيث تساهم في تشكيلها العديد من الأسباب النفسية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بدرجات متفاوتة، ولكن العامل الأهم هو سلسلة الأفكار، أو ما يمكن أن نطلق عليه الأيديولوجيا التي يمكن من خلالها السيطرة على عقول الأفراد بطريقة كلية بحيث يصبحون مستعدين للقتل ولو أدى ذلك للتضحية بأرواحهم.

في إطار التأثير الكبير الذي تلعبه الأفكار على عقول المنتمين للجماعات المتطرفة، خصوصا فئة الشباب، تبرز أربعة مفاهيم رئيسة، بالإضافة لعدد من الآليات الثانوية التي يتم استخدامها لتحقيق تلك المفاهيم، وذلك عبر الاستعانة بأسانيد من القرآن والسنة وفتاوى الفقهاء لتبرير اللجوء لتلك الآليات.

يأتي في مقدمة تلك المفاهيم، مفهوم “الأمة الإسلامية”، حيث أن الولاء المرتبط بالعقيدة ومشروع الخلافة لا يمكن إشباعه بالانتماء لدول قُطرية رسم حدودها المستعمر، فأصبحت في نظر الجماعات العنيفة هوية مصطنعة مفتعلة، لا تساوي شيئا أمام الهوية الإسلامية والانتماء الديني، وهذا الفقر في الهوية رغم أنه مدفون في الوجدان، إلا أنه يمثل أقوى الدوافع في التوجهات الجهادية بسبب ضخامة معنى الانتماء في الإسلام.

المفهوم الثاني هو “الحاكمية”، التي هي حكم الله في الأرض

في هذا الإطار يقول سيد قطب إن “وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة، فالأمة المسلمة ليست أرضا كان يعيش فيها الإسلام، وليست قوما كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي، إنما الأمة المسلمة جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي، وهذه الأمة بهذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا. ولا بد من إعادة وجود هذه الأمة لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى”.

المفهوم الثاني هو “الحاكمية”، التي هي حكم الله في الأرض، وما عداها هو حكم الجاهلية أو الطاغوت، حيث يتعدى البشر على أخص خصوصيات الله، وهو التشريع. وبالنسبة لتلك الجماعات فإن الأمة الإسلامية قد فُرض عليها حكم الجاهلية المسنود بالدول الكافرة خصوصا الغربية.

يقول سيد قطب إن “الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. تسند الحاكمية إلى البشر في صورة ادِّعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة وفيما لم يأذن الله به”.

أما محمد فخري الخباص، الشاب البريطاني ذو الأصل الفلسطيني الذي قام بتجنيد نحو 16 طالبا وطالبة سودانيين يدرسون بكلية الطب بجامعة العلوم والتكنولوجيا بالخرطوم ويحملون الجنسية البريطانية، وأقنعهم بالسفر إلى سوريا للانضمام لتنظيم “داعش”، فقد كتب رسالة بعنوان “الهجرة للدولة الإسلامية” قال فيها:

“الحاكمية تعني أن شريعة الله هي أساس التشريع. هي أعلى سلطة حكومية وقانونية. إن النظام الفوضوي الذي يطلق عليه “تشريع الإنسان لنفسه” لا يستفيد منه إلا أولئك الذين يسعون للدمار والفساد في الأرض. هذا هو نظام الجاهلية الذي يتعارض في كل شيء مع النظام الذي منحنا له الله. لسوء الحظ أن نظام الجاهلية هذا هو الذي تم فرضه على الأمة المسلمة في العقود الأخيرة. لذلك فمن المعروف أنه ليس هناك دولة عربية أو أية دولة ذات أغلبية مسلمة يوجد بها نظام حكم يطبق شريعة الله”.

المفهوم الثالث، الذي يُستخدم في الاستقطاب للجماعات العنيفة، ويُعتبر من أكثر المفاهيم جاذبية وتجسيدا لمفهوم الأمة الإسلامية على الأرض هو مفهوم “الخلافة الإسلامية”، وهو الأمر الذي انتبه إليه “داعش” أكثر من جميع الحركات الجهادية العنيفة التي سبقته بما فيها تنظيم “القاعدة”.

هذه المفاهيم الأربعة تمثل القاسم المشترك بين مختلف جماعات الإسلام السياسي

فالخلافة هي السلطة المسؤولة عن تنفيذ الشرع “حكم الشريعة”، وهي الكيان الذي يفتح الفتوح كمقدمة لعودة الحلم الإسلامي الكبير. هذا الطرح البسيط والمُباشر يستهوي كثيرا من الشباب المُفتقر لإشباع الرغبة بالانتماء الكامل للهويّة الإسلامية الاستعلائية حيث أن غالب الشباب لا يُحبِّون التأصيل المُعَّقد في التدرج في الانتقال للخلافة وتستهويهم هذه اللغة البسيطة والمباشرة، فيشعرون بانجذاب قويِّ تجاهها.

ولكن هذه الخلافة لا تقوم إلا عبر تطبيق المفهوم الرابع، الجهاد، حيث يتم إقناع الكادر بأنه ماضٍ إلى قيام الساعة، وهذه هي النقطة الحاسمة التي يُصبح معها الشاب المؤمن في يدِ من يقومون بالاستقطاب كالميت بين يدي غاسله، فهو إذ يرغب في عودة الخلافة في أسرع وقت حتى تصبح كلمة الله هي العُليا فإنه يكون مُستعدا لبذل التضحية القصوى، المتمثلة في بيع الرُّوح رخيصة في سبيل بلوغ تلك الغاية.

هذه المفاهيم الأربعة تمثل القاسم المشترك بين مختلف جماعات الإسلام السياسي، سواء كانت تلك المتطرفة مثل “داعش” و”القاعدة” أو ما يطلق عليها مسمى المعتدلة مثل جماعة الإخوان المسلمين، التي يعلم كل من درس أدبياتها خصوصا التي خطها يراع المرشد المؤسس حسن البنا، وزعيمها المنظِّر سيد قطب، أنها، أي هذه المفاهيم، تشكل حجر الزاوية في دعوة الجماعة وأن الكثير من الحركات المتطرفة قد خرجت من عباءتها.

الجزء الثاني

قلت في الجزء الأول من هذا المقال إن المفاهيم الأربعة الرئيسة المسؤولة عن توليد العنف الأصولي الإسلامي: الأمة الإسلامية، الحاكمية، الخلافة الإسلامية، الجهاد؛ يتم ترسيخها في عقول الشباب ومنحها المشروعية عن طريق استخدام العديد من الآليات الثانوية التي يتم تبريرها عبر الأسانيد المأخوذة من القرآن والسنة وفتاوى الفقهاء.

يتم إقناع الكادر بضرورة الانضمام لمسيرة الجهاد الذي تتبناه الجماعات المتطرفة باستخدام العديد من الآليات المساعدة على تطبيق المفاهيم الرئيسية مثل فكرة “الولاء والبراء”، الذي يقول عنه الخباص في رسالته المذكورة:

“إن حكم الطغاة في تلك البلاد (أي البلاد العربية والإسلامية) لم تكن فيه فائدة لدين الشعوب أو حتى دنياهم. ولهذا هاجرت العديد من العائلات لأوروبا سعيا وراء الاستقرار والحياة الأفضل. وعلى الرغم من أن العديدين قد استفادوا من عيشهم في الغرب بلا شك مثل دراستهم للطب فإن هذا الأمر لم يتم دون دفع ضريبة. هذه الضريبة ليست بسيطة ولكنها عالية أدت إلى فقدان الكثيرين لعقيدة الولاء والبراء والكفر بالطاغوت، وتم استبدالها بعقيدة العلمانية التي يتم ممارستها تحت ستار يسمى بـ”الإسلام الحديث”.

مسؤولية فتح العقل تقع في المقام الأول على عاتق المسلمين أنفسهم وليس غيرهم

البراء يعني بغض الكافرين، ومن مظاهره عدم الإقامة في بلاد غير المسلمين، وعدم السفر إليها لغرض النزهة ومتعة النفس، وعدم اتخاذ الكفار والمشركين بطانة ومستشارين، وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.

من الأشياء الخطيرة التي تترتب على تلك العقيدة هي ضرورة كراهية غير المسلمين حتى لو سافرنا وأقمنا في بلادهم، فأنواع السفر لبلاد الكفر هي السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة، ووفقا لتلك العقيدة فإن هناك شروط للإقامة ببلاد الكفر أحدها أن يكون المقيم مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم.

أيضا تعتبر آلية “التترُّس” من الآليات المهمة التي تُعطي المشروعية لقتل المسلمين أثناء الحرب على “الكفار”، وفي هذا الإطار يقول ابن تيمية “وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترس بمن عنده من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم”.

قد كان من نتائج العمل بهذه الآلية أن فجرت المجمعات السكنية في العديد من البلاد الإسلامية وقتل الآمنين. كذلك تم استخدام العديد من الفتاوى التي تعضِّد السير في هذا الطريق مثل فتوى “ماردين” التي قال بها ابن تيمية.

تستخدم الجماعات العنيفة أدلة من القرآن والسنة للسيطرة على عقول الشباب وتجنيد الكادر، من أجل تبرير المفاهيم واعطاء المبررات للممارسات الهادفة لتحقيقها، ففي موضوع الجهاد يتم الاستشهاد بأقوال منسوبة للرسول مثل “من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق”، و “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله”.

أما قضية ذبح الأسرى، فيتم تبريرها باستخدام الحديث المنسوب للرسول والذي يقول: “أتسمعون يا معشر قريش: أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح”، وكذلك حادثة ذبح خالد القسري للجعد بن درهم، حيث قام بنحره في المسجد يوم عيد الأضحية، وذلك بعد أن خطب في الناس وقال في خطبته تلك: “أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم… ثم نزل فذبحه في أصل المنبر”. وقد تردد صدى هذه الممارسات في التهديد الذي أطلقته “داعش” للصحوات في ليبيا: “صبرا صحوات درنة، إنما جئناكم بالذبح”.

ومن ناحية أخرى، فإن تفجير النفس في الآخرين وقتلهم من خلال تفجير الجسد، فيتم تبريره بالحديث “مِنْ خير مَعَاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانّه”.

في قضية حرق الأسرى يستشهدون بالحديث المروي عن عكرمة “قال: أُتي عليٌّ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرِّقهم، لنهي رسول الله (لا تُعذبوا بعذاب الله) ولقتلتهم لقول رسول الله (من بدَّل دينه فاقتلوه)”.

ولكن تبقى الآية الخامسة من سورة التوبة والمعروفة بآية “السيف” هي الأكثر تأثيرا في نفوس الشباب: حيث يقول الحق تعالى: “فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم”.

تعتبر آلية “التترُّس” من الآليات المهمة التي تُعطي المشروعية لقتل المسلمين أثناء الحرب على “الكفار”

تُفسِّر الحركات العنيفة هذه الآية بالقول إنّ عدم الإيمان بالله والإسلام له يعتبر بحد ذاته مُبررا لإباحة قتل الإنسان حتى إذا لم يكن هذا الإنسان عدوا محاربا، وتنبني هذه الرؤية على مقولات جل علماء الفقه والتفسير الذين يعتبرون أنّ آية السيف قد نسخت كل آية مخالفة، والنسخ هنا يعني أنّ تلك الآيات المخالفة قد “سقط حكمها وبقي رسمها” ولا ينبني عليها أي أثر تشريعي.

بما أن الفكر العنيف يتشكل أساسا في العقول، فإنه لن يكون مُمكنا التخلص من ظاهرة العنف الأصولي الإسلامي بصورة جذرية إلا بفتح العقل المُسلم الذي أغلق بصورة كاملة منذ القرن الثالث عشر. إن الخطر الكبير الذي تمثله المفاهيم التي يتم استخدامها للسيطرة على العقول يكمن في استلاب أجيال بأكملها من الشباب وجعلهم وقودا للعنف الذي لا يجني من ورائه المسلمون شيئا سوى تكريس التخلف والجمود.

ومن البديهي الإشارة إلى أن مسؤولية فتح العقل تقع في المقام الأول على عاتق المسلمين أنفسهم وليس غيرهم، وتفيدنا تجارب التاريخ بأن الغرب المسيحي قد مر بذات المرحلة التي يمر بها المسلمون، ولكنه نجح في تخطيها بفكر الأنوار الذي جعل الغرب يتجاوز ظلام العصور الوسطى ويُمسك بزمام التقدم والحضارة في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..